Poster un commentaire

المأزق التونسي: حديث مع أحمد المناعي: 2007ي


المأزق التونسي: حديث مع أحمد المناعي
حديث مع أحمد المناعي أجراه نيكولا لالند لموقع القلم بتاريخ 31 جانفي 2007أحمد المناعي معارض لنظام بن علي، و قد عُذب لآرائه كغيره من آلاف التّونسيين. و قد روى لنا هذه التجربة المريرة في كتابه « العذاب التونسيّ الذي صدر في بداية سنة 1995 و قدّم له جيل بيرولت.
في هذا الحديث، يظهر لنا الرّجل أنه دائمًا على التزامه لكنّه استطاع أن يأخذ المسافة الكافية لتحليل الحالة التونسية بموضوعيّة. و ها هو يقدّم لنا أفكاره عن الماضي و الحاضر و المستقبل الممكن لتونس.
القلم: بعد 12 سنة من صدور كتابك « العذاب التونسي » هل يمكن أن نعتبر أن نظام بن علي يتطوّر نحو مزيد من الديمقراطية و الحرّيات الفردية؟

أحمد المناعي: كان هذا الكتاب شهادة متواضعة و منقوصة لأنّها لم تطرح المسؤوليات السّياسية و خاصة مسؤولية حركة النّهضة في المأساة التونسيّة، إذ علينا أن لا ننسى أن بن علي و نظامه هما نتاج تاريخنا و مجتمعنا و نخبنا الفكرية و السيّاسية و كذلك النّظام الدّولي المهيمن.
الآن، هل يتطوّر النّظام نحو مزيد من الديمقراطية و الحرّيات الفكرية؟ بالتّأكيد لا، و ستزيده الأحداث الأخيرة تصلّبا.
إلاّ أن ذلك لا يعني أنّه لم يتغيّر، كثيرًا ما يميل الشخص المنفي إلى الاعتقاد بأن البلد الذي اضطرّ لهجره، يتجمّد و لا يتحرّك و يظلّ دائمًا على حاله… في انتظار عودته. و الحقيقة أن للمجتمعات حركيّتها الخاصّة، فهي تتحرّك و تتطوّر بمنأى عن الأفراد و الأحزاب السّياسية و النّخب و حتى الحكم !
هناك تطوّر و لكنّه ليس نتاج سياسة واضحة و خطّة مدروسة.
و لا بدّ من التّذكير بالحالة التّونسية في بداية التّسعينات من القرن الماضي. كان هناك قمع وحشيّ و محاكمات بالجملة، و لا أقلّ من 10 آلاف سجين سياسي و عشرات القتلى تحت التّعذيب: كان الرّعب عامًّا !
و الآن، أطلق سراح المساجين بعد قضائهم عقوباتهم، و وقع العفو على بعض المئات منهم. لا يوجد الآن إلاّ حوالي 60 سجينًا من حركة النّهضة، إضافة إلى 300 شاب، اعتقلوا في الثلاث سنوات الأخيرة بمقتضى قانون « لمقاومة الإرهاب ».
القيادات السياسّة و نشطاء حقوق الإنسان من ذوي الخلفية الماركسية و الليبرالية الذين كانوا محرومين من جوازاتهم طيلة العشرية السّابقة، يسافرون الآن للخارج بكل حرّية. كثير من المنفيين القدامى للنّهضة و زوجاتهم و أطفالهم يرجعون بانتظام لبلدهم منذ بداية هذه العشرية.
هناك العديد من جمعيات حقوق الإنسان، الغير معترف بها، تنشط و تنشر بياناتها و احتجاجاتها و تنديدها و استنكاراتها بانتظام.
وسائل الإعلام باقية في أيدي السلطة، و لكن هناك المكاسب الكبرى التي تمثّلها شبكة الإنترنات و الفضائيات العربية و هي ميسّرة للمعارضين و المحبّبة للتونسيين. الآن، الأخبار تتنقّل بسهولة و النّاس يتحدّثون بجرأة و ينتقدون و يعبّرون عن مللهم.
لقد سقطت كثير من المحرّمات، و هو ما يعني أنّنا لسنا مع النّظام الذي عرفناه منذ 15 سنة و لكننا لم نبلغ بعد الانفتاح و مازلنا بعيدين جدًّا من الديمقراطية.القلم: الكثير يراهن على موت عاجل للرّئيس التّونسي و يتمنّى « ثورة قصر ». ما رأيك؟

أحمد المناعي: الموت ينتظرنا جميعا و يمكن أن يصيب في كلّ لحظة أيّ واحد منّا، الرّئيس أو العديد من الطامحين لخلافته. يقال أنّ الرّئيس التونسي مريض و لكن ذلك يتردّد منذ 5 أو 6 سنوات، و يمكن أن يطول ذلك. و إنّي أستغرب أن يراهن مسؤولون سياسيون على موته بهذا الحد، و كأنّ غيابه سيؤدي إلى انهيار النّظام. في رأيي، سيظلّ النّظام بعد رئيسه و لو لبعض الوقت، و سيتمّ تداول السّلطة حسب مقتضيات الدّستور، و سيتمّ اختيار مرشّح التّجمّع ـ حزب الحكم ـ في وزارة الدّاخليّة. و قد قيل كثيرًا بأنّ الجزائر هي ملك جيشها. أمّا تونس فهي ملك وزارة داخليتها. و أخشى ما أخشاه أن تبقى المعارضة و خاصّة في حالها الحاضر، غائبة عن الحدث.القلم: هل المعارضة الحالية ناضجة لاستلام شؤون الحكم، حسب رأيك؟

أحمد المناعي: لكي تأخذ المعارضة الحكم، وجب أن يكون هذا الأخير شاغرًا و هذا غير حاصل، وأن تكون المعارضة موجودة، مكتملة البناء، لها قيادات تملك مصداقية و برنامج قادر على استهواء التّونسيين في انتخابات حرّة و شفّافة، و هذا غير حاصل الآن.
هناك ثلاث طرق للوصول للحكم، إمّا بالثورة أو الانقلاب العسكري أو عن طريق الانتخابات. لا أعتقد أن تونس هي الآن على أبواب ثورة، أمّا الانقلاب العسكري فإنّه قضيّة خاصّة بمن يملك الوسائل المادّية للقيام به، أي العسكر، و استعبد ذلك تمامًا.
بخصوص الانتخابات، أعتقد أنّه إذا ما وقع انفتاح سياسي يسمح بتحوّل ديمقراطي يقوده جناح ليبرالي في الحكم لمدّة 3 أو 5 سنوات، فإنّ المعارضة بكل مكوّناتها يمكن أن تصل للحكم بعد ولايتين أي بعد عشر سنوات. و إذا ما انطلقت هذه العملية الآن في سنة 2007، فيمكن للمعارضة، بعد أن تكون قد نضجت و تشبّبت ـ لأنّ زعماءها الحاليين قد أصابتهم الشيخوخة ـ أن تصل للحكم في حوالي سنة 2020. بقي أنه يمكن حدوث المعجزة !القلم: كيف تفسّر أنّ الحكومات الفرنسيّة المختلفة ظلّت صمّاء خرساء أمام الانتهاكات المفضوحة للحقوق الأساسيّة من قبل النّظام التونسي؟

أحمد المناعي: الدّول لا تُعير أدنى اهتمام لانتهاك حقوق الإنسان خارج حدودها، خصوصًا إذا كان الضحايا غرباء عن دائرة قيمها. لكن ذات الدول لا تتردّد في التلويح بقضية انتهاكات حقوق الإنسان و توظيفها و جعلها السّلاح الفعّال في معاركها من أجل تحقيق مكسب سياسي أو اقتصادي. فمثلا، أصبح القذافي « الشرير » طيّب العشرة ما أن استسلم بزاده و زوّاده، و دون أن يغيّر شيئًا في سياسته الدّاخليّة.
و رجوعًا إلى المسئولين الفرنسيين، أعتقد أن موقفهم ملخّص فيما صرّح لي به وزير خارجية فرنسي سابق، في سنة 1993: « أن بن علي أفضل ما يكون لتونس » و أنّه إذا كان هناك مشكل يهم شخصًا ما، فالسيّد الوزير مستعدّ لحلّه خلال 24 ساعة ». و قد أعطاني أكثر من دليل على ذلك.
القلم: في أغلب الأحيان، اختارت الديمقراطيات الغربية مساندة الأنظمة الدكتاتورية، مثل تونس وغيرها، على أنّ تشجّع انفتاحًا ديمقراطيا كان بإمكانه السّماح لبعض الأحزاب الإسلامية للبروز وكسب بعض الانتخابات.
اليوم، كيف تنظر إلى هذا الحساب القصير النظرة و هذا الحذر من الأحزاب الإسلاميّة من طرف الأوروبيين و الأمريكان؟ مع مرور الزّمن هل ترى أنّه كان بإمكان راشد الغنوشي و حركة النّهضة المساهمة في البناء الديمقراطي التّونسي؟ هل من شيء يُنتظر من هذه الحركة؟ ما هو مآل أغلب مناضليها في المهجر؟

أحمد المناعي: الديمقراطيات الغربية كانت نشيطة و فعّالة في دمقرطة بلدان أوروبا الشرقية، و الحقيقة كان ذلك للإسراع بانهيار الإمبراطورية السوفياتية و إعادة رسم خارطة أوروبا و العالم، و إذا لم تفعل تلك الدّيمقراطيات نفس الشيء مع الدكتاتوريات العربية، فلتقديرها أن مصالحها الإستراتيجية قد تُهدّد من قبل فاعلين سياسيين لا تعرفهم كما ينبغي أو بما فيه الكفاية. مع ذلك كان هناك إسلاميون شركاء للأمريكان بامتياز طوال الحرب الباردة و بالخصوص أثناء الحرب الأفغانية.
قد يكون ذلك حساب قصير النّظر، و لكنّه فهمهم و تقديرهم لمصالحهم و أنا آخر من يؤاخذهم على ذلك. إنّي مؤاخذ على العكس سياسيينا وبالخصوص الحركات الإسلاميّة التي دفعت ببلدانها إلى مغامرات مدمّرة في حين كان عليها أن تتريّث قليلا. الآن و مع مرور الزّمن، أعتقد أنّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر التي منحها النّاخبون الأغلبية في الدورة الأولى للتّشريعيّات، ما كانت قادرة على حلّ المشاكل العمليّة للجزائر. و لا يعني هذا أنّي أساند الانقلاب الذي أوقف المسار الانتخابي.
فيما يخصّ تونس و حركة النّهضة، أريد أن أذكّر للتّاريخ، أنّ تونس عرفت حزبين سياسيين حقيقيين: الحزب الدستوري الذي تأسّس سنة 1934 و حركة الاتجاه الإسلامي/ النّهضة التي تأسّست سنة 1981. و كان بإمكان هذه الحركة أن تصبح منافسًا قويًا للنّظام بالاندماج أكثر فأكثر في المجتمع و بالتّدرّب على إدارة البلد و العلاقات الدّولية. لكنّ قيادتها أرادت حرق المراحل فاحترقت يداها ! ما يمكن أن ننتظره من هذه الحركة؟
في سنة 1992 صرّحت لمجلّة « أرابيس » البارسية، بأنّ هذه الحركة مهدّدة « بالتّحوّل إلى جماعة لا تأثير لها على الواقع السياسي في البلاد ». و أعتقد أنّ هذا هو الحاصل منذ سنوات، على الرّغم من تحرّكاتها الكثيرة و الحضور المستمرّ لرئيسها في وسائل الإعلام. الفرد يستطيع أن يعيش و يُنمّي مواهبه وينجح في المنفى، أمّا الحزب السياسي فلا. قليل منهم من يشاركني تحليلي لاعتقادهم بأنّ موجة التّديّن الجديدة في البلاد من شأنها توسيع قاعدتهم الشعبية و الانتخابية، حيث يتصوّرون أن كلّ مصلّ أو كلّ امرأة محجّبة، من أنصارهم الطبيعيين. الحلم جائز ! لكن المشكلة أنّ النظام يعمل نفس الحساب و يردّ الفعل تبعًا لذلك.
بخصوص مناضلي الحركة في المنفى، الأمر مختلف. فالطّلبة توفّقوا لإنهاء دراساتهم و النّجاح فيها، و كثير منهم حصل على جنسيّة البلد المضيّف. و يوجد منهم كثير من المقاولين و الحرفيين و التّجار ورجال الأعمال المترفهين ممن يملكون فيلات بأحواض السباحة.القلم: شهادتك المؤثرة التي جاءت في كتابك « العذاب التّونسي » تفيد بأنّك أصِبت في أعماق جسمك وروحك، جرّاء هذا النّظام و وسائله المستهجنة. فكيف يمكن للمرء أن يعيد بناء ذاته بعد تجربة أليمة كهذه؟ ثم هل من الوهم، التفكير بأنّ أشخاصا مثل بن علي و غيره، يمكن أن يحاكموا في يوم ما؟

أحمد المناعي: صحيح أنّ تجربتي مريرة لكنّها لا تقارن بآلاف المآسي الإنسانية التي يعيشها البشر في كلّ يوم و في أنحاء العالم و أحيانًا دون القدرة على الشهادة. كيف يمكن إعادة بناء الذات؟ لا أدري بصراحة إن كان ذلك ممكنا حقًا. عموما هي عمليّة ترميم الواجهة فقط، و قد ساعدني على ذلك إيماني ثم العائلة و الكتابة. لكن بالنّسبة لي، المنفى هو اكبر ألمي و أحاول تجاوزه بإيهام نفسي إني و إن لم أرجع لبلدي حيًّا، فسأدفن في ثراه لا محالة.المحكمة؟

منذ 6 سنوات اجتمع حوالي 40 مناضلا من الجنوب و الشمال و أسّسنا منظّمة غير حكوميّة تُعنى بمقاومة التهرّب من العقاب و ملاحقة المستبدّين و غيرهم من المسئولين عن الجرائم الكبرى ومقاضاتهم أمام القضاء الدّولي. هكذا ولدت منظّمة العدالة العالمية بمركزها في لاهاي ـ هولندا ـ غير بعيد عن المحكمة الدّوليّة. بعد أسبوعين من الآن، تنظّم هذه المنظّمة اجتماعها العام و سوف أغتنم الفرصة لأدعو رفاقي لحلّ المنظّمة http://justitia-universalis.net

حاليًا، الاستعمار عائد و البلدان العربية هي المستهدفة أوّلا بأوّل و لا يمكن للمناضلين أن يفعلوا ما فعله العراقيون من قبل، أي تسهيل زعزعة دولنا الهشّة للمحتلين الجدد. العدالة الدّولية لم يحن وقتها بعد، و إذا كان لها أن تقاضي أحدا في يوم من الأيّام و تنصف الضحايا، فعليها أن تبدأ بمحاكمة أولائك الذين دمّروا بلدا نا و قتّلوا شعوبا !نص الحديث بالفرنسيّة:
http://elkalam.com/dossiers/dossiers.php?val=173_l+impasse+
tunisienne+entretien+avec+ahmed+manai/

نص الحديث بالألمانية :
http://www.anis-online.de/1/ton/37.htm(المصدر: موقع المعهد التونسي للدراسات الدولية بتاريخ 18 جوان 2007)
الرابط: http://www.tunisitri.net/

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :