Poster un commentaire

عام 1954 في الوردانين: كما يتذكره أحمد المناعي


سنة 1953 مرت علينا بأقل مصائب من سابقاتها. صحيح أن الجيش الفرنسي قد قام بعمليات تفتيشه وأن مركز الجندرمة قد بقي سيفا على رقابنا لكن لم تحدث كوارث بل على العكس. فقد رجع خالي عبد الله من منفاه في قبلي كما رجع اخرون من من منافيهم وأذكر بالخصوص رجوع …حريش الى الوردانين فقد خص باستقبال جماهيري يليق بالزعماء الابرار  

عرس صامت

 تزوج أخي محمود ربيع سنة  1954 من خديجة بنت الحبيب حميدة بعد فترة ملاك دامت حوالي العامين. وخلال هذه الفترة التي تحضر فيها الخطيبة جهازها من الصوف وماعون النحاس والملابس ينفق الخطيب وعائلته شعر الرأس. فكل المواسم والأعياد مناسبات لتقديم الهدايا وحذارى أن يغيب الخطيب وعائلته عن هذه المواعيد وأذكر أن في أحدى تلك المناسبات أهدى أبي عائلة الخطيبة كريطة من الخس وكانهم على رأس تربية أرانب. لكن في العموم يلتزم الطرفان بما تم من شروط في الأول.

خديجة خطيبة أخي محمود وأمها امنة من أفضل النساء الاتي عرفتهن في  خبز كسرة الطابونة فخبزهن ألذ من البشكوتو وهو مدور لا اعوجاج فيه. كنت أقيم عند خديجة كلما تذهب أمي الى رادس عند اخوتها وفي الصباح تعطيني خديجة كسرة خبز قبل الذهاب للمدرسة وفي احدى المرات اعترضني ولد أكبر مني وطلب مني اعطاءه شيئا من الخبز فأبيت فأعطاني بنية على فم قلبي وكدت أفقد الوعي.

عرس صامت بلا طبل ولا زكار ولا زكرة ولا غناي ولا غناء ليس فيه أبسط مظاهر الفرح  لسبب اعتبره الجميع عاديا وقتها وهو أننا كنا في ظروف كفاح وأن هناك شهداء وهناك محاكمات ومساجين. أحتفالات العرس تدوم ثلاثة أيام ويعمد أصدقاء العريس في اليومين الاولين منها  ال الى التنافس في القراش وهو صراع بين الرجال يتطلب كثيرا من القوة وأيضا الذكاء والفطنة. بالنسبة لأعراس أولاد الحومة تتم عمليات الصراع في أرض محروثة لا يتضرر الشاب عند الوقوع عليها وكثيرا ما كانت تتم في غرس مقابل لمدرستنا كان على ملك الطاهر حريش.

( تذكرت ذلك بعد أكثر من أربعين عاما عندما حضرت في اليوم التالي لزواج بنت الغنوشي في 1995 في لندن. راح الغنوشي يشتكي لي كثرة ضيوفه وضيق القاعة التي استأجرها. وأسفه أن لم يكترى قاعة كذا .أو كذا ..ولا أحسب أنه فكر يومها في ضيق عنابر السجون التي ضمنها لأتباعه وهرب سنة 1989.)

عام الامتحانات

سنة  1954كانت سنة الامتحانات الكبرى الشهادة الابتدائية والسيزيام. مديرنا صلاح الدين المعتمري زاد في الاعتناء بنا ورعايتنا. كان يحتفظ بنا بعد الاوقات العادية لأعطائنا دروسا إضافية في الحساب والفرنسية. دار المدير محاذية للقسم الذي كنا فيه لا يفصله عنه الا الغرفة الضيقة التي كانت مركزا للبريد والتي أضيفت للدار.

كثيرا ما كان يرجع لنا سي صلاح وهو يمضغ وأحيانا كنا نرى بقايا ما كان يمضغ….بشكوتو. كنت أتمنى فقط كسرة خبز لا أدري ما كان شعور رفاقي وهم ينظرون الى المدير يمضغ بينما كانت بطوننا تتلوى جوعا. ثم هو المدير الطيب الذي كان يحب لنا النجاح هل كان يعرف أننا جوعانين؟ لم يحدث ذلك مرة أو مرتين  بل طول المدة التي استمر فيها تدريسنا.

والحقيقة أنني أخذت الاحتياطات الازمة للنجاح. فقد بادرت بالاقبال على الصلاة. كنت أصوم شهر رمضان أو على الأقل نصفه وبطريقة …لم يكن هناك كثير من المصلين في دارنا. المصلون الكبار من أمثال حنيني فرحات رحل الى جوار ربه وحنة عائشة أرملته تحولت الى رادس عند ابنيها محمد وعبدالله. والدي كان يصلي في الجامع ونادرا ما رأيته يصلي في الدار أما أخي محمود فقد كان يصلي سرا.

حرصت أن أصلي في المسجد. كان عندنا جامع في بطحاء الوردانين وهو جامع قديم وكان يوجد بالقرب من الدار مسجد صغير يسمى جامع سيدي إبراهيم وهو ملاصق لمقام الولي سيدي إبراهيم. وقد كان بين المسجد ومقام الولي فضاء يستعمله المؤدب قوقو للتعليم وهو الكتاب الذي كنت أؤمه حتى شهر أكتوبر 1948.

كنت أقوم فجرا وأتوجه للجامع وأشعل الكهرباء الذي كان خافتا وأبدأ بملء الميضة. كان البئر عميقا والحبل طويلا ينتهي بدلو من جلد ثقيل وكنت أعاني كثيرا لاخراجه. كان خوفي الكبير من عتروس الميضة وهو كائن عجيب وغريب يؤم الميضات. ويقال أنه يكفي الانسان أن يقبض على هذا العتروس من قلوينه أو كرارزو ويطلب منه أي شيئ فسيحصل عليه. للحقيقة لم يخرج لي هذا الكائن ولكنه سكن خيالي مدة طويلة. المرة الوحيدة التي سمعت فيها بأن أحد المصلين لحقه مكروه في الميضة هي عندما غرف حفنة ماء ليستنجي بها وكانت عقرب مع الماء فلدغته…فتوجه الى ربه بأن الامر جاء من عنده…  أيامها كان

ليلة الامتحان أوصتني أمي بأن أمر على سيدي إبراهيم وسيدي فرج الذي كان مقامه وراء الدار و أن أملأ جيوبي بتراب مقامهما.    

  .

نجحت في الشهادة الابتدائية ورسبت في السيزيام وصعب علي فهم ذلك. فالامتحان واحد وتاريخه واحد والمواد واحدة ولكن النتيجة هي النجاح في الأولى والرسوب في الثانية. وقد سعى المدير سي صلاح المعتمري أن يفهمنا بأن الشهادة امتحان يكفي التلميذ الحصول فيه على المعدل للنجاح بينما السيزيام مناظرة تأخذ فيها الإدارة العدد الذي تحتاجه من التلاميذ. لم أقتنع كثيرا بهذا التفسير ولكني ووالدي واخوتي فرحنا فرحا كبيرا.

فهي أول شهادة ابتدائية في العائلة قيل لي وقتها أن من بين مزايا النجاح في الباكالوريا أن صاحبها يعفي من الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي. ولكني لازلت وقتها صغير السن وقد كنت أصغر الناجحين. كنا سبعة عشر تلميذ نجحوا من مدرسة الوردانين في تلك السنة كانت فعلا صابة كبيرة لم تعرف الوردانين سابقة لها. طلبت من أمي ان اشتري قنينة روزاطة فستق كالتي كنت كثيرا ما أراها عند عمي الدوبل مطير الثائر في دارنا فأعطتني. أخذتها وسلمتها الى زوجة المدير وأنا أتصبب عرقا من الحشمة. زوجة سي صلاح امرأة ممتازة لطيفة ذات أخلاق عالية وقد كانت قصيرة وسمينة على عكس زوجها الطويل النحيف وصاحب الغضب السريع….كان عندما يغضب ويمسك بأحد التلامذة لضربه يبدأ بمضغ لسانه ويستمر في ذلك الى نهاية المهمة. أما سي فرج معلم العربية فقد كانت له طريقة أخرى يستعملها بالخصوص مع التلامذة الكبار، كان يأمر الواحد منهم بالتمدد على القاع ويقيس طولهم بعدد الجليز وفي ذلك إهانة كبرى. لأ أذكر أن السلوك والتصرف قد أزعج أحدا من الأولياء الا في مرة واحدة. فقد جاء بلقاسم بن سالم منصور يحتج من الشباك على تعنيف ابن أخيه صالح صائحا ومهددا بإخراجه من المدرسة لأنه لن يأخذ البالوريا ؟؟؟

الشهادة الابتدائية كانت مجلبة لكثير من الخيرات فقد كانت تمنح صاحبها شكارة من القمح وأخرى من الشعير وتوزع هذه الهبات من قبل شيخ القرية وبمحضر وتحت مراقبة أعوان صبايحية يأتون من سوسة على خيولهم. توزيع القمح والشعير كان يتم دوريا فالسكان يعانون الخصاصة الدائمة . أحيانا عندما يكثر عدد المنتفعين بهذه الهبات ويزدحمون ويتصارعون يتدخل الصبايحية ويضربون الناس بالسوط وبما أن حضور الصبايحية بمقابل يدفعه المنتفعون فان من يلسعه السوط يمكن له أن يتلذذ فلوسه.

أفي شهر جويلية من تلك السنة صاحبني أخي محمود الى رادس في مهمة خاصة تتمثل في مؤانسة نور الدين حشاد ليس بدارهم في رادس

ولكن في مكان انعقاد مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل بمدرسة الفتاة المسلمة بنهج المر بتونس العاصمة.

انعقد المؤتمر الثالث للاتحاد خلال الأسبوع الأول من شهر جويلية 1954 والتأم بمدرسة الفتاة المسلمة بنهج المر بتونس العاصمة

كنا نلعب أنا ونورالدين حشاد بدون ألعاب. فضاءنا اقتصرعلى طاولة ككل طاولات المعلمين في مدارسنا في ذلك العهد أي سنوات الخمسينات.

في وسط القاعة كان هناك رجال يجلسون حول مجموعة من الطاولات التي ألصقوها ببعضها يتحدثون ويتناقشون بهدوء. كنت أعرف بعض الوجوه كان هناك عبدالله فرحات وهو خالي وهو الذي حرص منذ العطلة الشتائية لسنة 1952 أن أكون مع وعائلة حشاد ونورالدين بالخصوص في العطلة. كان هناك أيضا مصطفى الفلالي الذي أعرفه منذ نعومة أظفاري فهو عديل خالي وكان هناك أيضا محمود المسعدي الذي عرفته في شتاء 1952 يوم صاحبنا هو وسي مصطفي وزوجته خالتي السيدة وخالتي صفية الى السينما لأكتشف هذا العالم.يعد الأستقلال خرجت صورة الحكومة الأولى وتعرفت على بعض الشخصيات التي رأيتها مجتمعة قبل ذلك فيما عرفت فيما بعد عبواسطة الاستاذ أحمد الكحلاوي أنه المؤتمر الثالث لاتحاد العام التونسي للشغل. عرفت عزالدين العباسي وأحمد بن صالح …..وغيرهما

Publicité

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :