2 Commentaires

Tunisie- Nahdha: Lettre de Mohamed Lamari à Rached Ghannouchi, 1995


mohamed

  سيدي الشيخ:

من منطلق الأمانة، و من منطلق النصيحة لله، و من منطلق حبل الإيمان الذي يربطنا، و المبادئ التي تجمعنا، أقول لك: اتق الله… اتق الله في إخوانك سواء الذين في السجون الضيقة أو الواسعة،أو المشردين في كافة أنحاء العالم تقريبا، والذين يتجرعون اليوم مرارة هزيمة لم تكن في الحسبان، ولا بهذا الشكل، و مرارة ضياع عقدين من الزمن، بين أسف و حسرة على ما عليه بلادنا اليوم من مستقبل مجهول، و نفق مظلم في ظل صولة الطغيان، و هو الشئ الذي لم يقع حتى في عهد عنفوان الطاغية « بورقيبة ».

اتق الله في أقاربنا، و أصدقائنا، و متعاطفينا الذين دفعوا و يدفعون الضريبة غالية كل يوم أكثر في بعض الأحيان، من أبناء الحركة  الحقيقيين و هم المعنيون بالأمر و المسؤولون عليه أولا و آخرا. اتقوا الله في هؤلاء جميعا و فكروا في معاناتهم المعنوية في الداخل  وأعملوا على الاقتصاد في لعنتهم لنا، ولا تدفعوا بهم إلى الفتنة أكثر مما هم فيه.

أخوكم في الله  محمد العماري: باريس في 08 أوت1995

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة و السلام على سيد المرسلين و صفوة النبيين و خير الخلق أجمعين

ربي اشرح لي صدري و يسر لي أمري و أحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

 أخي الكريم  راشد: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و بعد،

لقد حرصت  أن اكتب لكم هذه الرسالة مريدا بذلك وجه الله أولا  و تذكيركم فيه ثانيا و لفت انتباهكم إلى بعض الأخطاء  ثالثا و شعاري في ذلك قول الرسول صلى الله عليه و سلم  » إنما الدين النصيحة  قلنا لمن يا رسول الله قال لله و لرسوله و لائمة المسلمين و عامتهم . » و كذلك قول الفاروق عمر رضي الله عنه » لا  خير فيكم إن لم  تقولوها و لا خير فينا إن لم نقبلها  » و قوله كذلك »رحم الله امرئ أهدى اليّ عيوبي »  و كذلك قول الإمام مالك رضي الله عنه  » كل راد و مردود عليه إلا صاحب هذا القبر« .

و يقول الإمام الغزالي في الإحياء : أن كنت تريد أن تكون بصيرا  بعيوب نفسك:

–  فاتخذ صديقا صدوقا يبصرك بعيوب نفسك فيعينك إذا تذكرت و يذكرك إذا نسيت

–  اتهم نفسك و انسب اليها كل ما تراه خطأً عند الآخرين ثم احرص على أن لا تقع فيه.

ـ  راجع نفسك في كل ما يقوله أعداؤك فيك و خذه بعين الاعتبار فان عين السخطتُبدأ المساوي و العيوب. أو كما قال رحمه الله.

و من هذا المنطلق ،  أردت أن أُذكرك ببعض التصريحات و المواقف سواء كانت مكتوبة أو مسموعة،  قريبة في الزمان أو بعيدة ، و التي يرى البعض  أن الأحداث قد تجاوزتها لكن للأسف التاريخ لا يمكن يتجاوزها أو ينساها هذه المواقف أضرت  بالحركة في الماضي، و تضر بها في الحاضر و المستقبل هذا أن صح أن هناك اليوم  حركة بالمعنى الذي كان يعرفنا عليه الأصدقاء و الأعداء في السابق .  تصريحات و مواقف تؤلم الإخوان و تحرج الأصدقاء و تؤلم و تسر الأعداء في آن واحد فيكون ذلك مبررا لمزيد الاضطهاد و التنكيل بإخواننا و عائلاتنا في الداخل ،و ورقة رابحة للتأليب  علينا  و على الظاهرة الإسلامية ككل في الداخل والخارج . هو تصريحكم مجلة  لبوان  الفرنسية  بتاريخ أفريل   95 . و لا أريد التعليق على كل ما جاء  في التصريح و لكن سأكتفي بالوقوف على نقطتين فقط :

–  الأولى عند سؤالكم عن الجماعة المسلحة الجزائرية، و الذي كان الرد غير واضح بل يفهم منه التأييد الضمني لما تقوم به الجماعة اليوم باسم الإسلام و باسم الجهاد في سبيل الله و يؤيد هذا الفهم  صمت الحركة و عدم صدور أي بيان في هذا الشأن و في التجاوزات الخطيرة  لهذه الجماعة،  بل كان في أحسن الحالات مثل موقف أبي سفيان يوم احد من التمثيل بسيدنا حمزة  « ما أحببت و ما كرهت وما أمرت وما نهيت » وفى أسوءها التَأييد المطلق  مثل  ما يقوم به الشَيخ صالح.. ولا يدرى الجميع لماذا هذا السكوت عمن نصبوا أنفسهم أئمة، وأعطوا لأنفسهم صلوحية الفتوى فأحلوا دماء الأبرياء و دماء إخوانهم  بعد ما أفتوا في زندقتهم،  و الحال أن هؤلاء الذين أُهدر دمهم كانوا أكثر منهم علما و معرفة باللَه وحدوده. ألم يذبحوا الشيخ  بوسليمانى ، ومن بعده أخيه « لحسن »؟ ألم يسكفوا دماء كثيرا من أئمة ينتمون أو يتعاطفون مع حماس ؟ آلم يحاولوا اغتيال الشَيخ محفوظ لولا ألطاف اللَه؟ وقد قٌّتل سائقه (و هذا ما يؤكده مصدر موثوق  من حماس ).

نعم لقد صدر عن الحركة بيان استنكار عند استشهاد الأخوين تماما مثل ما صدر عن بقية الأحزاب الصَديقة لحماس. و لكن هل صدر موقف قبل فوات الأوان و حصول حوادث الاغتيال-أي منذ صدور الفتوى في هدر دماء اخواننا في حماس وهم الأقرب إلينا تصورا و تفكيرا.

إذن لماذا تقف الحركة كل مرَة تؤيد الجبهة بصوابها و أخطاءها و مكيلة في نفس الوقت الإهانات لإخواننا في حماس (ما صرَح به الشيخ صالح عديد المرَات وسكوت  الحركة عليه) حين أبوا هؤلاء الدخول بإخوانهم والمشروع الإسلام مي في مغامرات غير مضمونة العواقب.

     سيدي الشَيخ :

أنا على يقين تام لو أنَك اخترت لنفسك أن تكون المؤلًف بين الفرقاء وإبعاد شبح العداء بين الإخوة في الدًين والوطن منذ البداية لاستطعت ولتيسَر لك الأمر دون غيرك من حركتنا، وذلك لما تتمتع به من احترام لدى الجميع سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين،  فتكون بذلك قد أصلح وأنقذ الله على يديك الجبهة خاصة،  و الصحوة عامة،  و لتجنبت الجزائر نارا أتت هناك على الأخضر و اليابس،  وقودها الإسلاميون، أمّا مؤججها وحمَال الحطب فيها،  فهو اليسار الفرانكفوني.  لكن للآسف ، بقدر ما كان موقفك معتدلا من الجميع أيام كنت هناك سنة 1991 بما في ذلك النظام القائم آنذاك،  بقدر ما كان انحيازك للجبهة كبيرا على حساب الآخرين بعد خروجك من الجزائر دون أدنى تقدير للإنعكسات السلبية على إخوانك من  أبناء حركتنا هناك التي قد تحصل، بل قد حصلت بالفعل من طرف النظام هناك .

إن الدمار الذي حل بالجزائر اليوم  و الجراح البليغة و العميقة التي  تؤلم الإخوان هناك ( أُمهات، أباء، أبناء )، الشيء الذي كان المسلمون و المشروع الإسلامي هناك إلى زمن قريب في غنى عنه. كل ذلك تتحمل جبهة الإنقاذ فيه  المسؤولية أمام الله و أمام العباد دون إسقاطها أو نفيها عن الطغمة العسكرية و اليسار الانتهازي الذي أصبح قوة يؤثر بعدما كان شبحا تافها  في الماضي.

فالله  قد أتاح للإسلاميين  هناك فرصة لم  تكن  لغيرهم  من  إخوانهم في العالم، آلا و هي التأشيرة  القانونية لحزب  سياسي ،  وهو الشيء الذي  طالما ناضلت حركتنا من أجله منذ تأسيسها.  لقد كان بإمكان الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد الوجود القانوني و نعمة الفوز بالانتخابات المحلية و البلدية أن تتجه إلى بناء المشروع الإسلامي و تعطي القدوة الحسنة في ذلك دون إقصاء للغير أو تلهف  إلى سدة الحكم، فتعمل بذلك على إصلاح ما أفسده المفسدون بالحكمة و العقل و الصبر و فقه الواقع و عدم الاستهانة بالخصم  و الاستخفاف به و الابتعاد عن المزايدات السياسيّة التي أدت بها إلى الدخول في مغامرة إضراب 27 ماي 1991 الذي كان نقطة تحول في تاريخ الحركة و البلاد عموما فعملت على إضعاف السلطة المدنية الحاكمة آنذاك و تهميشها و الحال أنها صاحبة فضل الحريات و التفتح في ذلك الوقت، فآل الأمر بعد ذلك إلى حكم الجنرالات ، و الحادقين على الإسلام و أهله، و هكذا حرصت الجبهة على الإنفراد بالكل فضاع منها الكثير، و تسرعت الأمر فتأخر، و ظنت أن الأمر بسيط  و هين  كما ظن  قياديو حركتنا من قبلهم فكان العكس . هذا ما فقهه إخواننا  في الشرق و الذين اتهمتهم في تصريحك المذكور بأنهم أقل تفتحا  من إسلامي  المغرب العربي، فأين هم و أين نحن؟ و هاهي اليوم -و الحمد لله -جبهة الانقاذ و بعد 4 سنوات تعي ما كان غائبا عنها في السابق، ألا وهو العمل داخل الإتلاف و الجلوس مع كل الوطنين للانطلاق من أرضية مشركة للعمل: (اتفاقية روما سان جيدو) .

أقول هذا الكلام  من منطق العقل لا العاطفة،  والقلب  والله  ليقطٌٌٌٌٌٌٌُُُُُُعه الأسى و الحسرة و الأسف كلُما أسمع أنٌ دمٌا من دماء إخواننا  أساله الطغاة، أو أن بريئا قتل و لا يدري لماذا قتل. قال جل وعلا:  » من أجل  ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من  قتل نفسا بغير نفسٍٍِِ  أو فساد  في الأرض فكأنًما قتل الناس جميعا و من أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا « .

 هذه وجهة نظر أردت أن أسوقها و لو أنها ليست هي الموضوع الأصلي في الرسالة.

 

أما النقطة الثانية و هي التي تتعلق بموقفك من حادثة « تمغزة »و تصريحاتك المتناقظة في البداية و النهاية:

– ففي البداية: عندما  سئلت من طرف مراسل  « لموند » الفرنسية بررت العملية ضمنيا و قلت « أن النظام التونسي هو البادئ و يتحمل مسؤولية في ذلك، فما كانت العملية لتقع  لو  لم يرسل هذا الأخير بعناصر من فرق « مقاومة الإرهاب  » إلى الجزائر لقمع الإسلاميين هناك » …. ألا ترى أنك قد تسرعت في إعطاء موقف الحركة الذي يجعلها في حرج و خاصة في الداخل و أثاره السلبية على إخواننا هنالك؟   بل كنت سبٌاقا  في ذلك قبل حتى أن يتبين الأمر للجميع ويتّضح القائم بالعملية . أهم حقٌا الجماعة المسلٌحة الجزائرية؟ أم عناصر الفرق الخاصة للمخابرات الجزائرية؟  أم تصفية حسابات  داخلية؟ أو « عمل مشترك » مثل ما تبيٌن  لك بعد ذلك.

إنٌنا لا ندري إلى اليوم لماذا هذا التسرٌع و التساهل في التصريحات  و خاصة في المواضيع الحساسة مثل هذه؟ و كأنٌ لا بد من العمل بقاعدة « لكل سؤال جواب « . ألا يكون أجدى  و أصوب و أنت المسؤول الأول عن حركة سياسية :أن تستنكر العملية بشدٌة أوٌلا،  ثم تلتزم الصمت على الباقي حتى يتبين لك الأمر و بعد ذلك يكون رأيك   – الذي هو رأي الحركة –  بكل روِية ؟

فهذه ليست المرة الأولى التي يجرك فيها الإعلام إلى الإدلاء بتصريحات  قبل التثبت في المصدر و الموضوع .  ففي صائفة 92 و أثناء محاكمة الأخ »الحبيب لسود  » افترى مراسل إذاعة لندن « التونسي نبيل البرادعي « أن الحبيب لسود أعترف أنه  من حركة النهضة و هو يعمل بأمر من قيادتها كما أنه معه شريط سمعي يؤكد ذلك.  فكان  ردك سريعا و في نفس اليوم للإذاعة المذكورة  بالتكذيب و البراءة  من لسود بل رحت تبرهن على أنك  رجل حوار بالدليل أنك  قابلت « السيد الرئيس » يوم كذا و كذا…  وهو كلام لا يليق و الحركة في قفص الاتهام آنذاك . و كما أظن أنك لم تستمع للشريط المذكور، فلو كنت استمعت إليه  لكانت إجابتك بأكثر راحة و موضوعية.  ثم يأتي المراسل الأصلي للإذاعة في الغد ليقول ما خلاصته  « أن لسود لم يعترف بعلاقته بالحركة و ليس له  أي ارتباط بقيادتها و هو يحتمل مسؤولية كاملة في ذلك وحده، هذا ما صرح به أمام المحكمة ». يقول تعالى »يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما  بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.

سئل الإمام مالك رضي الله عنه عن 49 مسألة فأجاب في 33 منها « لا أدري « .  هذا الإمام  مالك يمتنع عن الإجابة في مسائل يعلمها. فقط،  له فيها بعض الريب.

إلا أن المؤسف في هذه التصريحات هو التناقض. فبعد مدٌة  و جيزة من حادثة « تمغزة  »  تفاجىء  الجميع كالعادة بتصريح مجلة  « لبوان  »  Le Point  الفرنسية لتؤكد هذه المرٌة  ضلوع  إسلاميين تونسيين من جبهة الإنقاذ  FIT   في العملية « وهي ما كانت لتقع لولا مشاركة هؤلاء، » ثم تواصل و تكشف البطاقة عدد 2 لهذه الجماعة و تقول ما خلاصته:  « إنٌها تأسست سنة 1986 و هي تتهمنا بأنٌنا ضد العنف ».

وإلى حد الآن، لا يعرف الكثير من أبناء الحركة مدى الفلسفة التي دفعت بالشيخ،  وهو المسؤول الأول في حركة إسلامية إلى هذا التصريح و في هذا الوقت بالذات:

–  أهو الأمل في بداية عهد جديد مع نظام « بن علي »…  تكون « الثقة فيه كبيرة  » بعد الله تعالى …؟

–  أم محاولة الضغط على النظام و دفعه إلى الحوار معنا. وهنا يمكن أن نلتقي معه على أرضية إدانة التطرٌف و المتطرٌفين؟

–  أم كلام  موجه للغرب دون غيره للتأكيد على سلمية الحركة؟

سيدي الشيخ:

 أريد أن أسألك بعَض الأسئلة لعلنا نجد لها عندك جواباً.  لقد أردتَ أن تتبرأ من هؤلاء وأعمالهم و تُظهرهم  بالجسم الغريب عن الحركة و طبيعتها و مسارها.

–  هل تظن أن هذا كافٍ لإقناع الغرب و النظام و حتى بعض من الرأي العام  وذلك بعد كلَ الذي حصل  منذ87 إلى اليوم…؟

ـ  ما رأيك فيما يدعو إليه الشيخ صالح كركر و يدعمه و يؤمن به؟  أليس صالح من المؤسسين للحركة  و عضويته فيها ما زالت قائمة إلى حد الساعة؟

– شريط مسموع سجل عام 91 و فيه تقول « سدٌوا عليهم المنافذ أنهم جبناء » … » نحن مستبشرون بكثرة الضحايا نحن مستبشرون بكثرة الدماء ». أهذا كلام يوافق طبيعة الحركة أم يخالفها؟

ـ  الاعتقالات المرتبطة بالشيخ صالح سنة  93- 94 في تونس؟ في أي خانة تُصنٌفها؟

   سيّدي الشيخ:

  لعلك لم تتطلع عمّ جاء في تقرير وزارة  الداخلية الفرنسية  العام الماضي بعد إبعاد للاخ صالح من باريس والذي ما كان ليكون ما ذُكر فيه لولا أخطاء الحركة والتي لم تتعظ بها في كل مرٌة  و من هذه الأخطاء:

ازدواجية الخطاب: فرغم التأكيد في كل مرة على طبيعة الحركة السلمية الديمقراطية فأنها لم تستنكر و لم تتخذ قرارات حاسمة في الذين يخالفون خط الحركة سواء في التصريحات أو في الأعمال بدأ من الذين تسبٌبوا في تفجيرات 87 و التي كادت أن تقضي على الحركة آنذاك و قد دفع ثمنها بعض إخواننا ( محرز رحمه الله و البقية) إلى الذين دفعوا بالمجموعة الأمنية إلى التحرك سنة 87 إلى المتسببين في أزمة 91، إلى تنطع الشيخ صالح كل مرة، كل هذا جعل الأعداء يحملون الحركة مسؤولية هفوات الآخرين سواء كانوا من أبناء ها أو خارجها و تكون فرصة للتشكيك في نوايا الحركة و مبررا لضربها و إقصاء ها.

سيدي الشيخ :

 إن تبرَؤك من هؤلاء (أي الجبهة التونسية للإنقاذ) أو مجرد ذكرها و الكتابة عنها في الصحف يجعل منها كياناٌ و زعمات ، في حين أنهم مجرد أشباحٍ سذج لا يعيشون عصرهم، و لا يُريدون فهم واقع الأمة اليوم. و إلا كيف يدعو هؤلاء إلى الجهاد و تحرير تونس و هم المتربعون وراء البحار في أوروبا؟.

سيدي الشيخ:

 قبل أن تستنكر الحركة ما يقوم به غيرها من أخطاء أو تهوَر كان أولى و أجدى أن تستنكر و تحاسب الحساب العسير الذين ترجع لهم المسؤولية في كل ما جرى منذ 90 إلى اليوم و الذين دفعوا بالحركة إلى نفقٍ مظلم و أزمة رهيبة أصبحت بموجبها شبحاَ مخيفاَ بعد ما كانت كياناَ صلباَ  يفتخر به الأبناء و يتودد إليه الأصدقاء و يقرأ له ألأعداء ألف حساب، و صار أبناء الحركة اليوم في ثلاث مواقع لا رابع لها:

   إما في غياهب السٌجون وزنزانات الدَاخلية.

  أو في السِجن الواسع والحصار المادي و المعنوي .(والذي لا يقلُُ شدَة عن الأول)

   أو مشرَدين  في كافة بلدان العالم تقريبًًًًًًا، لا  للدعوة و البلاغ المبين، بقدر ما هو بحث عن الأمان و ضمان لقمة العيش.

سيدي الشَيخ:

 إنَ الحركة قد جنت على نفسها و على أبنائها (وهو رأس المال) و أتت على نضالها طيلة عقدين من الزمن،  بل حتى نضالات الذين سبقوا،  كما تسببت في ضرر المشروع الإسلامي في السَنوات الأخيرة.

 لقد  جنت على نفسها عندما استعجلت الأمر وعملت لجيلها أكثر ما عملت للأجيال القادمة، فأرادت أن تزرع و تحصد وتأكل الثًمار في زمن واحد، ظنًا منها أن ما أفسده المفسدون عبر السِنين و الذي تطبَع به الشَعب التُُونسي-والذي لا أبالغ في القول حين أقول أنَ البورقيبية قد أثَرت حتَى في أبناء الحركة الإسلامية في بعض جوانب الحياة– يمكن إصلاحه في عقدين أو ثلاث من الزَمن.  ومن ثمَ، إستبسطت الأمر،  و استخفت بالخصم،  و خاضت بأبنائها و المشروع الإسلامي مغامرة غير مضمونة العواقب، و لا واضحة التفاصيل، و بقوى غير متكافلة،  مستغلة في ذ لك طاعة و ثقة القاعدة فيها والحال أننَا لم نتخلَص من آثار عدوان سنة 87 الأليم. فسقطت الحركة بسرعة لم يكن يتخيلها يوماً أحد من أبناءها و لا حتى الخصوم و المتربصون بنا أنفسهم، فخلت لهم الساحة من بعدنا ، و خفتت الأصوات المعارضة، فإما آثرت الانزواء و الصمت ،أو جاءت إلى النظام صاغرة  ذليلة، و خفت كذلك النضال في الجامعة و النقابات رغم تدهور الحالة الاجتماعية و مرارة العيش. و أصبح الشعار اليوم للجميع كما يقول المثل التونسي » زلاط يسكٌت العياط« .

– أما الضرر الذي لحق بالمشروع الإسلامي: هو عندما أوغلت الحركة في الخطاب السياسي على حساب الدعوي، وحرصت على تسييس كل شيء و خاصة بعض المواقع الحسٌاسة  مثل المساجد و المعاهد و بعض المنظمات،  فكُنسنا منها سواء بقوانين رسمية ( مثل قانون المساجد ) أو بالتوصيات الداخلية و المناشير. فعاد الأمر أسوء ما كان عليه في أحلك فترات حكم بورقيبة.

وللمواطن العادي أن يتساءل اليوم : ما هي المكاسب التي تحقٌقت مع الظهور السياسي لحركة النهضة؟ سؤال لو طرحته الحركة على نفسها لكان استهدافنا للبورقيبيٌة القبيحة أكثر  من استهدافنا لبورقيبة شخصيا الذي سقط و لم يسقط مشروعه. لقد ساهمت الحركة في إسقاط « بورقيبة » سنة 87 بل عجٌلت بإسقاطه دون أن يكون لها نصيب من الإرث سوى الجراح البليغة، و قد كان بإمكانها أن تسعى إلى المحافظة على نظام العجوز المريض حتى تتمكن أكثر من مؤسسات المجتمع بالمشاركة  و تقترب أكثرٍ من الشعب بالعمل المدني. و الابتعاد عن مواجهة السلطة والتأليب عليها مثل ما فعل إخواننا في السودان  مع نظام « النميري » رغم سخط السخاطين آنذاك من المزايدين .

لقد سيطرت  عقيلة العمل الطلابي على الحركة و قراراتها و أصبحت -هذه العقلية- هي قائد الحركة في عملها السياسي و  صارت كثير من المواقف لا تفهم إلا في إطار « الأكثر ثورية  هو الأكثر تصعيد »  خصوصا بعد سنة 88. فبالمزايدات و الخوف من النعت بالعملاء أو الرجعيين ضاعت عنٌا كثير من الفرص؛  من أهمها الدخول في تحالف مع الحزب الحاكم في انتخابات 89 ، و التي لو فعلتها الحركة آنذاك لربحت هدنة بخمسة سنوات و لاستطاعت بذلك لملمة و تضميد الجراح السابقة و لقدمت فيها الكثير للمشروع الإسلامي و لقطعت الطريق على اليسار الانتهازي الذي فهم اللعبة قبل أن نفهمها.

ثم جاءت حرب الخليج، لتظهر الحركة فيها على لسان رئيسها أكثر تقدمية من القوميين و النظام ، و وقفت تؤيد طاغية تاريخه ملطخ بدماء المسلمين، خسرنا بموجب هذا الموقف الأصدقاء و العلاقات.

سيدي الشيخ:

سنة 93 و بمناسبة شهر رمضان المعظٌم سجلت شريطاً متوجها به إلى أبناء الحركة تهنئهم فيه حلول الشهر الكريم و تذكرهم فيه الله و تحثهم على زيادة الخير، و رفعا للمعنويات. و هذا عمل مشكور و هو حق المسلم على المسلم لتجديد الإيمان الذي يبلو كما يبلو الثوب. إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فلقد ذكرت فيه فقرة خطيرة لا أدري أهي بقصد أم بغير قصد؟ و هي كما يلي حرفيا و بصوتك مع العلم أن الشريط المذكور مازال محفوظا:

« فالحركة إذن، هي قوة في الداخل في قلوب الخلق وهي في الجامعة وهيفي النقابات وهي في الأرياف وهي في الإدارات وهي في خيرة من رجال الجيش و رجال الشرطة و كل مؤسسة من مؤسسات البلاد للحركة فيها نصيب. فلا تظنوا أن الحركة يعني خلاص، أنه ناس في السجن و ناس في المهجر و ناس ماتت معناها خلاص، معادش عندنا حركة، و مازال فقط رأس الحية البرة كيما قال الطاغي توه نقضيو على بعض ناس و ينتهي الأمر- كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا-« انتهى.

– أسألك بالله يا شيخ: أهذا كلام يقال و يُسجل على شريط؟ و أنت أعلم أبناء الحركة بهذه المؤسسات المذكورة و كيف كُنست بعد 87 و أصبحت قاعا صفصفا لا من الإسلاميين فحسب بل حتى من الذين يقومون بالحد الأدنى من الشعائر أو ممن يُشتم منه أن في قلبه ذرة من التعاطف معنا. كما أنك تعلم أن النظام اليوم يعرف و يعلم عن الحركة و من الحركة ما لا يعرفه أبناؤها عنها.

– أتقول هذا الكلام قناعة و يقينا؟ أم تمنيا و رفعا لمعنويات أبناء الحركة حتى يعيشوا على الأمل سنوات أخرى كما كان الحال سنة 91.؟

– ألا تعتبر مثل هذه التصريحات تجاوزا لإخوانك.؟ كلام لو قاله غيرك لقامت عليه الدنيا و لم تقعد و لأخذت في شأنه القرارات الفورية كما كان الحال مع بعض الأخوة و لا أريد أن أذكر الأسماء.

وهنا يتساءلالجميع أين هم الذين يحيطون بك؟والذين من واجبهم أن يذكّروك إذا نسيت، و يُعينونك إذا تذكرت، و يقدموا النصيحة بطلب و بغير طلب، مع  تجرد  تام من العاطفة و المجاملات،ومع التقدير لوضعية الأخوان في الداخل و الخارج.؟؟؟

  سيدي الشيخ:

من منطلق الأمانة، و من منطلق النصيحة لله، و من منطلق حبل الإيمان الذي يربطنا، و المبادئ التي تجمعنا، أقول لك: اتق الله… اتق الله في إخوانك سواء الذين في السجون الضيقة أو الواسعة،أو المشردين في كافة أنحاء العالم تقريبا، والذين يتجرعون اليوم مرارة هزيمة لم تكن في الحسبان، ولا بهذا الشكل، و مرارة ضياع عقدين من الزمن، بين أسف و حسرة على ما عليه بلادنا اليوم من مستقبل مجهول، و نفق مظلم في ظل صولة الطغيان، و هو الشئ الذي لم يقع حتى في عهد عنفوان الطاغية « بورقيبة ».

اتق الله في أقاربنا، و أصدقائنا، و متعاطفينا الذين دفعوا و يدفعون الضريبة غالية كل يوم أكثر في بعض الأحيان، من أبناء الحركة  الحقيقيين و هم المعنيون بالأمر و المسؤولون عليه أولا و آخرا. اتقوا الله في هؤلاء جميعا و فكروا في معاناتهم المعنوية في الداخل  وأعملوا على الاقتصاد في لعنتهم لنا، ولا تدفعوا بهم إلى الفتنة أكثر مما هم فيه.

  سيدي الشيخ:

 إن أبدعت بعد خروجك من السجن في إخماد نار العدى و طمأنة النظام و المعارضة و تحقيق بعض المكاسب كحفظ القضية الأمنية و خروج المساجين و تحقيق شئ من الانفراج الذي أعطى للحركة الفرصة لتضميد الجراح و الانتعاش قليلا، فإن خروجك من البلاد كان له الأثر السلبي عل الساحة و ألحق الضرر بالحركة، وهي التي تهجّرت يوم قررت أنت الهجرة منذ سنة 89. فكنت أنت الذي تصنع الحدث ثم تجر الحركة إليه في الدَاخل و ليس العكس. فكثير من المواقف و التصريحات التي أضرت بالحركة، ما كانت لتكون لو كنت موجودا في الدَاخل، بل لكانت أكثر اتزانا و معقولية، و مجرَدة  من العاطفة، و لتجنبت الحركة بذلك  شراسة أزمة قد فرضتها على نفسها قبل الأوان، ولما وقعت في فخ اليسار الذي خطط لإجهاض المشروع  قبل ولادته.

سيدي:

إن الملاحظ اليوم في حياة الكثير من أبناء الحركة في المهجر – و خاصة في أوروبا والذين التحقت بهم عائلاتهم و استقروا هناك –  يرى بداية التطبّع بالحياة اليومية للغرب و نقص  الحنين إلى الو طن و التفكير في شأنه و نقص  الشعور بأحوال إخواننا و العائلات  في الدَاخل ( أقول  نقص و لم أقل انعدم ). بل الأمَرّ من هذا كله فإن الكثير منهم لا ينوي العودة للوطن حتى ولو سوَيت الوضعية، وهذا ليس بغريب.  فلقد سُوَيت الوضعية سنة 84  ولم يعد إلاَ القليل،  و سُوَيت سنة 88 ولم يعد إلاَ القليل أيضًًًًًّّّّّا، وهذا طبيعي  ما دام الفرد يعيش في أسرته و بين أبناءه ، ونمط عيشٍٍٍ ربما لا يتوفر بعد ذ لك في تــــــونس، بل حتى الحركة التي يريد أن يحافظ على انتماءه إليها هي الآن متواجدة في الخارج.

لقد مر اليوم على تهجير الحركة حوالي 4 سنوات و إذا ما قيّمنا حصيلة هذه المدَة  نجد أن الحركة قد تأخرت ولم تتقدَم،  وضيَعت ولم تكسب.  فرغم المكاتب والمؤسَسات  وحرية  الاجتماعات في هذه البلدان، لم تستطع إلى اليوم فك الحصار على نفسها  والخروج من عنق الزجاجة،  و إنعاش الداخل و تضميد جراحه كما رُفع شعار ندوة 92. بل الذي حصل من مآسي في الداخل بسبب الخارج كان أكثر من المنافع ( اعتقالات، محاكمات، مصادرة أموال….)

أخي الكريم:

 إن التَاريخ يعلمنا ما من حركة خرجت من الأرض الأم إلاَ  تكون قد حكمت على نفسها بالذوبان و الفناء و الدخول في  طي النسيان.  و لذ لك،  و من هذا المنطلق،  فإن  إرجاع أمر الحركة إلى أهل الداخل – و لو أنهم لا يقدرون عليها اليوم- هو أمر حاصل بطبيعة الأشياء فأن لم نُهيىء له نحن و ندفع  إليه، فأنه سيحصل بانقطاع عنا في الخارج،  و ربما لا يكون على الوجه الذي نريد.

ربما يرى البعض في الفكرة أنها ضرب من الخيال أو دعوة إلى المحال  و لكنها حسب اعتقادي ستكون جرعة مرُ ظاهرها، في حين سيكون باطنها مصلحة بحول الله تعالى  للحركة و المشروع الإسلامي و ذلك:

–   لعدم تطبيع الساحة السياسية عموما بوضعٍ تكون فيه الحركة غائبة.

–   لإعطاء المبادرة لإخواننا في الداخل من القيادات سواء كانوا في السجون أو خارجها لتحمل أمر الحركة و التفكير في إعادتها إلى الساحة كيف و متى يتيسر لهم ذلك. فإن يوجد يوما حلُ للوضع الراهن و إيقاف النزيف فإنه لن يكون إلا من الداخل و بأهل الداخل و لنا في تجربة الجزائر المثل: فرغم الحرب و القطيعة مع النظام، ما فتىء  مسؤولو الجبهة في الخارج يردون الأمر إلى الداخل و يعلنون للجميع أن قرار الحركة النهائي هو بين أيدي الداخل لا الخارج، و لو أن هذه القيادات اليوم في السجن أو مشردة.  و من ثم نرى كيف أن النظام هناك في كل مرة يدعو إلى الحوار إلاٌ و يتحاور مع من هم في الداخل.

– لإحراج النظام و خلط حسابات الخصوم و تسفيه أحلام الذين ما فتئوا يروجون أن الحركة انقرضت و انتهت بإنتهاءها في الداخل.

إن سياسة الهروب إلى الأمام  التي تنتهجها الحركة اليوم في المهجر و مواصلة العمل بنفس الأساليب القديمة بل الحرص على المواقع دون تغير الواقع، كل هذا  يجعل من الحركة  شتاتا يتلاشى يوما بعد يوم،  تخور عزائمه من شعوره بالإحباط، ما لم تنقذ الحركة نفسها و تجعل حدا لهذا التدهور التنظيمي الذي أصبح يلتهم مكاسب الماضي.

كما لابد من فتح ملف تقييم حقيقي و جاد، القصد منه التحقيق و المحاسبة ثم الاتعاظ بأخطاء الماضي، و ليس لامتصاص الغضب و « عفا الله عما سلف ».

أخي الكريم:

هذه بعض الأخطاء و العيوب أهديها إليك بالمفهوم الإسلامي اعتقادا مني بأن السفينة إذا غرقت فأنها تغرق بالجميع . فمن الواجب التعاون و التناصح في الله و إبداء الرأي بكل موضوعية راجين في ذلك تقوى الله و رحمته.

فنحن الآن في مرحلة يتحتم علينا فيها كسب النتائج بأقل التضحيات و التكاليف و الأخطاء،.

فإن قبلت الهدية بصدر رحب و نظرت إليها بعين الاعتبار فقد اهتديت و انتصرت على نفسك، و أما إن لم توليها اهتماما و اعتبرتها تجنيا أو تجاوزا ، فإني أشهد الله أني قد بلغت إلى أخ نحترمه و نحبه كثيرا في الله و لا أحد يُنكر فضله بعد الله على الصحوة الإسلامية في تونس مع إخوان آخرين منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا، و لا أحد كذلك يمكنه أن يشك في تقواك و إخلاصك للعمل الإسلامي و حسن نيتك و حبك للإسلام و أهله و للوطن الحبيب و حرصك على الإصلاح، و لكن » كل أبن آدم خطاء و خير الخطاءين التوابون. »

فإننا و الله لنحرص كل الحرص على أن ننقذ الأخ راشد الغنوشي من أخطائه، و إننا والله لنحب أن نراه دائما المفكر و المرشد للصحوة الإسلامية.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أُنيب.

أخي الفاضل: تقبل مني أحر التحيات القلبية و أسأل الله لي و لكم المغفرة و التوبة و الرحمة و الثبات و التوفيق و الهدى إلى الصراط المستقيم.

أخوكم في الله  محمد العماري

حرر بباريس في 08 أوت 1995

 

2 commentaires sur “Tunisie- Nahdha: Lettre de Mohamed Lamari à Rached Ghannouchi, 1995

  1. شكرا سي أحمد على نشر هذه الرسالة التي هي شهادة على مرحلة قاتمة في تاريخ بلدنا ونخبه.. فرغم ربما أهميتها في ذلك الوقت و ما أثارته من جدل.. فإني ألان أجد فيها من المواقف التي راجعت فيها نفسي منذ أكثر من عشر سنوات و خاصة في ما يتعلق بالمجتمع و « ضرورة » وجود حركة إسلامية » ورفع شعار السهر على شؤون الهوية و الدين ».. فطبيعة انتشار التديّن و تعلق الناس بالمظهر والسلوك الإسلامي في البلد المسلم، حسب اعتقادي، يُمكن أن يحصل دون حاجة لوجود حركة إسلامية ذات طابع حزبي تسعى كغيرها من الأطياف لكسب الأصوات لامتلاك المواقع و ليس لتغيير الواقع الرث.. بل واقع البلاد اليوم يُؤكد هذا.. كما أن قناعتي اليوم في هذا المضمار أصبحت الأكثر رسوخا خاصة مع ما نعيشه من سرعة وسائل الاتصال و تعددها في زمن العولمة، بل و تطورها في معظم الحالات بعيدا عن إرادة الدولة المركزية، والذي حسب اعتقادي أيضا، يفرض على هذه الأخيرة ( الدولة) تفعيل المؤسسة الدينيّة الرسميّة و تطويرها في اتجاه الإعداد الأمثل و التكوين الأرقى لأطر التعليم الإسلامي في كل المستويات: بدءا من الكتاتيب وتحفيظ القرآن الكريم للناشئة ، إلى التكوين و البحوث الجامعيّة لتخريج المشايخ والمجتهدين و تأهيل الكفاءات لتحمّل مسؤوليات الدعوة و الإرشاد.
    فالإسلام الذي ترعاه الدولة، وتشرف على مؤسساته التعليمية، وتنظم شعائره هو الأكثر تسامحاً وقبولا من طرف الخاصة و العامة ، والأقدر على حماية المجتمع من الفتن الدينيّة، والأقرب لمقاصد الشريعة، والأمثل في صياغة الانسجام الضروري مع متطلبات العصر.

  2. هذا نص الرسالة التي رد بها الشيخ راشد على رسالة نصح كان أرسلها إليه الأخ محمد العماري و الأهمية ما ورد فيها من معاني و عبر رأيْنا أن نفيد بها عامة إخوتنا، و هي في الحقيقة واردة بصيغة العموم رغم اعتمادها رسالة الأخ في موضوعاتها و إثاراتها، و مع رسالة الشيخ نوافيكم بالنص الكامل لرسالة الأخ. بسم الله الرحمان الرحيم لندن 29 جمادى الأولى 1416 أخي في الله محمد العماري السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، و بعد، فقد تلقيت منذ حوالي شهر رسالة منك هي نصح و توجيه و رؤية و قراءة لمسار الحركة و ما آلت إليه أوضاعها و تسجيل لما أتت القيادة من أخطاء، و سلكت من سياسات، و فيها تناول مركز لأخطاء رئيس الحركة و بعض رموز القيادة الآخرين و لسلوك القيادة جملة و كذلك فيها تقويم لمسيرة الحركة الإسلامية الجزائرية. و عل كثرة موضوعاتها فقد كان محورها أخطاء رئيس الحركة و تحميله مسؤولية ما ألت إليه الأمور…أمور الحركة و البلاد. و على الرغم مما اتسم به خطاب الرسالة من أدب و وقار واتزان فقد كانت أحكامها صارمة في إدانة سياسات الحركة و قياداتها و في اعتبار أن عقدين من الزمان ضاعت ثمارها و في تحميل قيادة الحركة مسؤولية ذلك.. و في تصوير مسارها سلسلة من الأخطاء و تغليب جانب التشخيص في ذلك بتركيز الأضواء على رئيس الحركة و إدانته بلا هوادة و بعض العناصر الأخرى مثل صالح.. و الانتهاء من كل ذلك إلى الدواء المتمثل في عودة وظيفة القيادة إلى الأخوة في الداخل. و تعقيبًا على رسالتك الكريمة أيها الأخ الحبيب اكتفي بالنقاط التالية: • أشكر لك جهدك المخلص في التأمل بمسار الحركة و واقعها و مستقبلها و المبادرة بالكتابة إلي و نصحي و تنبيهي إلى ما اعتبرته أخطاء كبرى، و دعوتي إلى التي هي أقوم، و ذلك شأن المؤمن الصادق و الأخ الناصح، أسأل الله أن يجعل كل كلمة من رسالتك في ميزان حسناتك، فإنما تقدمت أمم الغرب و تفوقت علينا مع كفرها بسبب مناخات حرية النقد و التفكير و التعبير و تخلفنا بسبب مناخات النفاق و الكبت و القمع السائدة في مجتمعاتنا و أعيذ جماعتنا المباركة أن تكون جزء من المناخ العام السائد في الأمة. و إن من فضل الله على هذه الجماعة أن أحيت سنة قبل غيرها، سنة المحاسبة و المراجعة و التقويم و النقد الذاتي ـ و هي لعمري مقوم من مقومات بقائها و نهوضها و تغلبها على ما أصابها من محن ـ و لقد تأملت في رسالتك و تلوتها أكثر من مرّة بنفس مطمئنة و قلب سليم متلمسا فيها الخير و الرشد و السداد، داعيا لصاحبها متمنيًا على الله أن يكون كل إخواني على هذا النهج في الجرأة الناصحة و الموقف المسؤول بدل التناجي الذي يشبه الغيبة و النقد المتبرم الذي لا وظيفة له غير التعويض على حالة الضيق التي يعيشها الفرد في الحركة و مناخات الهزيمة السائدة… فواصل أخي النصح و أدع إليه.. فهو لا محالة يؤتي ثماره اليوم أو غدًا، و فيه على الأقل إعذار  » و قالوا معذرة إلى ربكم… و لعلهم يرجعون « . • لاحضت أن تقويم مسار الحركة أفضى بنظرك إلى أن هناك حالة انهيار شاملة للحركة و البلاد و أن القادة بالتضامن و رئيسها شخصيًا و هو المسؤول ـ و لا سيما تصريحاته التي أضرت بالحركة في الماضي و تضر بها في الحاضر و المستقبل. ثم تستعرض الرسالة تلك التصريحات ما تعلق منها بالأوضاع الداخلية أو الخارجية لتنتهي إلى أن الحركة جنت على نفسها و على المشروع الإسلامي و على البلاد جملة، و تطرح السؤال عن المكاسب التي حققتها الحركة ؟ استهدفت بورقيبة و بقي مشروعه أقوى مما كان ! و التفسير الذي تقدمه الرسالة لما أصاب للحركة أنها جنت على نفسها عندما استعجلت و عملت لجيلها أكثر مما عملت للأجيال القادمة فأرادت أن تزرع و تحصد و تأكل الثمار في زمن واحد، و سيطرت عقلية العمل الطلابي، و سادت المزايدات، فضاعت كثير من الفرص من أهمها الدخول في تحالف مع الحزب الحاكم في انتخابات 89، و في حرب الخليج ظهرت الحركة أكثر تقدمية من القوميين و النظام و أيدت طاغية التاريخ ملطخ بالدماء… • تنتهي الرسالة بدعوة حارة لرئيس الحركة أن يتقي الله في إخوانه المساجين المشرّدين الذين يتجرّعون مرارة هزيمة لم تكن في الحسبان  » و ضياع نضالات عقدين… اتق الله في أقاربنا و أصدقائنا و متعاطفينا الذين دفعوا و يدفعون الضريبة غالية… و اعملوا على الاقتصاد في لعنتهم لنا « . • تصور الرسالة واقع المهجر و سكون المهاجرين إلى العيش و الدنيا، الأمر الذي يفرض المسارع إلى  » العودة بالقيادة إلى الداخل بتكليف الأخوة هناك بهذه المهمة و إعطائهم المبادرة… فكل حركة خرجت حكمت على نفسها بالذوبان، و إنه إذا حاور النظام يومًا فمع من هم في الداخل. إن هذه العودة من شأنها أن تضع حدًا للسياسة الهروب إلى الأمام التي تواصلها الحركة و الحرص على المواقع دون تغيير الواقع، كل هذا يجعل من الحركة شتاتًا يتلاشى يومًا بعد يوم… ما لم تنقذ الحركة نفسها و تضع حدًا لهذا التدهور التنظيمي « . و في الأخير تبرأ الرسالة إلى الله أن صاحبها أشهد الله أنه قد بلّغ معتبرًا أن رسالته هدية، داعيًا إلى قبولها بصدر رحب. و إني أكد للأخ الكريم كما سبق، أن مثل هذا الصوت الصادق إن شاء الله لا يلاقي عندي إلاّ حسن القبول و التقدير، غير أني لا عتب على الأخ العزيز انسياقه إلى عدد من الأخطاء. • أولها: غلبة روح التشاوم على رسالته، و المؤمن بطبعه متفائل، أن نظرتك إلى الحركة لا تعدو كونها بناء فخما سامقا قد دُمّر على بكرة أبيه من أساسياته و ما ذلك إلاّ سبب جهالة و حماقة القائمين عليه ـ القيادة ـ و إني أعيذ نفسي و أي مؤمن من هذه الروح المتشائمة و هي نظرة أفرزها في تقديري ضعف في التحليل العقلي و ضعف في الإيمان، فأما ضعف التحليلي فيتمثل في الانحصار في مشهد الواقع حيث يبدو العدو منتصرًا انتصارًا ساحقا و تبدو الحركة في أشد حالات الهزيمة و الضعف فيحسب النظر القصير أن المعركة انتهت إلى هذا الحد و حُسمت إلى الأبد لصالح الطغيان. لا يا أخي، إن عدوك ليس قويًا إلى هذا الحد و أنت لست ضعيفًا إلى هذا الحد و إن من مظاهر ضعفه أن سيطرته لم تجاوز الجانب المادي. إن بينه و بين قلوب الناس حواجز ـ هو أعجز من أن يتخطاها ـ لسبب ضعفه الفاضح في عالم القيم و الأفكار، و بكل المقاييس لا أحد عاقلاً يتابع الوضع التونسي في تطوّره في كثب يرتاب في سلطة بن علي منذ 89 ـ باستثناء البريق الذي ناله في حرب الخليج و بدأ يخبو بمحاكمة النهضة سنة 92 ـ هي في حالة صعود، و يكفي في ذلك في متابعة علاقته مع النخبة العلمانية في الدفاع عن الديمقراطية التي تحالفت معه ضد النهضة في قطاعها العريض، و أعطت خطابه في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الإنسان و المجتمع المدني ضد  » الخطر الأصولي  » مصداقية. أليست تلك العلاقة المهمة جّدا هي بالتأكيد في حالة تدهور متزايد، و كان من محاطاتها المهمة المناسبات الانتخابية المحبطة، و ضرب منظمة حقوق الإنسان، و ضرب حزب العمال الشيوعي، و سجن المرزوقي، و أخيرًا سجن مواعدة… ألم تقرأ رسالة مواعدة باسم المكتب السياسي لحركته إلى الطاغية؟ اقرأها جيدا حتى تستعيد الثقة في مصداقية خطاب حركتنا المبني على تشخيص ليس عاطفيا كما يُظن، بل هو عين الواقع. إن حالة الإحباط التي تنطق بكل حرف فيها رسالة مواعدة و تأكيده على إفلاس مشروع التغيير و إفلاس رهانه على مشروع 7 نوفمبر و تأكيده على أن البلاد فقدت حتى المكاسب التي حصلت عليها في عهد بورقيبة فقد تراجعت تراجعات خطيرة. إن هذه الرسالة المهمة إلى جانب كثير المؤشرات التي سبقتها تؤكد ما صرّح به أهم مؤرّخ تونسي معاصر هشام جعيط عندما وصف البلاد بأنها كالقدر المضغوط  » كوكوت  » فهل تعتبر حالة الإحباط لدى النخبة التي تفاءلت ببن علي و حالفته تعبيرًا عن نجاح أم إفلاس ؟ إن سياسات النظام الحمقاء التي تعاملت مع الشعب و نخبته و مشاكله كحالة أمنية لتقدم بحد ذاتها خدمات يومية لهدايا قدرية للنهضة ـ إذا عرفت كيف تستفيد منها ـ أنما ما كسبه النظام من قوّة هي ثمرة لظروف دولية و عربية و مغاربية مناسبة استفاد منها و وظفها في ضرب النهضة مستغلاّ أخطاءها و لا شك. ولكن بسبب فقدانه للرسالة، للمشروع، وإفلاسه ألقيمي، فإن انتصاراته هي ظرفية بالتأكيد ريثما يستجمع الشعب طاقته مستوعبا الهجوم، ليتهيأ إلى رد الفعل و يعود التحالف الذي حصل في الثمانينات بين الحركة الإسلامية و العلمانية ليفسح على أرضيته المجال لعودة انطلاقه و حركية دفاعات المجتمع، عودة حركة الشارع، عودة الحركة الطلابية، و النقابية و الثقافية، و هذه العودة القادمة لا محالة بإذن الله ستتسارع إذا حصل تطور ايجابي في المنطقة العربية و في محيط تونس و في العالم، وهي احتمالات واردة جدّا إذ الثابت أن خصوم المشروع الإسلامي جميعهم في عالم القيم غارقون في الأزمات و إن استقرارهم هش و إن مقاومة الشعوب متواصلة رغم الصعوبات، و إن استمرار مشروع السوداني و الإيراني و استمرار المقاومة في مصر و الجزائر و البوسنة و الشيشان و فلسطين و لبنان، و السود في أمريكا، و في غيرها لدليل على أن زمام الأمور لم يستقر للأمريكان و حلفائهم من الصهيونية و الأنظمة العربية، و إن كفاح الشعوب متصاعد، و إن هناك حالة ارتباك في النظام  » الدولي  » من جرّاء التناقضات الداخلية لذلك النظام و ضعف المستوى القيادي، و تصاعد مقاومة الشعوب بلغة أخرى. إن من مظاهر ضعف النظر التحليلي في رسالتك للمشكل التونسي و لما أصاب الحركة عزلك لتونس و كأنها أمة عظمى و دولة مستقلة و تجريدك لجغرافيتها و كأنها جزيرة معزولة عن سياق دول محددة، مع أن تونس بلد صغير معظم سياسته هي انعكاس للأوضاع دولية و إقليمية معروفة. إن ما حصل في تونس منذ89 هو في جزء كبير منه انعكاس لأوضاع العالم في أعقاب حرب الخليج، و الانهيار الديمقراطي في الجزائر و للحصار الذي فرض على ليبيا، الأمر الذي أتاح لنظام بن علي فرصة مهمة للإنفراد بالحركة مستفيدًا من الموجة الدعائية العالمية ضد  » الخطر الأصولي « ، و مما حل بالجزائر و ليبيا الأمر الذي جعل الحرص على بقائه و استقراره شديدا لمحاصرة البلدين المذكورين… و منع النار أن تتوسع. و كما سبق فإن جملة المعادلة في المنطقة و العالم مهتزّة جّدا، و ذلك لما يفسر الانشغال المتواصل بالمنطقة. و من ذلك مؤتمر برشلونة الذي سينعقد في القريب للنظر في الحالة الجزائرية أساسا، و انعكاساتها، و تصريح نائب وزير الدفاع الأمريكي اتجاه الوضع في منطقة المغرب العربي و الأخطار المتربصة بتونس و المغرب. الخلاصة من ذلك أن ما حصل في تونس من ضرب شديد للنهضة هو جزء لا يتجزّأ من المعادلة التي أفرزتها حرب الخليج و انهيار الأوضاع في المنطقة العربية و المغاربية لصالح السيطرة الأمريكية الغربية الصهيونية. و إنما أصاب النهضة هو جزء مما أصاب الحركة الشعبية جملة في تونس و في المنطقة. و إن الاستقرار القائم اليوم هشّ و معرض للاهتزاز. و ذلك لا ينفي بحال مسؤولية النهضة و لا يبرأها مما وقعت فيه من أخطاء سواء في استدراجها إلى ساحة المواجهة غافلة عن الظروف الداخلية و الخارجية غير المواتية، أو في الأخطاء المنهجية التي أدارت بها المعركة. و لكن هذه الأخطاء في الوقت نفسه لا ينبغي أن تصرفنا أو تعزلنا عن الوضع الدولي الذي يلفنا و يؤطر المنطقة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي و في أعقاب حرب الخليج و في سيطرة مشروع التسوية كسياسة دولة أريد فرضها و اقتضى ذلك ضرب قوى المقاومة, و كذلك مشروع الهيمنة الاقتصادية الغربية المتمثل في سياسات التحرير الاقتصادي التي يشرف عليها البنك الدولي كسياسية دولية ملزمة، و بذاتها تقتضي لا محالة ضرب قوى المقاومة الشعبية. إن الغفلة عن كل ذلك هو ظلم للنفس و للحقيقة العلمية و سقوط في سياسة جلد الذات و قتل النفس أو تجريمها مقابل تبرئة الأعداء و تحويلهم إلى ضحايا، و إن لم يبرز ذلك في رسالتك و لكنه النتيجة الحتمية التي وصل إليها كل من تبنى منطلقاتك في التحليل. و من مؤشرات ذلك أن رسالتك التحليلية لم تتضمن أي إدانة لنظام القمع و للسياسات الدولية الهيمنة و الصهيونية المتحالف معها. قد تعتذر عن ذلك بأن خطابك نصح موجه إلى جهة قيادة الحركة و ليس خطابا عاما، و لكن آليات التحليل واضحة، عدونا ربح المعركة ربما للأبد بسبب شطارته، و نحن خسرنا المعركة ربما للأبد بسبب غشامة قيادتنا و تصريحاتها العنترية! إنه تبسيط مخل بالحقيقة مضلل لكل تخطيط سليم، نهايته إما الانزواء و الانكماش و اليأس أو الوقوف على أعتاب العدو للاعتذار أملا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه!! و كأنّ عقارب الزمن قد توقفت… أو ربما الاندفاع الأعمى إلى أعمال هوجاء انتحارية، هي ضرب آخر من التعبير عن اليأس، أنا أدعو أخي الحبيب و سائر إخواني أن يقرأوا و أن يتأملوا في مسيرة الدعوات و حركات التغيير و المواجهات الكبرى بين الطغاة و حركات الثورة و الإصلاح، ليستيقنوا أن انتصارات الطغاة على الدعاة هي الحالة العابرة مهما طالت، لأن هذا الكون قام على سنن ثابتة من الحق و العدل، و إن سقوط الاتحاد السوفياتي و نظام التمييز العنصري و نهوض الحركة السوداء في أمريكا الطغيان الأمريكي، و حركات تحرر الشعوب، و في الساحة الإسلامية انطلاق حركة الإخوان المسلمين مجدّدا كأقوى حركة شعبية في الساحة المصرية بعد غياب استمرّ عقدين من الزمن هيمنة فيهما أيديولوجيا جبارة و زعامة عارمة، و ظروف دولية مناسبة جدّا، و لكن أين الناصرية اليوم و أين الإخوان ؟ كل ذلك و غيره يشهد بيقين على فداحة ضعف التحليل الذي يركز على أخطاء قائمة أو مفترضة في صفوف دعوات الحق لينتهي إلى مصادرة كسبها واعتباره كأنه لم يكن، بل و تحويل اتجاه السهام عن الطغاة صوب الدعاة لاتهامهم في عقولهم و اتهامهم حتى في قصدهم، لأنه ما حركهم غير الحرص على المواقع، واستعجال الثمرة و أنهم قد فاتهم التحالف مع عدوهم و انخراطهم في حزبه! أسوة بما فعله غيرهم! إن مثل هذا التفكير و النظر هو للأسف لا يعد بحال سبيلا للخروج من الأزمة بل تكريس لها و هو في حد ذاته مظهر من مظاهرها. إن عدونا أيها الأخ الحبيب ليس بمثل الصورة التي تصور رغم هيمنته شبه المطلقة على الساحة، و نحن بالمقابل لسنا بالضعف الذي تتصور رغم ما أصابنا و رغم غيابنا عن الساحة، إن هذه الحركة المباركة رغم ما أصابنا بل بسبب ما أصابها ما تزال تمثل العنصر الرئيسي في المعادلة التونسية و أنها و زعماؤها أهم البدائل المرشحة و ذلك بعد أن فشلت كل الحلول التي افتعلت لحل المشكل التونسي بتجاهل الحركة و على حسابها. إن حضور الحركة في الساحة التونسية هو الذي أعطى للسياسة معنى، و تغييبها بالقوة ـ إلى حين ـ أنهى السياسة جملة فما بقي لاعب غير رجل الأمن. لا أحد منصفا يجرؤ على القول إن وضع تونس اليوم عادي و أنها مستقرّة، إذا كانت مستقرّة لماذا هذه العسكرة الشاملة ؟ إذا كانت مستقرّة لماذا هذا النمط من الانتخابات ؟ إذا كانت مستقرّة لماذا هذا الهلع من الإسلاميين ؟ إن الدعوات الكبرى أيها الأخ الحبيب لا يمكن ليد الطغيان أن تستأصلها و إنما تؤصلها، و تعجم عودها و تزيد من كسبها النضالي. ألا يفخر زعماء الحركة الوطنية بالسجن و التشريد في مقاومة عدوهم ؟ ألم يؤسسوا على ذلك شرعية حكمهم ؟ فلماذا يريد تحليلك أن يؤسس على ملف سجننا الحافل و ملف مهجرنا في أوسع هجرة شهدها تاريخ تونس الحديث، و ملف معاناة عائلاتنا و شهدائنا، أن تؤسس على هذه الملفات الضخمة.. ومنها ملف صمودنا، و الفيتو الذي لا نزال نمارسه على النظام و السياسة في تونس: إنه بدوننا لا سياسة و لا ديمقراطية و لا انتخابات و لا استقرار و لا تنمية نهاية، و ذلك الذي سيكون بإذن الله. لماذا يريد تحليلك أن يؤسس على هذه الملفات الضخمة التي هي موضع حسد منافسينا و أعدائنا شهادة و فاتنا و اندثارنا ؟ قل لي بربك أيهما أفضل حالا على صعيد الكسب السياسي اليوم: الذين تحالفوا مع بن علي: مواعدة و حرمل و التليلي، أم الجبالي و شورو و اللوز و الغنوشي، أي الفريقين أهدى في السياسة ؟ أيهما أقرب إلى قلوب الناس ؟ أيهما المرشح أكثر للمستقبل ؟ اقرأوا يا أحبائي في سفر تاريخ الشعوب و حركات المقاومة و نتائجها كلها تعزز ما نقرؤه في كتاب ربّنا ليلا نهار  » إنه لا يفلح الظالمون… »  » و العاقبة للمتقين ». أما الخطأ الثاني في قراءتك أنها لا يعوزها عمق التأمل و التحليل العقلي فحسب، و إنما يعوزها أيضا القدر الكافي من الروح الإيماني و اليقين الراسخ بقدر الله و رعايته السابغة لأوليائه و هو الأمر الأشد خطرا و إيلاما، إذ للمسلم عاصمان من الخطر، إيمانه و عقله. و كما كانت رسالتك تعبيرًا عن الضحالة التي أصابت أبناء الحركة في ثقافتهم السياسية و عقلهم التحليلي فقد عبرت بشكل أفدح عن غياب النظر الديني جملة تقريبا، فغابت في استعراضك لما حل بالحركة من مصائب و محن أية إشارة لمفاهيم الابتلاء و القضاء و القدر و الاحتساب و التمحيص و الفتنة على اعتبار أن حركة التاريخ تحكمها إرادة الله سبحانه و أن مرد كل الأمور إليه و أن ما أصابنا من خير أو شر فمندرج ضمن هذه المشيئة الإلهية المطلقة، و أن كسبنا أي نصيبنا من الفعل الذي نحن مكلفون به بذل أقصى الوسع في تحرّي الحق و تحصيل المصلحة في إطار الشريعة و إخلاص القصد لله سبحانه، و قد ندرك الحق و الصواب بتوفيق من الله و يدركنا عون منه فننتصر و قد لا ندرك ذلك ابتلاء منه لنا سبحانه، و قد ندرك الحق و الصواب و مع ذلك يتخلف النصر لأسباب أخرى يقدرها المولى فلا نشهد في حياتنا ثمار عملنا  » فإنما نُرينّك بعض الذي نعدهم أو نتوفّينّك  » أي قبل ذلك،  » فإما نذهبنّ بك فإنا منهم منتقمون أو نُرينّك بعض الذي نعدهم فإنا عليهم مقتدرون » فليس على المؤمنين أفراد و جماعات إلا أن يتحروا مراد الله سبحانه و قد يصيبون ذلك و قد يخطئون و لكنهم في كل الأحوال مثابون عملا بقاعدة  » من اجتهد و أصاب فله أجران و من اجتهد و لم يصب له اجر واحد « . فما تحرى المسلم الصواب وسعه فهو مأجور، فليس عليه أن يحزن أو يقنط إذا فاته مراده إذا الأمر كله بيد الله  » و كأي من نبي قتل، معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا و ما استكانوا، و الله يحب الصابرين  » بل إن من مراد الله سبحانه من إيقاع المصائب بعباده، و منها تأخر النصر و غلبة العدو عليهم إلى حين، تمحيصا لنواياهم و مراجعة لوسائلهم و تطهيرا لصفوفهم من المنافقين و طلاب الدنيا المتعجلين.. و كذلك تمرينهم على عدم الالتفات إلى الدنيا و الارتفاع بحياتهم النفسية إلى درجات من السمو يصبحون بها فوق الحزن و الفرح الدنيويين، قالع تعالى:  » ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها لكي لا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم و الله لا يحب كل مختال فخور ». و لا تزال كلمات الصحابي أبن مضعون في لحظة استشهاده ترن في أذن الزمن موقظة للغافلين:  » و لست أبالي حين أقتل مسلما… على أي جنب كان في الله مصرعي ». إن الإيمان بالقضاء و القدر و هو قلب العقيدة الإسلامية هو الإيمان المطلق بخضوع الكون المطلق لإرادة إلهية كونية عادلة رحيمة لا يعزب عنها مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء. و إنه ضمن هذه الإرادة الكونية الشاملة ترك للإنسان الخليفة مجال للكسب و المسؤولية يسير فيه المؤمن مهتديا بقواعد الشريعة مجاهدا نفسه حتى تخلص أمرها كله لله سبحانه، فلا ترى في الكون فاعلا حقيقيا سوى الله سبحانه. و إن مناط الحساب جزاء و عقابا لا يتعلق بما يحصل عليه المؤمن من نتائج، فهذه أمرها بيد الله، و إنما مدار الحساب يتعلق أساسا بمدى جهد الإنسان في إخلاص القصد لله و الاجتهاد حسب الوسع في إتباع الشريعة، مع اليقين بأن الله سبحانه يرتب النتائج بحسب مقتضيات إرادته الحرة و عدالته المطلقة و رحمته السابغة. إن الإيمان بالقدر الشامل قد يتحول إلى تكأة يسند إليها المؤمن أخطاءه و يتحلل بها من مسؤوليته، فالمؤمن يظل أمام العدالة الإلهية مسؤولا عن مقاصده و مدى تحريه في إتباع الشريعة.. و الصواب، أما النتائج فليست مسؤوليته في الآخرة، على حين أنه أمام عدالة الأرض مثل سائر الناس مسؤول عن أفعاله كلها، قصد أم لم يقصد، غير أن انعدام القصد سبب من أسباب تخفيف العقاب كالقتل على وجه الخطأ… و إنما الإيمان بالقدر تحرير للإنسان من مصدر أساسي للطغيان و التسلط عندما يعتقد أنه الفاعل الحقيقي باستقلال عن الله. أو هو مصدر للهون و العجز و الحسرة و اليأس عندما يعتقد الإنسان أنه الفاعل.. و يبذل الجهد غير أن النتيجة تفوته فيأسي و يتحسر و قد تبلغ به الحسرة حد قتل النفس أو البحث اللاهث عن التعويض و الهروب إلى عالم الخمرة أو الجريمة… أو السحر و الشعوذة…الخ. و ذلك أن كاهل الإنسان أضعف من أن يتحمل عبء هذا الكون و ينهض باستقلال بمصيره، و إلا شارك الله في المكانة، الله وحده فعّال لما يريد، و هو وحده لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء، أما الإنسان فله كسبه، له نصيب من الفعل، يزيد بالمجاهدة و العلم. غير انه بقدر ارتفاع مستوى مجاهدته و علمه بقدر ما يزداد تواضعا و فعالية و تسليما لله حتى ليرى يده هي الفاعلة في كل شيء. إن الإيمان بالقدر ليس سبيلا للتفصي من نصيب الإنسان في المسؤولية ولا هو سبيل للتهرب من المحاسبة و النقد، فليس ذلك من الإسلام، هناك مسؤولية و مساءلة و محاسبة و عقوبة و جزاء. و لكن كل ذلك في إطار الإيمان بإرادة الله الشاملة، و الإيمان بان عواقب الأمور بيده  » و لله عاقبة الأمور « . يحاسب الإنسان أمام الله على نيته و يحاسب في الدنيا على مدى طاعته للقانون الإلهي، و حيث سكت القانون فهناك مجال للحرية و الاجتهاد، حيث يكون المرء مأجورا ما أخلص. و في العمل الجماعي حيث يسكت القانون ( الشريعة ) مطلوب إعمال الشورى. و يحاسب المسؤول على مدى إعمالها، فإذا اعملها فأخطأت في تحصيل الصواب، فالأجر لا يفوت و إن فاتت النتائج المرغوبة  » و ما كان الله ليضيع إيمانكم (أي عملكم) إن الله بالناس لرؤوف رحيم « . و هذا التصور يفيض على شخصية المؤمنين أفراد أو جماعات الطمأنينة و الوقار و الرضى و التفاؤل، و تكرار المحاولة باستمرار بلا يأس و لا فتور بعد تحري الصواب قدر الجهد. انه في هذا الإطار تعالج الأخطاء في تؤده و اطمئنان و ثقة في الله و في النفس و المستقبل و بعيدا عن اللجاجة و الضيق و التبرم و البحث المحموم عن المجتهد المخطئ لتجريمه بما يذكر بحالة أهل النار و غيضهم على الذين أضلوهم في الدنيا  » أرنا الذين أضلانا من الجن و الإنس نجعلهما تحت أقدامنا  » مع أن الأخطاء في حياة الأفراد و الجماعات منتظرة، فلقد أخطأ عدد من الأصحاب في غزوة احد و ترتب عن ذلك خسران معركة و إزهاق أرواح و بلاء عظيم كاد يستأصل شأفة الجماعة المؤمنة. و لكن القران الكريم علم المؤمنين كيف يعالجون أخطاءهم بدء بالتسليم لقدر الله إن ما أصابهم كان بقدر الله و كان لا بد أن يصيبهم  » قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم و ليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم و الله عليم بذات الصدور: إن الذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا و لقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم: يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم و الله يحي و يميت و الله بما تعملون بصير… » و ذلك بعد أن عرّض بالطائفة التي ظنت ظن الجاهلية  » يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون ما في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا  » و هكذا يقول خلفاء هذه الطائفة من المؤمنين لو كانت القيادة بأيدينا، لكانت بأيدينا السلطة اليوم و ما تعرضنا لمصائب القتل و السجن و التعذيب و التهجير و فراق الأهل و الخلاّن و مرابع الصبا و ما خسرنا المستقبل، و الجواب  » قل إن الأمر كله لله  » تلك هي فلسفة المؤمن و عقيدته في التعامل مع أحداث الماضي و التسليم بالفعل الإلهي نتيجة و البحث في مجال الأسباب من اجل الوقوف على سنن الله في النصر و الهزيمة و النجاح و الفشل من اجل الاعتبار بها في المستقبل. و إني لأرى بوضوح أن الروح العامة السائدة في رسالتك أيها الأخ العزيز لا تخلو من هذه الفلسفة بل العقيدة في التعامل مع ما أصابنا، فلا نظر عقليا يستوعب ما حدث في سياقه التاريخي العام و لا نظر دينيا في التعامل المطمئن مع أقدار الله سبحانه، بل يشبه أن تكون هذه النظرة علمانية مبسطة مغلّفة بغطاء ديني رقيق، و هو نهج في النظر غير مجد لا في الدنيا و لا في الآخرة، انه جلد للذات و دفع غير واع إلى التحلل و اليأس و تبرأة للعدو من جرائمه مع أن الحركة إذا كانت قد أخطأت ـ و المؤكد أنها قد أخطأت ـ فليس خطؤها بحال يتعلق بمشروعية مواجهة النظام ـ فهو جدير بالمواجهة و العداء ـ و يوما بعد يوم يتجه إجماع الشعب إلى نفض اليد منه و إدانته و تجريمه و عودة التحالف ضده و هو ما كان حاصلا قبل 7 نوفمبر المشئوم. إن ما تؤاخذ عليه النهضة ليس أنها واجهت النظام و كانت الأسرع إلى سحب الثقة منه و العمل على تغييره، فذلك بحد ذاته شرف و مكسب تاريخي في سجل نضالها خلافا للجماعات التي واصلت معه التحالف، فهي اليوم تندم، و رسالة مواعدة شاهد مفحم. و إنما تؤاخذ عليه و يؤسف على عدم حصوله هو أن هذه المواجهة لم تفض إلى تخليص الشعب من هذا الكابوس و الشر المسيطر على حين كان يعقد الشعب آمالا عريضة على أنها وحدها القادرة على تخليصه من السرطان المزمن الذي مثله و لا يزال حزب الدستور اللعين و جهاز القمع المتوحش و العصابة المتسلطة. أو تظن أيها الأخ الحبيب أن عشرات الآلاف من خيرة شباب تونس قد عرّضوا أنفسهم و أهلهم لمختلف ضروب العسف و القهر و لا يزالون صامدين، قد ذهب عملهم سدى، ذهبت دماؤهم و دموعهم و ابتهالاتهم و استغاثاتهم هدرا ؟ كلا، بل أن كل ذلك في كتاب لا يضل ربي و لا ينسى  » و ما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم  » و إن الصامدين اليوم في غياهب السجون و في ارض الحصار و المهجر هم الأبطال و هم حكام تونس في الغد، أو أبناؤهم، ما في ذلك ريب إن شاء الله و سيكون بلاؤهم اليوم و صمودهم هو رسالة اعتمادهم و ترشيحهم في المستقبل و مناط فخرهم و اعتزازهم، و هل كان وضع سيد قطب أو الهضيبي أو مشهور أو التلمساني و إخوانهم الأبرار في غياهب السجون و حمامات التعذيب، على حين كان عدوهم يملا بزعامته و مشروعه ليس مصر فحسب بل الدنيا قاطبة في مناخ عربي و دولي تتصاعد فيه أفكار العلمانية و الاشتراكية و العروبة، و لا أثر لحركة الإسلام في مجال الصراع الحضاري و السياسي غير قليل في مصر، و بلاد قليلة، هل كان وضعهم المحلي و الدولي أفضل حالا من وضعنا ؟ كلاّ، بل أن وضعنا لأكثر من سبب أفضل بعد إفلاس العلمانيات و ظهور الإسلام معطى رئيسيا في السياسات الدولية و اشتداد الطلب على الإسلام منقذا في كل مكان، فضلا عن المستوى التافه لطغاة زماننا و بالأخص طاغيتنا بالقياس إلى طغاة ذلك الزمن مثل بورقيبة و عبد الناصر. فلماذا صبروا و كثير منا يتململون ؟ لماذا رفضوا حتى ملف التقويم و المحاسبة، قائلين الوقت وقت صمود لا وقت حساب و تلاوم ؟ أو تظن أنهم لم يخطئوا في مسيرتهم، بل المؤكد أن أخطاءهم قد تكون تجاوزت أخطاءنا، فقد اخذوا بأعمال عنيفة قام بها جهازهم الخاص الذي كُشف و اخذوا بمحاولات اغتيال و تفجير نُسبت إليهم، و المؤكد أنهم فعلوا بعضها على الأقل، و اخذوا بأنهم عُرضت عليهم الوزارة و لكنهم رفضوا إلا أن يكونوا أصحاب الكلمة العليا على الثورة، و بذلك حوّلوا قائد الثورة الذي كان شابا من شبابهم إلى عدو لهم أحدث فيهم اختراقات خطيرة، و لكنهم في مناخات محلية و دولية بالغة الصعوبة صبروا و احتسبوا و لم يعطوا للطاغية أي تنازل، و ظلوا مصابرين مستغيثين بالله طوال مرحلة كاملة من صعود المشروع القومي العلماني إلى لحظة سقوطه. و لم يسقط بأيديهم و إنما بمصيبة، بقدر الهي تمثل في هزيمته على يد اليهود، فسقط الطاغية و سقط مشروعه و خرج المساجين أبطالا لأنهم كانوا شاهدين بسجنهم و صمودهم على إدانة مرحلة زكاها الآخرون و انخرطوا فيها طلبا لمنافعها أو اغترارا بها، فهل نحن أحسنا أن كنا أول من خرج من سفينة بن علي المتجهة إلى الغرق ؟ أم قد أسأنا كما يظن البعض لأننا لم نواصل معه الرحلة، ماذا اغتنموا اليوم ؟ و هل لو استقبلنا من امرنا ما استدبرنا، هل كنا نرتحل معه خطوة واحدة أم نستمر في المقاومة ؟ ظني انه كان علينا ـ رغم أوضاعنا بالغة الصعوبة يومئذ و لكن أخطرها القضية الأمنية ـ أن نواصل المقاومة و الرفض إلى أن نحقق تغييرا حقيقيا في موازين القوى لصالح المجتمع في علاقته بالدولة. فما لم يحدث ذلك، ما لم تروّض دولة القهر و تؤدب و تنزع أسنانها و تؤنس بعد توحش و يُفَك بينها و بين حزب الدستور اللعين و تخضع لإرادة الشعب و سلطة القانون فلا أمل في الحرية و الديمقراطية و دولة الإسلام، بقطع النظر عن نوعية الحاكم. و لو بن علي غدا سيكون خليفته من نوعه أو أنكى ما لم يرتفع مستوى وعي الشعب و نضالا ته و بلاءا ته إلى حد القدرة على تأديب الدولة و ترويضها و تأنيسها. و في هذا الإطار يكون ما أنجزته الحركات الشعبية الطلابية و النقابية، اليسارية و الديمقراطية و الإسلامية إرهاصات على طريق تحرير الشعب من قبضة الدولة و إعادة السلطة إليه، و يكون ما أصاب الحركة الإسلامية من بلاءات عظيمة واسعة و عميقة تدريبا ضروريا للشعب على ترك العيش الرخي و تحمل الأوضاع الشاقة و مغادرة الخوف من السجن و التهجير و الموت  » و لقد كنتم تمنّوْن الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه و أنتم تنظرون « . إن شعار فرحة الحياة الذي رفعه بورقيبة عن طريق الانخراط في المفاسد الغربية و التخلي عن شرف المقاومة و الجهاد، عارضته الحركة بمشروع واسع لتدريب الشعب على تحمل ألألام في سبيل الله. أن يسود تونس جو من الحزن و الوجوم و الرعب و الكمد و الغيض ضد النظام و تمتلئ الصدور بالنقمة ضده و الثأر منه… أن تبكي الآلاف مئات من الأمهات و الزوجات و الأخوات.. أن تتصاعد الزفرات في كل مكان و تلهج القلوب و تستغيث بالله داعية بالويل على الطاغية و حزبه و أجهزته.. أن يُشرّد الآلاف في خمسين دولة في العالم بعضها دخلها التّونسيّون لأوّل مرّة في التاريخ.. أن تمتلئ السجون بالأحرار.. أن يطرد عشرات الآلاف من وظائفهم.. أن تصبح الأصولية مصدر رعب للعدو و قلق.. و باعث أمل لدى الشعب في الخلاص… تلك يا أحبائي الإرهاصات الضرورية للثورة.. ليوم الزحف الأكبر.. لهدم دولة الطاغوت و قيام دولة الشعب، دولة الحرية، دولة الديمقراطية، دولة الإسلام، فلا تأسوا على ما فاتكم و لا ما أصابكم إذا كان فعلكم حقا في سبيل الله، فضلا عن كونه مقدمات ضرورية للثورة المقدسة و يوم الخلاص الأعظم.. فلا يأسركم الواقع، فمن آلامه الطافحة تنبثق بشائر المستقبل الزاهر. إن حركتكم تكاد تكون وحدها الصامدة في وجه الطغيان تمارس عليه فيتو صارم: انه بعد اليوم لا حرية و لا ديمقراطية و لا استقرار دون الإسلام. صحيح انه قد نال العدو من دنياكم، من أبشاركم و أموالكم و أرواحكم، و لكن نيلكم منه عند التحقيق ليس بالأهون، فقد ضربتم في العمق سمعته و قيمه المعنوية و فضحتم شعاراته و حكمتم على مستقبله، مستقبل حزب الدستور بالإعدام. إن الماديات تعوّض و لكن خسارة المعنويات لا تعوّض.. لقد حكم التمييز العنصري 300 سنة و ها هو اليوم يتهاوى كأوراق الخريف رغم الثورات الهائلة و الدعم الدولي.. و ها هم عبيد الأمس سادة اليوم بقيادة الزعيم مانديلا الذي تحمل آلام السجن و هو ابن السبعين أكثر من ربع قرن، لم يتنازل لحكم الطاغوت و أصر على عودة السلطة للشعب، للغالبية، فلماذا وحدنا نريد طريق النصر معبدا بلا أشواك و لا عقبات ؟ و إذا كنا قد استعجلنا ـ و ذلك ما كشفه حسبنا ـ فلنتعلم و لنصبر و لنصمد. و محنتنا لم تذهب بأرصدتنا بل زادتها لأننا لم نواجه نظاما وطنيا، نظاما يحمل رموز العدل و الحرية و يمثل الإرادة الشعبية حتى نكون مورطين تاريخيا أور دينيا بل واجهنا عصابة مافيا و طغمة فاسدة و حثالة المنتوج العلماني الاستعماري في تونس. فإذا حرمنا تاج النصر على العدو فقد فزنا بشرف مواجهة الباطل و دخلنا بشعبنا دورة تدريبية واسعة و عميقة في النضال أثرت ملفه النضالي و شكلت خميرة مهمة لثورته المستقبلية. إنها ثروة لا تقدر! ذلك وسام الدنيا و ما عند الله خير و أبقى، فعلام يأسى المؤمن على ما بذل، ما كان بذله لله، فمن فاضت روحه في المواجهة فقد فاز بإحدى الحسنيين، مبتغى كل مؤمن. و من سجن فهي خلوة يتطهر فيها و يتهيأ لجولات قادمات. و من شرد فقد أحيا سنة المهاجرين الأول، يتأمل في ملك الله الواسع و يكتسب تجارب و علوما و أرصدة تثري المشروع الإسلامي اليوم و غدا، فَلِمَ التباكي و التضجر و التحسّر على ما فات، و كأنها كانت الفرصة الأخيرة التي لن تعود. و هب هذا الجيل كله من أبناء دعوة الإسلام قد قضى كله نحبه صابرا مصابرا في السجون و المهاجر، كما قضى جيل موسى عليه السلام في الصحراء يتطهر من الادران، فسيولد في أثره جيل جديد اصبر و ارشد و اخلص، و يكون الفتح على يده، إن كنا نلوم أنفسنا إننا تعجلنا فقد تعجل أنبياء من أولي العزم  » و ما اعجلك على قومك يا موسى.. قال هم أولاء على اثري و عجلت إليك ربي لترضى « . و قد تعجل أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ( قيل الشباب منهم خاصة ) و ضغطوا على القيادة فاستجابت، كما ضغط شباب حركتنا على قيادتهم يوم اشتد القهر فناجزوا عدوهم قبل استكمال شروط المواجهة، فكان ما كان، و كما تلت غزوة الفتح بعد سنوات قليلة غزوة احد، فستتلو مواجهة 92 فتوحات عظيمة تشفي صدور قوم مؤمنين، و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.. التصريحات: أما عن الأخطاء التي سجلتها في رسالتك سواء على صعيد التخطيط للمواجهات السابقة أو على صعيد الخطاب و التصريحات فمعظمها أنت مصيب فيها. و ما نقمتُ عليك فيها إلا روح المرارة التي تطفح بها و الأسى و الحسرة. و أحب على هذا الصعيد أن ابدي الملاحضات التالية: • إن من كثر كلامه كما هو مأثور عن الصديق رضوان الله عليه، كثر خطؤه. و أنت جمعت لي بضعة أقوال لو وضعتها في سياق جملة تصريحاتي خلال العشرية الأخيرة أو الخمسية، و التي تشكل مجلدات، لوجدتها قليلة رغم فداحة الأخطاء في بعضها. و كان حبيبا إلى نفسي أن يشاركني في هذا العبء إخواني القياديون و لكنهم رفضوا ذلك تقديرا منهم للظروف المحيطة بهم في فرنسا خاصة، و التي يقدر أن أي راس يرتفع فيها من إخواننا سيعصف به عند أول موجة غضب و هستيريا تجتاح القوم، و ما أكثرها. أما عن التصريح لمجلة  » لوبوان  » حول  » الجبهة الإسلامية  » و حدث الحدود فالمجلة لم تورده كاملا إذا كان تصريحا طويلا اقتطعت منه نبذا فجاءت الصورة مهتزة. و أنا لم انسب  » للجبهة  » شيئا لم تنسبه لنفسها. ففي بياناتهم منذ نهاية الثمانينات أعلنوا اعتمادهم المنهج الجهادي في التغيير و لا يزالون، رغم أنهم عندما بدأت نذر الاختناق باعتقال بعض عناصرهم نفوا عن أنفسهم ذلك، و لم يكن ذلك قبل تصريحي المذكور بل بعده. و معتقلوهم في فرنسا أصروا على انتماءهم للحركة. معنى ذلك أنهم مصرون على الخلط، و نحن يكفينا تحمل تبعة أوضاعنا، و ليحمل كلُُّ تبعة عمله، فذلك مقتضى الشرع و الأخلاق. و بالأمس فقط في جريدة الحياة 25 جمادى الأول ـ 19 اكتوبر عاد ممثلهم ( الحراثي ) يدعو إلى عدم استبعاد أي وسيلة لمقاومة النظام. أما نسبة المشاركة في عملية الحدود إليهم فهم قد صرحوا بذلك في بيان حمل اسم  » الجماعة الإسلامية التونسية  » و حدث لبس بين هذا العنوان الجديد و الجبهة، و عندما سئل هؤلاء الأخيرون عن ذلك أجابوا بأنها غيرهم و إنها مجموعة صالح، و لم يكن ذلك قد تبين عند تصريحي، و الحدود لم تتبين بعدُ بين هذه الأجسام، و كان غرضنا من ذلك: أ‌- وضع مسافة بين مناهجنا و ما يخالفه لمواجهة الخلط المتعمد و اللا أخلاقي من أولئك، ذلك الخلط الذي جرّ علينا كوارث. ب‌- تأكيد الدرس الذي نشير إليه باستمرار أن الاستمرار في الانغلاق و القمع سيفضي لا محالة يوما إلى الانفجار و العنف. و الأمر هنا ابعد من ظن السوء الذي ذهبت إليه أننا نستجدي حوارا مع النظام.. و إنما نحن دعاة مصالحة وطنية شاملة لا بيننا و بين النظام و حسب و إنما بين الدولة و المجتمع بكامل مكوناته. ج ـ بيان فساد سياسة النظام في تدخله في الشأن الجزائري بالتحريض المتواصل على استمرار التعفن و القمع و التصدي لكل محاولة صلح و حوار. خلاصة الرسالة التي نريد تأكيدها من وراء ذلك أن استمرار الحريق و توسعه في بيت الجيران مفضٍ لا محالة يوما إلى تسرب النيران إلى البيت، فاحذروا، و خيرا لكم أن تدعموا الهدوء و التصالح لدى الجيران و أن تتوقوا أسباب الحريق في الداخل، فأي فساد أو ضير في كل ذلك ؟ فاقتصدوا في الاتهام و اجعلوا سهامكم كما كان شأنها دائما مصوبة إلى عدوكم لا إلى صدوركم. • أما عن تصريحاتي خلال المواجهة (1991) المحرّضة على محاصرة الطاغوت في كل زاوية أو منعطف، و الدعوة للصمود و عدم الخوف من الموت، فكانت من مقتضيات المواجهة، و لم يكن فيها دعوة للقتل و الحرق و سفك الدم، و إنما كانت للصمود في مواجهة عنف النظام. و أنا أتحدى أي دارس أن يجد في خطاب تلك المرحلة كلمة واحدة تدعو إلى ممارسة الجهاد القتالي أو القتل أو الحرق، و يمكن و لا شك أن يكشف التقويم عن الخطأ في توقيت المواجهة من حيث مدى مؤاتاه الظروف المحلية و الإقليمية و الدولية لها.. و لكن حديثنا هنا عن تقويم خطاب لمواجهة قد صدر القرار بها من المؤسسة القيادية (م.ش) التي لم أكن عضوا فيها و لا في المكتب التنفيذي. و أنا هنا لا أتبرأ مما حصل، فانا لم أكن رافضا للمواجهة غير أن دوري لم يكن التقرير فيها و إنما كنت أداة أعلامها. و إذا كان إعلام الطاغوت قد ركز على مقطع من خطابي لتقديم شبهة إدانة بالعنف للحركة، فحري بأبناء الحركة إلا يكونوا سمّاعين لعدوهم  » القلال  » فيتلقفوا من فيه اتهام قيادتهم التي من المفترض أنهم يعرفونها جيدا، و لكنه الطبع الغالب على النفوس ساعة الهزيمة كما يقول الشاعر: و الناس من يَلْقَ خيرا قائلون له *** أحسنتَ، و لأمّ الفاشل الهبل و ترجمة البيت باللهجة التونسية:  » البقرة إذا غرقت تكثر سكاكينها  » • إن أبناء الحركة شأنهم شأن غيرهم عندما يقوّمون مسار الحركة يصرفون أنظارهم عمدا أو سهوا عن القانون الأساسي الذي يحكم الحركة و يحدد طبيعة المسؤولية، و الشروط التي ينبغي توفرها في الأمير أو الرئيس و منها حضوره في الساحة. فكل من خرج من الساحة إلى السجن أو المهجر اعتبر في حالة إحاطة و عوّض بغيره. و بمقتضى ذلك وقع تعويضي بين 81 و 84، كما وقع تعويضي في مارس 87 و استمر الآمر كذلك بعد خروجي سنة 88، و هاجرت سنة 89 بعد أن أصر إخواني على استمرار الوضعية الازدواجية المفروضة في القانون الأساسي و من طرفي بإصرار.. ظل إخواني لاعتبارات رأوها، أنا لم اقتنع بها، يصرون على أن أظل مجرد واجهة إعلامية  » رئيس الحركة  » احمل المسؤولية أمام الناس، أما في مؤسسات القرار فأنا عضو.. و رفضت ذلك و آثرت الخروج من البلاد لأعمل في الساحة الواسعة، ساحة العالم الإسلامي. و كنت راضيا أن احمل صفة العضو العادي داخل الحركة و خارجها، و أصر الإخوة على الازدواجية.. فأنا اعتبر إن الهجرة كانت مخرجا لي من وضعية مرفوضة، و حصل ما حصل، مع الملاحظ فانه و قبل أن تعاد إلى القيادة من طرف إخواني المهاجرين وسط 1992 و كان ذلك في ندوة لم احضرها، عملت على توقيف العمل بخطة المواجهة رسميا. أما واقعيا فقد حرضت على ذلك سنة 91 على اثر عملية باب سويقة و كانت الحركة على مفرق طرق، أما أن تتبنى العنف رسميا و تمضي فيه للنهاية كما كان دعا إلى ذلك بعض الإخوة، أو توقف المواجهة و نتحمل النتائج المترتبة، و قدرنا أنها ـ على فداحتها ـ اقل من خطر المضي فيها و التورط الشامل في العنف. و جمعت أصوات الإخوة البارزين في باريس و في الجزائر على ذلك و أرسلنا بها عريضة إلى القيادة في الداخل كان لها تأثير في وقف قرار المواجهة. و بذلك انقدنا بفضل الله ارث الحركة المدني و صفتها السياسية كحركة تغيير سلمي. فكانت الخسارة في الماديات لا في المعنيات، و ذلك ما أفشل بفضل الله خطة النظام في الاستئصال عن طريق إلباس الحركة صفة الإرهاب لتبرير ذبحها. ولقد كان لذلك الأثر الأعظم ـ بفضل الله ـ في إنقاذ أرواح إخواننا و في إفساح مجال ولو محدود، إن لم يكن لتحرك الإخوة بالقضية، فعلى الأقل لتوفير رئة يتنفسون بها في ديار الغرب. ولم يكن ذلك ممكنا لو نجح الخصم في تثبيت تهمة العنف على الحركة. • وكما كان دوري التحريض على المواجهة عند الإعداد لها، فقد كان دوري إطفائيا عنما تبين خطأ المضي فيها، وهو الدور الذي قمت به سنة 87 حيث كنت محرضا على المواجهة المدنية و لكن بعد أن استبان التورط الأمني فيها و أوشكت الحركة أن تدان كلها بالإعداد و التخطيط للعنف، و رغم ارتفاع درجة المتحمسين في القاعدة و حتى لدى أعضاء قياديين بارزين فقد قمت بالدور الاطفائي و نزعت الفتيلة و تم لإنقاذ أرواح شباب بريء طاهر مجاهد فحسب، بل إنقاذ صفة الحركة. و كان ذلك بفضل الله سبحانه غير إن البقرة إذ سقطت… و لو انصف إخواني و شغلوا أوقاتهم بدل القيل و القال بقراءة الدراسات المعاصرة التي تكتب في الغرب و الشرق بلغات مختلفة حول الحركة الإسلامية لأدركوا المكانة المتميزة التي تحتلها حركتهم في الإسلام المعاصر و ما أنجزته من تأثير في صورة الإسلام المعاصر في العالم و صورة الحركة الإسلامية، و تأثير النهضة فيها الفاعل.. و ما ساقه المولى صاحب الفضل و المنة على يد هذا العبد الضعيف من ضروب التأثير الايجابي في كل ذلك، و في التصدي لهجمات النظام العاتية متحالفا مع قوى دولية رهيبة في ظروف مناسبة له جدا. و لكنها الطبيعة الغالية على النفوس أنها تقبل ساعة النصر حتى لكأن المنتصرين ملائكة أو حكماء المعصومين، فإذا أدبرت فالويل للمهزومين فهم الحمقى و الجهلة و حتى الخونة و الشياطين، إنها مفارقة عجيبة بين صورة الحركة و قيادتها لدى عامة الناس و صورتها لدى أبنائها و نخبها.. إنها الهزيمة. و يندرج في هذا الإطار كثير من اتهامات إخواننا لنا، لا كلها، و أسباب تبرمهم بأنفسهم و قيادتهم و حركتهم، و لسان حالهم:  » أرنا الذين أضلانا من الجن و الإنس نجعلهما تحت أقدامنا  » ائتونا بمن قادنا إلى السجون و المنافي و الفقر و الذل و الخصاصة و فراق الأحبة و ضياع المستقبل لنشنقه أو نمزقه إربا إربا، نكالا بما كسب. أرونا أولئك الذين يحرصون على المواقع دون تغيير الواقع، أولئك الذين اعتمدوا المزايدات السياسية و فشلوا في فك الحصار عن الحركة بعد أن أوقعوها في المأزق، أولئك الذين كانت المآسي التي جروها على الداخل أكثر من المنافع، أولئك الذين يتشبثون بالمواقع، بالسلطة، و يرفضون عودة القيادة إلى الداخل… مع انه لا حل إلا بعودة القيادة إلى الداخل…!! • في خصوص موضوع الجزائر و تقدير الأخ انه كان يمكن لي أن أقوم بدور في الحؤول دون الوصول إلى المأزق بدل التورط في التأييد المطلق للجبهة و نسيان جماعة حماس الأقرب إلينا، و معارضة السلطة التي كنت قريبا منها. أما عن جهدي في توقي الكارثة عندما كنت في الجزائر فقد كان القيام بمهمة الإصلاح و التوفيق بين الشرائح الإسلامية و بينها و بين الدولة غرض الأساسي لإقامتي بالجزائر مدة سنتين كسبت فيها صداقة أهم القوى الفاعلة، من جبهة التحرير إلى جبهة الإنقاذ. و رغم الجهود المتواصلة في ذلك فقد فشلت على صعيد التوفيق بين الجماعات الإسلامية الثلاثة ( حماس و النهضة و الجبهة ) بفعل تمسك كل بموقفه و إفراطه في تقدير أهميته. و كانت الجبهة مغترة بحجمها و الولاء الشعبي العارم لها و مصرة على صورة واحدة للتعاون، أن يبايعها الناس أفرادا كما فعلت جماعة الجزارة عندما رأت الريح مالت بشكل حاسم بعد الانتخابات البلدية مع الجبهة، على حين ظل الطرفان الآخران يماريان في هذا المعطى و يؤكدان أن الجبهة أفقدتها الممارسة البلدية وزنها و أن كلا منهما البديل، و كان ذلك خطأ قاتل في التقدير. و إذا كانت النهضة قد عملت على استدراك أمرها و القبول بما أفرزته صناديق الاقتراع فرفعت راية صحيحة هي الدفاع عن خيار الشعب، فإن جماعة حماس واصلوا السباحة ضد التيار وانخرطوا في استراتيجية معارضة الجبهة إلى النهاية فتحالفوا نهاية مع الطغمة، مع حزب فرنسا، و انتهى أمرهم إلى مأساة حقيقية، هي الانتحار بعينه.. و مقابل الحنكة السياسية لجبهة التحرير التي نجح قائدها الداهية مهري في إخراجها من المستنقع

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :