Poster un commentaire

Lettre/Réponse de Rached Ghannouchi à la lettre de Mohamed Lamari-1995


BN23857Ghannouchi-SE-USmohamedهذا نص الرسالة التي رد بها الشيخ راشد على رسالة نصح كان أرسلها إليه الأخ محمد العماري و الأهمية ما ورد فيها من معاني و عبر رأيْنا أن نفيد بها عامة إخوتنا، و هي في الحقيقة واردة بصيغة العموم رغم اعتمادها رسالة الأخ في موضوعاتها و إثاراتها، و مع رسالة الشيخ نوافيكم بالنص الكامل لرسالة الأخ محمد العماري

بسم الله الرحمان الرحيم
لندن 29 جمادى الأولى 1416

أخي في الله محمد العماري السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،
و بعد،
فقد تلقيت منذ حوالي شهر رسالة منك هي نصح و توجيه و رؤية و قراءة لمسار الحركة و ما آلت إليه أوضاعها و تسجيل لما أتت القيادة من أخطاء، و سلكت من سياسات، و فيها تناول مركز لأخطاء رئيس الحركة و بعض رموز القيادة الآخرين و لسلوك القيادة جملة و كذلك فيها تقويم لمسيرة الحركة الإسلامية الجزائرية. و عل كثرة موضوعاتها فقد كان محورها أخطاء رئيس الحركة و تحميله مسؤولية ما ألت إليه الأمور…أمور الحركة و البلاد. و على الرغم مما اتسم به خطاب الرسالة من أدب و وقار واتزان فقد كانت أحكامها صارمة في إدانة سياسات الحركة و قياداتها و في اعتبار أن عقدين من الزمان ضاعت ثمارها و في تحميل قيادة الحركة مسؤولية ذلك.. و في تصوير مسارها سلسلة من الأخطاء و تغليب جانب التشخيص في ذلك بتركيز الأضواء على رئيس الحركة و إدانته بلا هوادة و بعض العناصر الأخرى مثل صالح.. و الانتهاء من كل ذلك إلى الدواء المتمثل في عودة وظيفة القيادة إلى الأخوة في الداخل.
و تعقيبًا على رسالتك الكريمة أيها الأخ الحبيب اكتفي بالنقاط التالية:
• أشكر لك جهدك المخلص في التأمل بمسار الحركة و واقعها و مستقبلها و المبادرة بالكتابة إلي و نصحي و تنبيهي إلى ما اعتبرته أخطاء كبرى، و دعوتي إلى التي هي أقوم، و ذلك شأن المؤمن الصادق و الأخ الناصح، أسأل الله أن يجعل كل كلمة من رسالتك في ميزان حسناتك، فإنما تقدمت أمم الغرب و تفوقت علينا مع كفرها بسبب مناخات حرية النقد و التفكير و التعبير و تخلفنا بسبب مناخات النفاق و الكبت و القمع السائدة في مجتمعاتنا و أعيذ جماعتنا المباركة أن تكون جزء من المناخ العام السائد في الأمة.
و إن من فضل الله على هذه الجماعة أن أحيت سنة قبل غيرها، سنة المحاسبة و المراجعة و التقويم و النقد الذاتي ـ و هي لعمري مقوم من مقومات بقائها و نهوضها و تغلبها على ما أصابها من محن ـ و لقد تأملت في رسالتك و تلوتها أكثر من مرّة بنفس مطمئنة و قلب سليم متلمسا فيها الخير و الرشد و السداد، داعيا لصاحبها متمنيًا على الله أن يكون كل إخواني على هذا النهج في الجرأة الناصحة و الموقف المسؤول بدل التناجي الذي يشبه الغيبة و النقد المتبرم الذي لا وظيفة له غير التعويض على حالة الضيق التي يعيشها الفرد في الحركة و مناخات الهزيمة السائدة… فواصل أخي النصح و أدع إليه.. فهو لا محالة يؤتي ثماره اليوم أو غدًا، و فيه على الأقل إعذار  » و قالوا معذرة إلى ربكم… و لعلهم يرجعون « .

• لاحضت أن تقويم مسار الحركة أفضى بنظرك إلى أن هناك حالة انهيار شاملة للحركة و البلاد و أن القادة بالتضامن و رئيسها شخصيًا و هو المسؤول ـ و لا سيما تصريحاته التي أضرت بالحركة في الماضي و تضر بها في الحاضر و المستقبل. ثم تستعرض الرسالة تلك التصريحات ما تعلق منها بالأوضاع الداخلية أو الخارجية لتنتهي إلى أن الحركة جنت على نفسها و على المشروع الإسلامي و على البلاد جملة، و تطرح السؤال عن المكاسب التي حققتها الحركة ؟ استهدفت بورقيبة و بقي مشروعه أقوى مما كان !
و التفسير الذي تقدمه الرسالة لما أصاب للحركة أنها جنت على نفسها عندما استعجلت و عملت لجيلها أكثر مما عملت للأجيال القادمة فأرادت أن تزرع و تحصد و تأكل الثمار في زمن واحد، و سيطرت عقلية العمل الطلابي، و سادت المزايدات، فضاعت كثير من الفرص من أهمها الدخول في تحالف مع الحزب الحاكم في انتخابات 89، و في حرب الخليج ظهرت الحركة أكثر تقدمية من القوميين و النظام و أيدت طاغية التاريخ ملطخ بالدماء…
• تنتهي الرسالة بدعوة حارة لرئيس الحركة أن يتقي الله في إخوانه المساجين المشرّدين الذين يتجرّعون مرارة هزيمة لم تكن في الحسبان  » و ضياع نضالات عقدين… اتق الله في أقاربنا و أصدقائنا و متعاطفينا الذين دفعوا و يدفعون الضريبة غالية… و اعملوا على الاقتصاد في لعنتهم لنا « .
• تصور الرسالة واقع المهجر و سكون المهاجرين إلى العيش و الدنيا، الأمر الذي يفرض المسارع إلى  » العودة بالقيادة إلى الداخل بتكليف الأخوة هناك بهذه المهمة و إعطائهم المبادرة… فكل حركة خرجت حكمت على نفسها بالذوبان، و إنه إذا حاور النظام يومًا فمع من هم في الداخل. إن هذه العودة من شأنها أن تضع حدًا للسياسة الهروب إلى الأمام التي تواصلها الحركة و الحرص على المواقع دون تغيير الواقع، كل هذا يجعل من الحركة شتاتًا يتلاشى يومًا بعد يوم… ما لم تنقذ الحركة نفسها و تضع حدًا لهذا التدهور التنظيمي « .
و في الأخير تبرأ الرسالة إلى الله أن صاحبها أشهد الله أنه قد بلّغ معتبرًا أن رسالته هدية، داعيًا إلى قبولها بصدر رحب.
و إني أكد للأخ الكريم كما سبق، أن مثل هذا الصوت الصادق إن شاء الله لا يلاقي عندي إلاّ حسن القبول و التقدير، غير أني لا عتب على الأخ العزيز انسياقه إلى عدد من الأخطاء.
• أولها: غلبة روح التشاوم على رسالته، و المؤمن بطبعه متفائل، أن نظرتك إلى الحركة لا تعدو كونها بناء فخما سامقا قد دُمّر على بكرة أبيه من أساسياته و ما ذلك إلاّ سبب جهالة و حماقة القائمين عليه ـ القيادة ـ و إني أعيذ نفسي و أي مؤمن من هذه الروح المتشائمة و هي نظرة أفرزها في تقديري ضعف في التحليل العقلي و ضعف في الإيمان، فأما ضعف التحليلي فيتمثل في الانحصار في مشهد الواقع حيث يبدو العدو منتصرًا انتصارًا ساحقا و تبدو الحركة في أشد حالات الهزيمة و الضعف فيحسب النظر القصير أن المعركة انتهت إلى هذا الحد و حُسمت إلى الأبد لصالح الطغيان. لا يا أخي، إن عدوك ليس قويًا إلى هذا الحد و أنت لست ضعيفًا إلى هذا الحد و إن من مظاهر ضعفه أن سيطرته لم تجاوز الجانب المادي. إن بينه و بين قلوب الناس حواجز ـ هو أعجز من أن يتخطاها ـ لسبب ضعفه الفاضح في عالم القيم و الأفكار، و بكل المقاييس لا أحد عاقلاً يتابع الوضع التونسي في تطوّره في كثب يرتاب في سلطة بن علي منذ 89 ـ باستثناء البريق الذي ناله في حرب الخليج و بدأ يخبو بمحاكمة النهضة سنة 92 ـ هي في حالة صعود، و يكفي في ذلك في متابعة علاقته مع النخبة العلمانية في الدفاع عن الديمقراطية التي تحالفت معه ضد النهضة في قطاعها العريض، و أعطت خطابه في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الإنسان و المجتمع المدني ضد  » الخطر الأصولي  » مصداقية. أليست تلك العلاقة المهمة جّدا هي بالتأكيد في حالة تدهور متزايد، و كان من محاطاتها المهمة المناسبات الانتخابية المحبطة، و ضرب منظمة حقوق الإنسان، و ضرب حزب العمال الشيوعي، و سجن المرزوقي، و أخيرًا سجن مواعدة… ألم تقرأ رسالة مواعدة باسم المكتب السياسي لحركته إلى الطاغية؟ اقرأها جيدا حتى تستعيد الثقة في مصداقية خطاب حركتنا المبني على تشخيص ليس عاطفيا كما يُظن، بل هو عين الواقع. إن حالة الإحباط التي تنطق بكل حرف فيها رسالة مواعدة و تأكيده على إفلاس مشروع التغيير و إفلاس رهانه على مشروع 7 نوفمبر و تأكيده على أن البلاد فقدت حتى المكاسب التي حصلت عليها في عهد بورقيبة فقد تراجعت تراجعات خطيرة.

إن هذه الرسالة المهمة إلى جانب كثير المؤشرات التي سبقتها تؤكد ما صرّح به أهم مؤرّخ تونسي معاصر هشام جعيط عندما وصف البلاد بأنها كالقدر المضغوط  » كوكوت  » فهل تعتبر حالة الإحباط لدى النخبة التي تفاءلت ببن علي و حالفته تعبيرًا عن نجاح أم إفلاس ؟ إن سياسات النظام الحمقاء التي تعاملت مع الشعب و نخبته و مشاكله كحالة أمنية لتقدم بحد ذاتها خدمات يومية لهدايا قدرية للنهضة ـ إذا عرفت كيف تستفيد منها ـ أنما ما كسبه النظام من قوّة هي ثمرة لظروف دولية و عربية و مغاربية مناسبة استفاد منها و وظفها في ضرب النهضة مستغلاّ أخطاءها و لا شك. ولكن بسبب فقدانه للرسالة، للمشروع، وإفلاسه ألقيمي، فإن انتصاراته هي ظرفية بالتأكيد ريثما يستجمع الشعب طاقته مستوعبا الهجوم، ليتهيأ إلى رد الفعل و يعود التحالف الذي حصل في الثمانينات بين الحركة الإسلامية و العلمانية ليفسح على أرضيته المجال لعودة انطلاقه و حركية دفاعات المجتمع، عودة حركة الشارع، عودة الحركة الطلابية، و النقابية و الثقافية، و هذه العودة القادمة لا محالة بإذن الله ستتسارع إذا حصل تطور ايجابي في المنطقة العربية و في محيط تونس و في العالم، وهي احتمالات واردة جدّا إذ الثابت أن خصوم المشروع الإسلامي جميعهم في عالم القيم غارقون في الأزمات و إن استقرارهم هش و إن مقاومة الشعوب متواصلة رغم الصعوبات، و إن استمرار مشروع السوداني و الإيراني و استمرار المقاومة في مصر و الجزائر و البوسنة و الشيشان و فلسطين و لبنان، و السود في أمريكا، و في غيرها لدليل على أن زمام الأمور لم يستقر للأمريكان و حلفائهم من الصهيونية و الأنظمة العربية، و إن كفاح الشعوب متصاعد، و إن هناك حالة ارتباك في النظام  » الدولي  » من جرّاء التناقضات الداخلية لذلك النظام و ضعف المستوى القيادي، و تصاعد مقاومة الشعوب بلغة أخرى.
إن من مظاهر ضعف النظر التحليلي في رسالتك للمشكل التونسي و لما أصاب الحركة عزلك لتونس و كأنها أمة عظمى و دولة مستقلة و تجريدك لجغرافيتها و كأنها جزيرة معزولة عن سياق دول محددة، مع أن تونس بلد صغير معظم سياسته هي انعكاس للأوضاع دولية و إقليمية معروفة. إن ما حصل في تونس منذ89 هو في جزء كبير منه انعكاس لأوضاع العالم في أعقاب حرب الخليج، و الانهيار الديمقراطي في الجزائر و للحصار الذي فرض على ليبيا، الأمر الذي أتاح لنظام بن علي فرصة مهمة للإنفراد بالحركة مستفيدًا من الموجة الدعائية العالمية ضد  » الخطر الأصولي « ، و مما حل بالجزائر و ليبيا الأمر الذي جعل الحرص على بقائه و استقراره شديدا لمحاصرة البلدين المذكورين… و منع النار أن تتوسع. و كما سبق فإن جملة المعادلة في المنطقة و العالم مهتزّة جّدا، و ذلك لما يفسر الانشغال المتواصل بالمنطقة. و من ذلك مؤتمر برشلونة الذي سينعقد في القريب للنظر في الحالة الجزائرية أساسا، و انعكاساتها، و تصريح نائب وزير الدفاع الأمريكي اتجاه الوضع في منطقة المغرب العربي و الأخطار المتربصة بتونس و المغرب.
الخلاصة من ذلك أن ما حصل في تونس من ضرب شديد للنهضة هو جزء لا يتجزّأ من المعادلة التي أفرزتها حرب الخليج و انهيار الأوضاع في المنطقة العربية و المغاربية لصالح السيطرة الأمريكية الغربية الصهيونية. و إنما أصاب النهضة هو جزء مما أصاب الحركة الشعبية جملة في تونس و في المنطقة. و إن الاستقرار القائم اليوم هشّ و معرض للاهتزاز. و ذلك لا ينفي بحال مسؤولية النهضة و لا يبرأها مما وقعت فيه من أخطاء سواء في استدراجها إلى ساحة المواجهة غافلة عن الظروف الداخلية و الخارجية غير المواتية، أو في الأخطاء المنهجية التي أدارت بها المعركة. و لكن هذه الأخطاء في الوقت نفسه لا ينبغي أن تصرفنا أو تعزلنا عن الوضع الدولي الذي يلفنا و يؤطر المنطقة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي و في أعقاب حرب الخليج و في سيطرة مشروع التسوية كسياسة دولة أريد فرضها و اقتضى ذلك ضرب قوى المقاومة, و كذلك مشروع الهيمنة الاقتصادية الغربية المتمثل في سياسات التحرير الاقتصادي التي يشرف عليها البنك الدولي كسياسية دولية ملزمة، و بذاتها تقتضي لا محالة ضرب قوى المقاومة الشعبية. إن الغفلة عن كل ذلك هو ظلم للنفس و للحقيقة العلمية و سقوط في سياسة جلد الذات و قتل النفس أو تجريمها مقابل تبرئة الأعداء و تحويلهم إلى ضحايا، و إن لم يبرز ذلك في رسالتك و لكنه النتيجة الحتمية التي وصل إليها كل من تبنى منطلقاتك في التحليل. و من مؤشرات ذلك أن رسالتك التحليلية لم تتضمن أي إدانة لنظام القمع و للسياسات الدولية الهيمنة و الصهيونية المتحالف معها. قد تعتذر عن ذلك بأن خطابك نصح موجه إلى جهة قيادة الحركة و ليس خطابا عاما، و لكن آليات التحليل واضحة، عدونا ربح المعركة ربما للأبد بسبب شطارته، و نحن خسرنا المعركة ربما للأبد بسبب غشامة قيادتنا و تصريحاتها العنترية! إنه تبسيط مخل بالحقيقة مضلل لكل تخطيط سليم، نهايته إما الانزواء و الانكماش و اليأس أو الوقوف على أعتاب العدو للاعتذار أملا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه!! و كأنّ عقارب الزمن قد توقفت… أو ربما الاندفاع الأعمى إلى أعمال هوجاء انتحارية، هي ضرب آخر من التعبير عن اليأس، أنا أدعو أخي الحبيب و سائر إخواني أن يقرأوا و أن يتأملوا في مسيرة الدعوات و حركات التغيير و المواجهات الكبرى بين الطغاة و حركات الثورة و الإصلاح، ليستيقنوا أن انتصارات الطغاة على الدعاة هي الحالة العابرة مهما طالت، لأن هذا الكون قام على سنن ثابتة من الحق و العدل، و إن سقوط الاتحاد السوفياتي و نظام التمييز العنصري و نهوض الحركة السوداء في أمريكا الطغيان الأمريكي، و حركات تحرر الشعوب، و في الساحة الإسلامية انطلاق حركة الإخوان المسلمين مجدّدا كأقوى حركة شعبية في الساحة المصرية بعد غياب استمرّ عقدين من الزمن هيمنة فيهما أيديولوجيا جبارة و زعامة عارمة، و ظروف دولية مناسبة جدّا، و لكن أين الناصرية اليوم و أين الإخوان ؟ كل ذلك و غيره يشهد بيقين على فداحة ضعف التحليل الذي يركز على أخطاء قائمة أو مفترضة في صفوف دعوات الحق لينتهي إلى مصادرة كسبها واعتباره كأنه لم يكن، بل و تحويل اتجاه السهام عن الطغاة صوب الدعاة لاتهامهم في عقولهم و اتهامهم حتى في قصدهم، لأنه ما حركهم غير الحرص على المواقع، واستعجال الثمرة و أنهم قد فاتهم التحالف مع عدوهم و انخراطهم في حزبه! أسوة بما فعله غيرهم! إن مثل هذا التفكير و النظر هو للأسف لا يعد بحال سبيلا للخروج من الأزمة بل تكريس لها و هو في حد ذاته مظهر من مظاهرها. إن عدونا أيها الأخ الحبيب ليس بمثل الصورة التي تصور رغم هيمنته شبه المطلقة على الساحة، و نحن بالمقابل لسنا بالضعف الذي تتصور رغم ما أصابنا و رغم غيابنا عن الساحة، إن هذه الحركة المباركة رغم ما أصابنا بل بسبب ما أصابها ما تزال تمثل العنصر الرئيسي في المعادلة التونسية و أنها و زعماؤها أهم البدائل المرشحة و ذلك بعد أن فشلت كل الحلول التي افتعلت لحل المشكل التونسي بتجاهل الحركة و على حسابها. إن حضور الحركة في الساحة التونسية هو الذي أعطى للسياسة معنى، و تغييبها بالقوة ـ إلى حين ـ أنهى السياسة جملة فما بقي لاعب غير رجل الأمن. لا أحد منصفا يجرؤ على القول إن وضع تونس اليوم عادي و أنها مستقرّة، إذا كانت مستقرّة لماذا هذه العسكرة الشاملة ؟ إذا كانت مستقرّة لماذا هذا النمط من الانتخابات ؟ إذا كانت مستقرّة لماذا هذا الهلع من الإسلاميين ؟
إن الدعوات الكبرى أيها الأخ الحبيب لا يمكن ليد الطغيان أن تستأصلها و إنما تؤصلها، و تعجم عودها و تزيد من كسبها النضالي. ألا يفخر زعماء الحركة الوطنية بالسجن و التشريد في مقاومة عدوهم ؟ ألم يؤسسوا على ذلك شرعية حكمهم ؟ فلماذا يريد تحليلك أن يؤسس على ملف سجننا الحافل و ملف مهجرنا في أوسع هجرة شهدها تاريخ تونس الحديث، و ملف معاناة عائلاتنا و شهدائنا، أن تؤسس على هذه الملفات الضخمة.. ومنها ملف صمودنا، و الفيتو الذي لا نزال نمارسه على النظام و السياسة في تونس: إنه بدوننا لا سياسة و لا ديمقراطية و لا انتخابات و لا استقرار و لا تنمية نهاية، و ذلك الذي سيكون بإذن الله. لماذا يريد تحليلك أن يؤسس على هذه الملفات الضخمة التي هي موضع حسد منافسينا و أعدائنا شهادة و فاتنا و اندثارنا ؟ قل لي بربك أيهما أفضل حالا على صعيد الكسب السياسي اليوم: الذين تحالفوا مع بن علي: مواعدة و حرمل و التليلي، أم الجبالي و شورو و اللوز و الغنوشي، أي الفريقين أهدى في السياسة ؟ أيهما أقرب إلى قلوب الناس ؟ أيهما المرشح أكثر للمستقبل ؟
اقرأوا يا أحبائي في سفر تاريخ الشعوب و حركات المقاومة و نتائجها كلها تعزز ما نقرؤه في كتاب ربّنا ليلا نهار  » إنه لا يفلح الظالمون… »  » و العاقبة للمتقين ».
أما الخطأ الثاني في قراءتك أنها لا يعوزها عمق التأمل و التحليل العقلي فحسب، و إنما يعوزها أيضا القدر الكافي من الروح الإيماني و اليقين الراسخ بقدر الله و رعايته السابغة لأوليائه و هو الأمر الأشد خطرا و إيلاما، إذ للمسلم عاصمان من الخطر، إيمانه و عقله. و كما كانت رسالتك تعبيرًا عن الضحالة التي أصابت أبناء الحركة في ثقافتهم السياسية و عقلهم التحليلي فقد عبرت بشكل أفدح عن غياب النظر الديني جملة تقريبا، فغابت في استعراضك لما حل بالحركة من مصائب و محن أية إشارة لمفاهيم الابتلاء و القضاء و القدر و الاحتساب و التمحيص و الفتنة على اعتبار أن حركة التاريخ تحكمها إرادة الله سبحانه و أن مرد كل الأمور إليه و أن ما أصابنا من خير أو شر فمندرج ضمن هذه المشيئة الإلهية المطلقة، و أن كسبنا أي نصيبنا من الفعل الذي نحن مكلفون به بذل أقصى الوسع في تحرّي الحق و تحصيل المصلحة في إطار الشريعة و إخلاص القصد لله سبحانه، و قد ندرك الحق و الصواب بتوفيق من الله و يدركنا عون منه فننتصر و قد لا ندرك ذلك ابتلاء منه لنا سبحانه، و قد ندرك الحق و الصواب و مع ذلك يتخلف النصر لأسباب أخرى يقدرها المولى فلا نشهد في حياتنا ثمار عملنا  » فإنما نُرينّك بعض الذي نعدهم أو نتوفّينّك  » أي قبل ذلك،  » فإما نذهبنّ بك فإنا منهم منتقمون أو نُرينّك بعض الذي نعدهم فإنا عليهم مقتدرون » فليس على المؤمنين أفراد و جماعات إلا أن يتحروا مراد الله سبحانه و قد يصيبون ذلك و قد يخطئون و لكنهم في كل الأحوال مثابون عملا بقاعدة  » من اجتهد و أصاب فله أجران و من اجتهد و لم يصب له اجر واحد « . فما تحرى المسلم الصواب وسعه فهو مأجور، فليس عليه أن يحزن أو يقنط إذا فاته مراده إذا الأمر كله بيد الله  » و كأي من نبي قتل، معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا و ما استكانوا، و الله يحب الصابرين  » بل إن من مراد الله سبحانه من إيقاع المصائب بعباده، و منها تأخر النصر و غلبة العدو عليهم إلى حين، تمحيصا لنواياهم و مراجعة لوسائلهم و تطهيرا لصفوفهم من المنافقين و طلاب الدنيا المتعجلين.. و كذلك تمرينهم على عدم الالتفات إلى الدنيا و الارتفاع بحياتهم النفسية إلى درجات من السمو يصبحون بها فوق الحزن و الفرح الدنيويين، قالع تعالى:  » ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها لكي لا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم و الله لا يحب كل مختال فخور ». و لا تزال كلمات الصحابي أبن مضعون في لحظة استشهاده ترن في أذن الزمن موقظة للغافلين:  » و لست أبالي حين أقتل مسلما… على أي جنب كان في الله مصرعي ».
إن الإيمان بالقضاء و القدر و هو قلب العقيدة الإسلامية هو الإيمان المطلق بخضوع الكون المطلق لإرادة إلهية كونية عادلة رحيمة لا يعزب عنها مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء. و إنه ضمن هذه الإرادة الكونية الشاملة ترك للإنسان الخليفة مجال للكسب و المسؤولية يسير فيه المؤمن مهتديا بقواعد الشريعة مجاهدا نفسه حتى تخلص أمرها كله لله سبحانه، فلا ترى في الكون فاعلا حقيقيا سوى الله سبحانه. و إن مناط الحساب جزاء و عقابا لا يتعلق بما يحصل عليه المؤمن من نتائج، فهذه أمرها بيد الله، و إنما مدار الحساب يتعلق أساسا بمدى جهد الإنسان في إخلاص القصد لله و الاجتهاد حسب الوسع في إتباع الشريعة، مع اليقين بأن الله سبحانه يرتب النتائج بحسب مقتضيات إرادته الحرة و عدالته المطلقة و رحمته السابغة.
إن الإيمان بالقدر الشامل قد يتحول إلى تكأة يسند إليها المؤمن أخطاءه و يتحلل بها من مسؤوليته، فالمؤمن يظل أمام العدالة الإلهية مسؤولا عن مقاصده و مدى تحريه في إتباع الشريعة.. و الصواب، أما النتائج فليست مسؤوليته في الآخرة، على حين أنه أمام عدالة الأرض مثل سائر الناس مسؤول عن أفعاله كلها، قصد أم لم يقصد، غير أن انعدام القصد سبب من أسباب تخفيف العقاب كالقتل على وجه الخطأ…
و إنما الإيمان بالقدر تحرير للإنسان من مصدر أساسي للطغيان و التسلط عندما يعتقد أنه الفاعل الحقيقي باستقلال عن الله. أو هو مصدر للهون و العجز و الحسرة و اليأس عندما يعتقد الإنسان أنه الفاعل.. و يبذل الجهد غير أن النتيجة تفوته فيأسي و يتحسر و قد تبلغ به الحسرة حد قتل النفس أو البحث اللاهث عن التعويض و الهروب إلى عالم الخمرة أو الجريمة… أو السحر و الشعوذة…الخ. و ذلك أن كاهل الإنسان أضعف من أن يتحمل عبء هذا الكون و ينهض باستقلال بمصيره، و إلا شارك الله في المكانة، الله وحده فعّال لما يريد، و هو وحده لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء، أما الإنسان فله كسبه، له نصيب من الفعل، يزيد بالمجاهدة و العلم. غير انه بقدر ارتفاع مستوى مجاهدته و علمه بقدر ما يزداد تواضعا و فعالية و تسليما لله حتى ليرى يده هي الفاعلة في كل شيء.
إن الإيمان بالقدر ليس سبيلا للتفصي من نصيب الإنسان في المسؤولية ولا هو سبيل للتهرب من المحاسبة و النقد، فليس ذلك من الإسلام، هناك مسؤولية و مساءلة و محاسبة و عقوبة و جزاء. و لكن كل ذلك في إطار الإيمان بإرادة الله الشاملة، و الإيمان بان عواقب الأمور بيده  » و لله عاقبة الأمور « . يحاسب الإنسان أمام الله على نيته و يحاسب في الدنيا على مدى طاعته للقانون الإلهي، و حيث سكت القانون فهناك مجال للحرية و الاجتهاد، حيث يكون المرء مأجورا ما أخلص. و في العمل الجماعي حيث يسكت القانون ( الشريعة ) مطلوب إعمال الشورى. و يحاسب المسؤول على مدى إعمالها، فإذا اعملها فأخطأت في تحصيل الصواب، فالأجر لا يفوت و إن فاتت النتائج المرغوبة  » و ما كان الله ليضيع إيمانكم (أي عملكم) إن الله بالناس لرؤوف رحيم « . و هذا التصور يفيض على شخصية المؤمنين أفراد أو جماعات الطمأنينة و الوقار و الرضى و التفاؤل، و تكرار المحاولة باستمرار بلا يأس و لا فتور بعد تحري الصواب قدر الجهد.
انه في هذا الإطار تعالج الأخطاء في تؤده و اطمئنان و ثقة في الله و في النفس و المستقبل و بعيدا عن اللجاجة و الضيق و التبرم و البحث المحموم عن المجتهد المخطئ لتجريمه بما يذكر بحالة أهل النار و غيضهم على الذين أضلوهم في الدنيا  » أرنا الذين أضلانا من الجن و الإنس نجعلهما تحت أقدامنا  » مع أن الأخطاء في حياة الأفراد و الجماعات منتظرة، فلقد أخطأ عدد من الأصحاب في غزوة احد و ترتب عن ذلك خسران معركة و إزهاق أرواح و بلاء عظيم كاد يستأصل شأفة الجماعة المؤمنة. و لكن القران الكريم علم المؤمنين كيف يعالجون أخطاءهم بدء بالتسليم لقدر الله إن ما أصابهم كان بقدر الله و كان لا بد أن يصيبهم  » قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم و ليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم و الله عليم بذات الصدور: إن الذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا و لقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم: يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم و الله يحي و يميت و الله بما تعملون بصير… » و ذلك بعد أن عرّض بالطائفة التي ظنت ظن الجاهلية  » يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون ما في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا  » و هكذا يقول خلفاء هذه الطائفة من المؤمنين لو كانت القيادة بأيدينا، لكانت بأيدينا السلطة اليوم و ما تعرضنا لمصائب القتل و السجن و التعذيب و التهجير و فراق الأهل و الخلاّن و مرابع الصبا و ما خسرنا المستقبل، و الجواب  » قل إن الأمر كله لله  » تلك هي فلسفة المؤمن و عقيدته في التعامل مع أحداث الماضي و التسليم بالفعل الإلهي نتيجة و البحث في مجال الأسباب من اجل الوقوف على سنن الله في النصر و الهزيمة و النجاح و الفشل من اجل الاعتبار بها في المستقبل.
و إني لأرى بوضوح أن الروح العامة السائدة في رسالتك أيها الأخ العزيز لا تخلو من هذه الفلسفة بل العقيدة في التعامل مع ما أصابنا، فلا نظر عقليا يستوعب ما حدث في سياقه التاريخي العام و لا نظر دينيا في التعامل المطمئن مع أقدار الله سبحانه، بل يشبه أن تكون هذه النظرة علمانية مبسطة مغلّفة بغطاء ديني رقيق، و هو نهج في النظر غير مجد لا في الدنيا و لا في الآخرة، انه جلد للذات و دفع غير واع إلى التحلل و اليأس و تبرأة للعدو من جرائمه مع أن الحركة إذا كانت قد أخطأت ـ و المؤكد أنها قد أخطأت ـ فليس خطؤها بحال يتعلق بمشروعية مواجهة النظام ـ فهو جدير بالمواجهة و العداء ـ و يوما بعد يوم يتجه إجماع الشعب إلى نفض اليد منه و إدانته و تجريمه و عودة التحالف ضده و هو ما كان حاصلا قبل 7 نوفمبر المشئوم. إن ما تؤاخذ عليه النهضة ليس أنها واجهت النظام و كانت الأسرع إلى سحب الثقة منه و العمل على تغييره، فذلك بحد ذاته شرف و مكسب تاريخي في سجل نضالها خلافا للجماعات التي واصلت معه التحالف، فهي اليوم تندم، و رسالة مواعدة شاهد مفحم. و إنما تؤاخذ عليه و يؤسف على عدم حصوله هو أن هذه المواجهة لم تفض إلى تخليص الشعب من هذا الكابوس و الشر المسيطر على حين كان يعقد الشعب آمالا عريضة على أنها وحدها القادرة على تخليصه من السرطان المزمن الذي مثله و لا يزال حزب الدستور اللعين و جهاز القمع المتوحش و العصابة المتسلطة.
أو تظن أيها الأخ الحبيب أن عشرات الآلاف من خيرة شباب تونس قد عرّضوا أنفسهم و أهلهم لمختلف ضروب العسف و القهر و لا يزالون صامدين، قد ذهب عملهم سدى، ذهبت دماؤهم و دموعهم و ابتهالاتهم و استغاثاتهم هدرا ؟ كلا، بل أن كل ذلك في كتاب لا يضل ربي و لا ينسى  » و ما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم  » و إن الصامدين اليوم في غياهب السجون و في ارض الحصار و المهجر هم الأبطال و هم حكام تونس في الغد، أو أبناؤهم، ما في ذلك ريب إن شاء الله و سيكون بلاؤهم اليوم و صمودهم هو رسالة اعتمادهم و ترشيحهم في المستقبل و مناط فخرهم و اعتزازهم، و هل كان وضع سيد قطب أو الهضيبي أو مشهور أو التلمساني و إخوانهم الأبرار في غياهب السجون و حمامات التعذيب، على حين كان عدوهم يملا بزعامته و مشروعه ليس مصر فحسب بل الدنيا قاطبة في مناخ عربي و دولي تتصاعد فيه أفكار العلمانية و الاشتراكية و العروبة، و لا أثر لحركة الإسلام في مجال الصراع الحضاري و السياسي غير قليل في مصر، و بلاد قليلة، هل كان وضعهم المحلي و الدولي أفضل حالا من وضعنا ؟ كلاّ، بل أن وضعنا لأكثر من سبب أفضل بعد إفلاس العلمانيات و ظهور الإسلام معطى رئيسيا في السياسات الدولية و اشتداد الطلب على الإسلام منقذا في كل مكان، فضلا عن المستوى التافه لطغاة زماننا و بالأخص طاغيتنا بالقياس إلى طغاة ذلك الزمن مثل بورقيبة و عبد الناصر. فلماذا صبروا و كثير منا يتململون ؟ لماذا رفضوا حتى ملف التقويم و المحاسبة، قائلين الوقت وقت صمود لا وقت حساب و تلاوم ؟ أو تظن أنهم لم يخطئوا في مسيرتهم، بل المؤكد أن أخطاءهم قد تكون تجاوزت أخطاءنا، فقد اخذوا بأعمال عنيفة قام بها جهازهم الخاص الذي كُشف و اخذوا بمحاولات اغتيال و تفجير نُسبت إليهم، و المؤكد أنهم فعلوا بعضها على الأقل، و اخذوا بأنهم عُرضت عليهم الوزارة و لكنهم رفضوا إلا أن يكونوا أصحاب الكلمة العليا على الثورة، و بذلك حوّلوا قائد الثورة الذي كان شابا من شبابهم إلى عدو لهم أحدث فيهم اختراقات خطيرة، و لكنهم في مناخات محلية و دولية بالغة الصعوبة صبروا و احتسبوا و لم يعطوا للطاغية أي تنازل، و ظلوا مصابرين مستغيثين بالله طوال مرحلة كاملة من صعود المشروع القومي العلماني إلى لحظة سقوطه. و لم يسقط بأيديهم و إنما بمصيبة، بقدر الهي تمثل في هزيمته على يد اليهود، فسقط الطاغية و سقط مشروعه و خرج المساجين أبطالا لأنهم كانوا شاهدين بسجنهم و صمودهم على إدانة مرحلة زكاها الآخرون و انخرطوا فيها طلبا لمنافعها أو اغترارا بها، فهل نحن أحسنا أن كنا أول من خرج من سفينة بن علي المتجهة إلى الغرق ؟ أم قد أسأنا كما يظن البعض لأننا لم نواصل معه الرحلة، ماذا اغتنموا اليوم ؟ و هل لو استقبلنا من امرنا ما استدبرنا، هل كنا نرتحل معه خطوة واحدة أم نستمر في المقاومة ؟ ظني انه كان علينا ـ رغم أوضاعنا بالغة الصعوبة يومئذ و لكن أخطرها القضية الأمنية ـ أن نواصل المقاومة و الرفض إلى أن نحقق تغييرا حقيقيا في موازين القوى لصالح المجتمع في علاقته بالدولة. فما لم يحدث ذلك، ما لم تروّض دولة القهر و تؤدب و تنزع أسنانها و تؤنس بعد توحش و يُفَك بينها و بين حزب الدستور اللعين و تخضع لإرادة الشعب و سلطة القانون فلا أمل في الحرية و الديمقراطية و دولة الإسلام، بقطع النظر عن نوعية الحاكم. و لو بن علي غدا سيكون خليفته من نوعه أو أنكى ما لم يرتفع مستوى وعي الشعب و نضالا ته و بلاءا ته إلى حد القدرة على تأديب الدولة و ترويضها و تأنيسها. و في هذا الإطار يكون ما أنجزته الحركات الشعبية الطلابية و النقابية، اليسارية و الديمقراطية و الإسلامية إرهاصات على طريق تحرير الشعب من قبضة الدولة و إعادة السلطة إليه، و يكون ما أصاب الحركة الإسلامية من بلاءات عظيمة واسعة و عميقة تدريبا ضروريا للشعب على ترك العيش الرخي و تحمل الأوضاع الشاقة و مغادرة الخوف من السجن و التهجير و الموت  » و لقد كنتم تمنّوْن الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه و أنتم تنظرون « .
إن شعار فرحة الحياة الذي رفعه بورقيبة عن طريق الانخراط في المفاسد الغربية و التخلي عن شرف المقاومة و الجهاد، عارضته الحركة بمشروع واسع لتدريب الشعب على تحمل ألألام في سبيل الله.
أن يسود تونس جو من الحزن و الوجوم و الرعب و الكمد و الغيض ضد النظام و تمتلئ الصدور بالنقمة ضده و الثأر منه… أن تبكي الآلاف مئات من الأمهات و الزوجات و الأخوات.. أن تتصاعد الزفرات في كل مكان و تلهج القلوب و تستغيث بالله داعية بالويل على الطاغية و حزبه و أجهزته.. أن يُشرّد الآلاف في خمسين دولة في العالم بعضها دخلها التّونسيّون لأوّل مرّة في التاريخ.. أن تمتلئ السجون بالأحرار.. أن يطرد عشرات الآلاف من وظائفهم.. أن تصبح الأصولية مصدر رعب للعدو و قلق.. و باعث أمل لدى الشعب في الخلاص… تلك يا أحبائي الإرهاصات الضرورية للثورة.. ليوم الزحف الأكبر.. لهدم دولة الطاغوت و قيام دولة الشعب، دولة الحرية، دولة الديمقراطية، دولة الإسلام، فلا تأسوا على ما فاتكم و لا ما أصابكم إذا كان فعلكم حقا في سبيل الله، فضلا عن كونه مقدمات ضرورية للثورة المقدسة و يوم الخلاص الأعظم.. فلا يأسركم الواقع، فمن آلامه الطافحة تنبثق بشائر المستقبل الزاهر. إن حركتكم تكاد تكون وحدها الصامدة في وجه الطغيان تمارس عليه فيتو صارم: انه بعد اليوم لا حرية و لا ديمقراطية و لا استقرار دون الإسلام. صحيح انه قد نال العدو من دنياكم، من أبشاركم و أموالكم و أرواحكم، و لكن نيلكم منه عند التحقيق ليس بالأهون، فقد ضربتم في العمق سمعته و قيمه المعنوية و فضحتم شعاراته و حكمتم على مستقبله، مستقبل حزب الدستور بالإعدام. إن الماديات تعوّض و لكن خسارة المعنويات لا تعوّض..
لقد حكم التمييز العنصري 300 سنة و ها هو اليوم يتهاوى كأوراق الخريف رغم الثورات الهائلة و الدعم الدولي.. و ها هم عبيد الأمس سادة اليوم بقيادة الزعيم مانديلا الذي تحمل آلام السجن و هو ابن السبعين أكثر من ربع قرن، لم يتنازل لحكم الطاغوت و أصر على عودة السلطة للشعب، للغالبية، فلماذا وحدنا نريد طريق النصر معبدا بلا أشواك و لا عقبات ؟ و إذا كنا قد استعجلنا ـ و ذلك ما كشفه حسبنا ـ فلنتعلم و لنصبر و لنصمد. و محنتنا لم تذهب بأرصدتنا بل زادتها لأننا لم نواجه نظاما وطنيا، نظاما يحمل رموز العدل و الحرية و يمثل الإرادة الشعبية حتى نكون مورطين تاريخيا أور دينيا بل واجهنا عصابة مافيا و طغمة فاسدة و حثالة المنتوج العلماني الاستعماري في تونس. فإذا حرمنا تاج النصر على العدو فقد فزنا بشرف مواجهة الباطل و دخلنا بشعبنا دورة تدريبية واسعة و عميقة في النضال أثرت ملفه النضالي و شكلت خميرة مهمة لثورته المستقبلية. إنها ثروة لا تقدر! ذلك وسام الدنيا و ما عند الله خير و أبقى، فعلام يأسى المؤمن على ما بذل، ما كان بذله لله، فمن فاضت روحه في المواجهة فقد فاز بإحدى الحسنيين، مبتغى كل مؤمن. و من سجن فهي خلوة يتطهر فيها و يتهيأ لجولات قادمات. و من شرد فقد أحيا سنة المهاجرين الأول، يتأمل في ملك الله الواسع و يكتسب تجارب و علوما و أرصدة تثري المشروع الإسلامي اليوم و غدا، فَلِمَ التباكي و التضجر و التحسّر على ما فات، و كأنها كانت الفرصة الأخيرة التي لن تعود. و هب هذا الجيل كله من أبناء دعوة الإسلام قد قضى كله نحبه صابرا مصابرا في السجون و المهاجر، كما قضى جيل موسى عليه السلام في الصحراء يتطهر من الادران، فسيولد في أثره جيل جديد اصبر و ارشد و اخلص، و يكون الفتح على يده، إن كنا نلوم أنفسنا إننا تعجلنا فقد تعجل أنبياء من أولي العزم  » و ما اعجلك على قومك يا موسى.. قال هم أولاء على اثري و عجلت إليك ربي لترضى « . و قد تعجل أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ( قيل الشباب منهم خاصة ) و ضغطوا على القيادة فاستجابت، كما ضغط شباب حركتنا على قيادتهم يوم اشتد القهر فناجزوا عدوهم قبل استكمال شروط المواجهة، فكان ما كان، و كما تلت غزوة الفتح بعد سنوات قليلة غزوة احد، فستتلو مواجهة 92 فتوحات عظيمة تشفي صدور قوم مؤمنين، و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله..

التصريحات:

أما عن الأخطاء التي سجلتها في رسالتك سواء على صعيد التخطيط للمواجهات السابقة أو على صعيد الخطاب و التصريحات فمعظمها أنت مصيب فيها. و ما نقمتُ عليك فيها إلا روح المرارة التي تطفح بها و الأسى و الحسرة. و أحب على هذا الصعيد أن ابدي الملاحضات التالية:

• إن من كثر كلامه كما هو مأثور عن الصديق رضوان الله عليه، كثر خطؤه. و أنت جمعت لي بضعة أقوال لو وضعتها في سياق جملة تصريحاتي خلال العشرية الأخيرة أو الخمسية، و التي تشكل مجلدات، لوجدتها قليلة رغم فداحة الأخطاء في بعضها. و كان حبيبا إلى نفسي أن يشاركني في هذا العبء إخواني القياديون و لكنهم رفضوا ذلك تقديرا منهم للظروف المحيطة بهم في فرنسا خاصة، و التي يقدر أن أي راس يرتفع فيها من إخواننا سيعصف به عند أول موجة غضب و هستيريا تجتاح القوم، و ما أكثرها.
أما عن التصريح لمجلة  » لوبوان  » حول  » الجبهة الإسلامية  » و حدث الحدود فالمجلة لم تورده كاملا إذا كان تصريحا طويلا اقتطعت منه نبذا فجاءت الصورة مهتزة. و أنا لم انسب  » للجبهة  » شيئا لم تنسبه لنفسها. ففي بياناتهم منذ نهاية الثمانينات أعلنوا اعتمادهم المنهج الجهادي في التغيير و لا يزالون، رغم أنهم عندما بدأت نذر الاختناق باعتقال بعض عناصرهم نفوا عن أنفسهم ذلك، و لم يكن ذلك قبل تصريحي المذكور بل بعده. و معتقلوهم في فرنسا أصروا على انتماءهم للحركة. معنى ذلك أنهم مصرون على الخلط، و نحن يكفينا تحمل تبعة أوضاعنا، و ليحمل كلُُّ تبعة عمله، فذلك مقتضى الشرع و الأخلاق. و بالأمس فقط في جريدة الحياة 25 جمادى الأول ـ 19 اكتوبر عاد ممثلهم ( الحراثي ) يدعو إلى عدم استبعاد أي وسيلة لمقاومة النظام. أما نسبة المشاركة في عملية الحدود إليهم فهم قد صرحوا بذلك في بيان حمل اسم  » الجماعة الإسلامية التونسية  » و حدث لبس بين هذا العنوان الجديد و الجبهة، و عندما سئل هؤلاء الأخيرون عن ذلك أجابوا بأنها غيرهم و إنها مجموعة صالح، و لم يكن ذلك قد تبين عند تصريحي، و الحدود لم تتبين بعدُ بين هذه الأجسام، و كان غرضنا من ذلك:
أ‌- وضع مسافة بين مناهجنا و ما يخالفه لمواجهة الخلط المتعمد و اللا أخلاقي من أولئك، ذلك الخلط الذي جرّ علينا كوارث.
ب‌- تأكيد الدرس الذي نشير إليه باستمرار أن الاستمرار في الانغلاق و القمع سيفضي لا محالة يوما إلى الانفجار و العنف. و الأمر هنا ابعد من ظن السوء الذي ذهبت إليه أننا نستجدي حوارا مع النظام.. و إنما نحن دعاة مصالحة وطنية شاملة لا بيننا و بين النظام و حسب و إنما بين الدولة و المجتمع بكامل مكوناته.
ج ـ بيان فساد سياسة النظام في تدخله في الشأن الجزائري بالتحريض المتواصل على استمرار التعفن و القمع و التصدي لكل محاولة صلح و حوار. خلاصة الرسالة التي نريد تأكيدها من وراء ذلك أن استمرار الحريق و توسعه في بيت الجيران مفضٍ لا محالة يوما إلى تسرب النيران إلى البيت، فاحذروا، و خيرا لكم أن تدعموا الهدوء و التصالح لدى الجيران و أن تتوقوا أسباب الحريق في الداخل، فأي فساد أو ضير في كل ذلك ؟ فاقتصدوا في الاتهام و اجعلوا سهامكم كما كان شأنها دائما مصوبة إلى عدوكم لا إلى صدوركم.
• أما عن تصريحاتي خلال المواجهة (1991) المحرّضة على محاصرة الطاغوت في كل زاوية أو منعطف، و الدعوة للصمود و عدم الخوف من الموت، فكانت من مقتضيات المواجهة، و لم يكن فيها دعوة للقتل و الحرق و سفك الدم، و إنما كانت للصمود في مواجهة عنف النظام. و أنا أتحدى أي دارس أن يجد في خطاب تلك المرحلة كلمة واحدة تدعو إلى ممارسة الجهاد القتالي أو القتل أو الحرق، و يمكن و لا شك أن يكشف التقويم عن الخطأ في توقيت المواجهة من حيث مدى مؤاتاه الظروف المحلية و الإقليمية و الدولية لها.. و لكن حديثنا هنا عن تقويم خطاب لمواجهة قد صدر القرار بها من المؤسسة القيادية (م.ش) التي لم أكن عضوا فيها و لا في المكتب التنفيذي. و أنا هنا لا أتبرأ مما حصل، فانا لم أكن رافضا للمواجهة غير أن دوري لم يكن التقرير فيها و إنما كنت أداة أعلامها. و إذا كان إعلام الطاغوت قد ركز على مقطع من خطابي لتقديم شبهة إدانة بالعنف للحركة، فحري بأبناء الحركة إلا يكونوا سمّاعين لعدوهم  » القلال  » فيتلقفوا من فيه اتهام قيادتهم التي من المفترض أنهم يعرفونها جيدا، و لكنه الطبع الغالب على النفوس ساعة الهزيمة كما يقول الشاعر:
و الناس من يَلْقَ خيرا قائلون له *** أحسنتَ، و لأمّ الفاشل الهبل
و ترجمة البيت باللهجة التونسية:  » البقرة إذا غرقت تكثر سكاكينها  »
• إن أبناء الحركة شأنهم شأن غيرهم عندما يقوّمون مسار الحركة يصرفون أنظارهم عمدا أو سهوا عن القانون الأساسي الذي يحكم الحركة و يحدد طبيعة المسؤولية، و الشروط التي ينبغي توفرها في الأمير أو الرئيس و منها حضوره في الساحة. فكل من خرج من الساحة إلى السجن أو المهجر اعتبر في حالة إحاطة و عوّض بغيره. و بمقتضى ذلك وقع تعويضي بين 81 و 84، كما وقع تعويضي في مارس 87 و استمر الآمر كذلك بعد خروجي سنة 88، و هاجرت سنة 89 بعد أن أصر إخواني على استمرار الوضعية الازدواجية المفروضة في القانون الأساسي و من طرفي بإصرار.. ظل إخواني لاعتبارات رأوها، أنا لم اقتنع بها، يصرون على أن أظل مجرد واجهة إعلامية  » رئيس الحركة  » احمل المسؤولية أمام الناس، أما في مؤسسات القرار فأنا عضو.. و رفضت ذلك و آثرت الخروج من البلاد لأعمل في الساحة الواسعة، ساحة العالم الإسلامي. و كنت راضيا أن احمل صفة العضو العادي داخل الحركة و خارجها، و أصر الإخوة على الازدواجية.. فأنا اعتبر إن الهجرة كانت مخرجا لي من وضعية مرفوضة، و حصل ما حصل، مع الملاحظ فانه و قبل أن تعاد إلى القيادة من طرف إخواني المهاجرين وسط 1992 و كان ذلك في ندوة لم احضرها، عملت على توقيف العمل بخطة المواجهة رسميا. أما واقعيا فقد حرضت على ذلك سنة 91 على اثر عملية باب سويقة و كانت الحركة على مفرق طرق، أما أن تتبنى العنف رسميا و تمضي فيه للنهاية كما كان دعا إلى ذلك بعض الإخوة، أو توقف المواجهة و نتحمل النتائج المترتبة، و قدرنا أنها ـ على فداحتها ـ اقل من خطر المضي فيها و التورط الشامل في العنف. و جمعت أصوات الإخوة البارزين في باريس و في الجزائر على ذلك و أرسلنا بها عريضة إلى القيادة في الداخل كان لها تأثير في وقف قرار المواجهة. و بذلك انقدنا بفضل الله ارث الحركة المدني و صفتها السياسية كحركة تغيير سلمي. فكانت الخسارة في الماديات لا في المعنيات، و ذلك ما أفشل بفضل الله خطة النظام في الاستئصال عن طريق إلباس الحركة صفة الإرهاب لتبرير ذبحها. ولقد كان لذلك الأثر الأعظم ـ بفضل الله ـ في إنقاذ أرواح إخواننا و في إفساح مجال ولو محدود، إن لم يكن لتحرك الإخوة بالقضية، فعلى الأقل لتوفير رئة يتنفسون بها في ديار الغرب. ولم يكن ذلك ممكنا لو نجح الخصم في تثبيت تهمة العنف على الحركة.
• وكما كان دوري التحريض على المواجهة عند الإعداد لها، فقد كان دوري إطفائيا عنما تبين خطأ المضي فيها، وهو الدور الذي قمت به سنة 87 حيث كنت محرضا على المواجهة المدنية و لكن بعد أن استبان التورط الأمني فيها و أوشكت الحركة أن تدان كلها بالإعداد و التخطيط للعنف، و رغم ارتفاع درجة المتحمسين في القاعدة و حتى لدى أعضاء قياديين بارزين فقد قمت بالدور الاطفائي و نزعت الفتيلة و تم لإنقاذ أرواح شباب بريء طاهر مجاهد فحسب، بل إنقاذ صفة الحركة. و كان ذلك بفضل الله سبحانه غير إن البقرة إذ سقطت… و لو انصف إخواني و شغلوا أوقاتهم بدل القيل و القال بقراءة الدراسات المعاصرة التي تكتب في الغرب و الشرق بلغات مختلفة حول الحركة الإسلامية لأدركوا المكانة المتميزة التي تحتلها حركتهم في الإسلام المعاصر و ما أنجزته من تأثير في صورة الإسلام المعاصر في العالم و صورة الحركة الإسلامية، و تأثير النهضة فيها الفاعل.. و ما ساقه المولى صاحب الفضل و المنة على يد هذا العبد الضعيف من ضروب التأثير الايجابي في كل ذلك، و في التصدي لهجمات النظام العاتية متحالفا مع قوى دولية رهيبة في ظروف مناسبة له جدا. و لكنها الطبيعة الغالية على النفوس أنها تقبل ساعة النصر حتى لكأن المنتصرين ملائكة أو حكماء المعصومين، فإذا أدبرت فالويل للمهزومين فهم الحمقى و الجهلة و حتى الخونة و الشياطين، إنها مفارقة عجيبة بين صورة الحركة و قيادتها لدى عامة الناس و صورتها لدى أبنائها و نخبها.. إنها الهزيمة.
و يندرج في هذا الإطار كثير من اتهامات إخواننا لنا، لا كلها، و أسباب تبرمهم بأنفسهم و قيادتهم و حركتهم، و لسان حالهم:  » أرنا الذين أضلانا من الجن و الإنس نجعلهما تحت أقدامنا  » ائتونا بمن قادنا إلى السجون و المنافي و الفقر و الذل و الخصاصة و فراق الأحبة و ضياع المستقبل لنشنقه أو نمزقه إربا إربا، نكالا بما كسب. أرونا أولئك الذين يحرصون على المواقع دون تغيير الواقع، أولئك الذين اعتمدوا المزايدات السياسية و فشلوا في فك الحصار عن الحركة بعد أن أوقعوها في المأزق، أولئك الذين كانت المآسي التي جروها على الداخل أكثر من المنافع، أولئك الذين يتشبثون بالمواقع، بالسلطة، و يرفضون عودة القيادة إلى الداخل… مع انه لا حل إلا بعودة القيادة إلى الداخل…!!
• في خصوص موضوع الجزائر و تقدير الأخ انه كان يمكن لي أن أقوم بدور في الحؤول دون الوصول إلى المأزق بدل التورط في التأييد المطلق للجبهة و نسيان جماعة حماس الأقرب إلينا، و معارضة السلطة التي كنت قريبا منها.
أما عن جهدي في توقي الكارثة عندما كنت في الجزائر فقد كان القيام بمهمة الإصلاح و التوفيق بين الشرائح الإسلامية و بينها و بين الدولة غرض الأساسي لإقامتي بالجزائر مدة سنتين كسبت فيها صداقة أهم القوى الفاعلة، من جبهة التحرير إلى جبهة الإنقاذ. و رغم الجهود المتواصلة في ذلك فقد فشلت على صعيد التوفيق بين الجماعات الإسلامية الثلاثة ( حماس و النهضة و الجبهة ) بفعل تمسك كل بموقفه و إفراطه في تقدير أهميته. و كانت الجبهة مغترة بحجمها و الولاء الشعبي العارم لها و مصرة على صورة واحدة للتعاون، أن يبايعها الناس أفرادا كما فعلت جماعة الجزارة عندما رأت الريح مالت بشكل حاسم بعد الانتخابات البلدية مع الجبهة، على حين ظل الطرفان الآخران يماريان في هذا المعطى و يؤكدان أن الجبهة أفقدتها الممارسة البلدية وزنها و أن كلا منهما البديل، و كان ذلك خطأ قاتل في التقدير. و إذا كانت النهضة قد عملت على استدراك أمرها و القبول بما أفرزته صناديق الاقتراع فرفعت راية صحيحة هي الدفاع عن خيار الشعب، فإن جماعة حماس واصلوا السباحة ضد التيار وانخرطوا في استراتيجية معارضة الجبهة إلى النهاية فتحالفوا نهاية مع الطغمة، مع حزب فرنسا، و انتهى أمرهم إلى مأساة حقيقية، هي الانتحار بعينه.. و مقابل الحنكة السياسية لجبهة التحرير التي نجح قائدها الداهية مهري في إخراجها من المستنقع و تطهيرها و وضعها على طريق المستقبل متحالفة مع قوى المستقبل، رغم تطورها في قيادة مرحلة لعنها شعب الجزائر معلنا الجهاد ضدها، فإن نحناح قائد حماس و المؤسس الرئيسي للحركة الإسلامية بالجزائر أوكل إليه التصرف في رصيد حركة طاهرة طهر الإسلام فاصطف بها في معسكر أعداء الحرية، أعداء الشعب و الديمقراطية و الإسلام، فكان نموذجا للحمق و الرهان على الحصان الخاسر. صحيح انه بالنظر المادي القصير فإن عباسي مدني و صاحبه في غياهب السجون و أصحابهم بين طريد و شريد بما له شبه بالنهضة التونسية، على حين إن قائد حماس هو اليوم تحت الأضواء و قد ترشح لأعلى منصب في الدولة. و لكن شتات بين قوى صاعدة عبر الصمود و الكفاح إقرارا للقيم العليا التي تتوق إليها الشعوب، و بين متحالف مع خصومه الاستراتيجيين، مع أعداء الشعب.
إن محفوظا اليوم و يا للأسف يقوم بدور حزب انكاطا الزولو الذي تحالف مع البيض ضد نيلسون مانديلا، مع أن بوتيلنرى زعيم انكاطا كما لاحظ ذلك معلق جريدة الراية المغربية اسعد حالا لأنه يمثل قبيلة قوية تواليه في الخير و الشر، و استنادا إليها هو اليوم وزير داخلية في حكومة مانديلا بعد أن كان بالأمس حليفا للتمييز العنصري، أما محفوط فلن يظفر بمكانه مناسبة في دولة يحكمها عباسي أو يحكمها تحالف يكون عباسي قوة أساسية فيه. ألم يصدر الدستور الجزائري عقب الثورة ناصا على حظر الأحزاب التي عارضت الثورة ؟ إن الخشية عليه حقيقة من مصير مشابه. و أيا كانت دوافعه لهذه السياسة سواء كانت دوافع شخصية أو خطأ في الحساب، فهو الانتحار السياسي.
أما تأييدنا نحن للجبهة بعد أن فشلنا في توقي المواجهة و حاولة إقناع عباسي بعدم المضي إلى الإضراب العام الذي كان بدايتها، و تأكيدنا له عندما تبيّنا إصراره انه يسير في طريق سيفضي به إلى السجن أو السلطة مع انه غير مضطر للمغامرة و تحت يده ثمان مائة بلدية..
أما تأييدنا للجبهة فمبرراته واضحة: إنها صاحبة الشرعية السياسية و إنها إسلامية، و أنها القلب من العملية السياسية اليوم.
• هل نكون نحن الإسلاميين اقل تحالفا مع مدني من مهري و آية أحمد و بن بلة.. و جمعية حقوق الإنسان و النهضة… ؟ و ماذا بقي في الجزائر من قوى شعبية خارج حلف عباسي، لم يبقى غير حزب فرنسا و قوى القمع و المتحالفون معهم، مع انه ليس صحيحا أننا أيدْنا كل ما صدر من أعمال منسوبة إلى الجبهة أو المسلحين، فقد استنكرنا أكثر من مرة أعمالا هوجاء مخالفة للشرع بعضها عُرِفَ فاعله و بعضه الآخر ظل مجهولا. نحن إنما نؤيد حق الشعب الجزائري في الدفاع عن خياره بالوسائل التي يرتضيها… و كل شعب له تراثه الخاص في مقاومة الظلم كما سرح السيد مهري في محاضرة أخيرة له في لندن شاركنا في تنظيمها حول الجزائر.
أما عن عودة القيادة إلى تونس فهو هدف من أهداف عملنا في هذه المرحلة كما قرّره المؤتمر، وهي عودة نقدر أنها ستكون تدريجيا و خلال هذه السنوات الثلاث الجارية. و الله نسأل أن يعجل بأسبابها حتى تتم بأسرع ما يمكن. و الملاحظ أن تهجير القيادة أملته الضرورة و لم يكن قرارا تعسفيا. و حتى اليوم لا يبدو هناك استعداد في الداخل لتحمل هذه المسؤولية لسبب حجم الضغوط و لا ما يشير إلى أن الظروف قد توفرت. و لكن واجبنا أن نمهد أسباب ذلك و نسأل الله العظيم. و رغم أن القياس مفيد في هذا الصدد، و لكن مع الأوضاع المشابه، و أوضاع الجزائر مختلفة إذ القيادة الفعلية التي تقود المعركة هي اليوم في الجبال تحمل السلاح.. و ذلك ما أعطى مصداقية للقيادة التاريخية في السجن و لممثلي الجبهة في الخارج، و لولا ذلك ما التفت احد إلى عباسي مدني و ربما كان قد نُسي. غير انه يمكن التذكير بموجهاتنا السابقة حيث كان رموز الحركة في السجن و مع ذلك ظلوا حاضرين في الساحة دون حاجة للجوء إلى العنف.. ألا يقال انه لو كانت القيادة اليوم في السجن لكانت الحركة حاضرة مثل الأمس في الإعلام و لأوجد ذلك حركية بالبلاد ؟ ذلك قياس أيضا مع الفارق. بالأمس كانت تونس محكومة بحاكم مدني، و كان فيها حكم مدني رغم طغيانه و كانت في الجامعة حركية طلابية، و كان في البلاد حركية نقابية و ثقافية و سياسية، كانت جريدة الرأي التي قادت حملة الدعوة للعفو التشريعي، فأين كل ذلك اليوم بعد أن حل بالبلاد حكم بوليسٍ قاهر ؟ ثم أليس اليوم بالسجن رموز مشهورة إسلامية و غير إسلامية، ما مدى حضورها على الساحة ؟ ثم أليس من أعظم أهداف العدو إذ يحارب جيشا أن يهزم الجيش و يأسر القائد فذلك تمام النصر، فهل يكون من مصلحة الجيش المنكسر أن يقع قائده في الأسر أم أن ينجو من أجل أن يعيد التجميع و حتى مجرد أن يعطي الأمل، أليس ذلك محزنا للعدو ؟ لو وضعتم أنفسكم مكان العدو، ألا يتمنى أن تكون كل عناصر القيادة ناجية من الأسر هي اليوم تحت قبضته ؟ و لماذا الحاجة للتصور، كم يبذل الطاغوت اليوم من جهد و يقوم من تحالفات و يقدم من إغراقات كبرى من اجل استرداد الناجين من الأسر ؟ ألا تفكرون في ذلك أم انه قد أحاط بكم الوهم و تخبطكم الشك في النفس حتى غدوتم تروْن إحسانكم أساء و فضل الله عليكم إهانة ؟ هل من فَيْئةٍ إلى الرشد و عودة إلى الوقار، و استرجاع للتماسك و العزة و الثقة في النفس و المشروع و الاستعلاء على الجراح و الآلام، و اليقين قبل ذلك و بعده و خلاله في صدق وعد الله لعباده بالنصر و لو بعد حين و الجزاء الحسن الوفير على كل حال ما اخلص القصد و بذل الجهد، و الله معكم و لن يتركم أعمالكم.

لن يضيع جهد عقدين من الزمان، لن يضيع إيمان الناس، لن يقدر الطغيان على استلال ما أودع الله في قلوب خلقه من إيمان، و من محبة الصالحين.
إن هويات الشعوب و إيمانها و تمسكها بالحق و العدل و الحرية أقوى من كل طغيان. فأهدوا، و استرجعوا أنفاسكم و ثقوا في ربكم، ثقوا في شعبكم المؤمن، ثقوا في أنفسكم، ثقوا في حركتكم و قيادتكم و لن ينالكم إلا ما كتب الله لكم، و لن يفوتكم ما كتب الله لكم، فإن لم تفعلوا ذلك و أصررتم على قيل و قال فالله غني عنكم و لن نغير طريقنا. لقد تشاورنا بما فيه الكفاية و اهتدينا بمشوارنا إلى رؤية في ماضينا و حاضرنا و خطة لمستقبلنا هي معالجة الامر بالدعوة بالحسنى، و جمعنا امرنا على قيادة و على قائد للالتفاف حوله و الذب عنه و مناصرته و نصحه و ذلك من أفضل القربات عند الله دوما، و في يوم الفتنة هذه بالخصوص، فكونوا عمليين واستعينوا بالله على الصمود و الصبر، و اعملوا شيئا تخفّفون به الضنك عن عائلة سجين أو تحاصرون به تمدد النظام في الخارج و تحيون به قضيتكم، ذلك في المدى القصير و على المدى البعيد هيئوا أنفسكم لجولات ارشد في المستقبل باكتساب أدوات الصراع تبحّروا في العلوم و اكتسابا للخبرات و الأموال، و حدثوا أنفسكم و بشروا بمستقبل الإسلام الزاهر و لقاء الأحبة في يوم نصر قريب تنداح فيه أنوار الإسلام في العالم.

و بارك الله فيك و أسألك المعذرة و الدعاء.
و السلام عليكم.
أخوكم راشد

أخوكم في الله محمد العماري
حرر بباريس في 08 أوت 1995
https://tunisitri.wordpress.com/2012/11/30/tunisie-nahdha-lettre-de-mohamed-lamari-a-rached-ghannouchi-1995/

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :