Poster un commentaire

حوار الدكتور شكري المبخوت الى جريدة الانوار الجزائرية


حوار الدكتور شكري المبخوت

– انتقلت من الكتابة الأكاديميّة بعد مسار ثري إلى الكتابة الروائيّة، ما هي الدّوافع؟ وكيف كانت النقلة؟

+ يبدو لي وانا استعيد سياق الانتقال الذي ذكرته أنّ كل ناقد للأدب يحلم بكتابة عمل ادبيّ. وقد أكون عن وعي او من دونه فكرّت بهذا الشكل منذ امد إلى ان ظهر الدافع القويّ لدخول مغامرة الإنشاء الأدبيّ.  وهذا الدافع هو التساؤلات التي طرحتها حول واقع بلادي بعد زلزال 2011 وما تبعه من سيطرة الإسلاميّين على جهاز الدولة وسعيهم إلى الهيمنة على الثقافة والمجتمع وتغييرهما ضمن تصوّرات بدت لشقّ من النخبة التونسيّة قد تجاوزتها دولة الاستقلال ووجدت لها بدائل. فكان التساؤل عمّا حدث ملحّا مؤرّقا. ولما كان من الصعب ان أتامّل الواقع المتغيّر كل يوم وقتها، أي زمن كتابة الرواية في موفّى 2012 وبداية 2013 ، وان اعايش التحوّلات في الآن نفسه وجدت في العودة إلى فترة مشابهة لتلك الفترة ما سمح لي بتنظيم افكاري وهواجسي وتساؤلاتي وحيرتي التي تتلخّص في السؤال لنتالي: ما الذي جعل أبناء الحداثة والدولة الوطنيّة ينهزمون امام الإسلام السياسيّ؟

بهذا المعنى كانت الرواية الأولى وحتّى الجزء الثاني منها أي الطلياني محاولة للإجابة عن هذا السؤال ولكن داخل عالم سرديّ تخييليّ يستعيد بعض جذور المشكلة التي ظهرت في أواخر عهد بورقيبة وبداية عهد بن عليّ.

والواقع انّ الدخول إلى عالم السرد فاتن ويصعب الخروج منها لذلك تتالت الروايات بعد الطلياني (باغندا فمرآة الخاسر فالسيرة العطرة للزعيم وقبلها مجموعة قصصيّة بعنوان السيّدة الرئيسة وقريبا تصدر رواية « السيّد العميد فيس قلعته ») ولكن هذه الروايات جميعا  تشترك في تناولها لمسألة التحوّلات في تاريخ تونس الراهن. فليس أقدر من الرواية على تتبّع التحوّلات وما تحمله من قضايا ومشاكل.

– جاء في أحد تصريحاتك أن الرواية إمبرياليّة وديمقراطيّة في الوقت ذاته، كيف يمكن أن يكون ذلك؟

+ هي إمبرياليّة لأنها جنس اكول يقبل وفق منطق الداخليّ جميع الخطابات الأخرى شريطة ان تكون ضمن عالم روائيّ تخييليّ متناسق. فأنماط الكتابة المعروفة أي السرد والوصف والحوار والحجاج هي اللحمة والسدى في الرواية ولكنّها تقبل أيضا خطابات أخرى تبدو من خارج هذه الأنماط من قبيل ما حاولت توظيفه في رواية باغندا من نصوص صحفيّة (الصحافة الرياضيّة تحديدا) علاوة على بنية التحقيق الاستقصائيّ المعروفة لدى الصحافيّين، ومن قبيل الخطاب السياسيّ الساخر في رواية « السيرة العطرة للزعيم ». وفي الرواية العربيّة والعالميّة نماذج كثيرة تؤكّد إمبرياليّة الرواية. لكنّ الرواية في تقديري ديمقراطيّة على معان عديدة اذكر منها معنى إتاحة الفرصة للآراء المتعارضة كي تتحاور فلا معنى لرواية لا تقوم على تعدّد وجهات النظر والرؤى والمواقف (وهو جوهر الصراع) ومنها كذلك انّها ليست خطابا نخبويّا في أصلها بل هي جنس ادبيّ شعبيّ موجّه إلى الجميع إلا حين أراد البعض ان يجرّب على معنى تكسير البنى الزمنيّة وتشظية السرد أو رغب في ان يكتب للنقّاد المختصّين لا الجمهور العريض.

– هل الرواية في نظرك  » كيس يمكنك أن تضع فيه كل شيء » على حدّ قول الروائي الإنجليزي هربرت جورج؟

+ لا ادري إلى ايّ مدى تقبل الرواية ان تكون كيسا نضع فيه كلّ شيء ولا ما يقصده صاحب هذا القول  ولكن الثابت في تقديري انّ جنس الرواية مرن جدّا بقدر ما يتطلّب صرامة في البناء ودقّة في المزج بين أصناف من الخطابات وانماط من النصوص مختلفة.  فإذا كان المقصود هذا او شيئا قريبا منه فيمكن القبول بهذا الرأي على ألاّ يكون من باب التقليل من شأن الرواية مقابل الشعر مثلا الذي يوصف بانّه مكثّف منتقى إيحائيّ لا يحتمل الثرثرة. فالرواية أيضا فيها الكثير من هذه الصفات وإن على نحو خاصّ.

– يتمحور آخر أعمالك الأدبية  » السيرة العطرة للزّعيم » حول مفهوم الزعامة بكلّ ما يحمل من تناقضات، هل هي طريقة فنيّة أردت أن تقدّم بها مفهوماً جديداً عن ماهيّة الزعيم بمنظور عربي؟

+ لم افكّر في مجال غير المجال التونسيّ وإذا وجد القارئ هنا او هناك  تشابهات فهي غير مقصودة وإن كانت محتملة أما جعلني اتناول مسألة الزعامة فأمور عديدة منها أنّ عهد الزعامة قد انتهى وهو ينبني إمّا على وهم معمّم لدى الناس في بحثهم عن منقذ- أب او راع يطمئنون إليه أو على جملة من الأكاذيب التي يصنعها هؤلاء العبيد. فالنقد موجّه فعلا إلى المفهوم ذاته ولكن ينضاف إليه ما لاحظته من تكاثر زعماء في تونس لا خصائص تجعل منهم زعماء ثوريّين في الواقع ولكنّ الأنصار والحشود وقوى الضغط وغيرها تصنعهم وتحيطهم بهالة من الأكاذيب التي سرعان ما تنكشف. صحيح انّ الرواية ساخرة في لطف وناقدة نقدا يبدو جذريّا للزعيم التونسيّ ولكنّني اخترت أن تكون « خفيفة » على النفس رغم طابعها السياسي الواضح.

– نراك تلقي في هذه الرواية ببعض اللّوم على الشعب الذي « استمرأ الخضوع لكلّ مستبدّ ». برأيك من يصنع من، هل الشعوب المقهورة هي التي تصنع المستبدّ أم المستبدّ هو من يصنع الشعوب المقهورة؟

+ هو ليس لوما بل هو موقف شبيه بموقف الشابي. فقد احتفظ الناس من الشابي ببيته حول إرادة الحياة ومنه اشتقّ شعار « الشعب يريد… » ولكن الشابي نفسه هو الذي وصف في قصيدة « النبيّ المجهول » الشعب بـ »الروح الغبيّة » التي « تكره النور » ولا « تدرك الحقائق » ورآه « طفلا صغيرا » « جاهلا » كبّلته « ظلمات العصور ». فلا تناقض من هذه الناحية. فالأرجح ان عبارة كما تكونون يولّى عليكم ليست خاطئة تماما فهذا الجمهور الغبيّ الجاهل بعبارة الشابي يصنع المستبدّ على قدر ما يؤبّد المستبدّ وضعه البائس. 

– اخترت لروايتك « مرآة الخاسر »، عنوان ثانوي لصيق ببطل الرواية « خيبة عبد الناصر الثانية »، هل أردت من خلال شخصية عبد الناصر تلخيص الخيبات المتتالية لجيل ما بعد التحرير الذي كان يحمل مشاريع نهضوية حداثيّة لأوطانه؟

+ لم يكن في برنامجي ان اتحدّث عن جيل ما بعد التحرير بل تحدّثت عما اعرفه جيّدا وهو جيلي الذي تفتّح وعيه السياسي في أواسط الثمانينات وشهد فترة افول نجم الزعيم بورقيبة الذي كنا نعتبره رأس البلاء وصعود نجم المستبدّ الجديد بن عليّ وعايش الثورة التونسيّة. من هذه الناحية تمثّل الطلياني (وجزؤها الثاني مرآة الخاسر) مشروعا واحدا  يمكن ان يصبح رباعيّة وحتّى خماسيّة. بما ان الجزء الأوّل توقّف مع عبد الناصر وهو في الثلاثين في حدود سنة 1990 وتناول الجزء الثاني (مرآة الخاسر) السنوات التسعين (وقد بلغ الأربعين)  ونجد في « السيّدة الرئيسة » قصّة مطوّلة في حدود ستين او سبعين صفحة تروي مغامرة أخرى من مغامرات عبد الناصر الطلياني وتحوّلاته في بداية السنوات الفين وهي قصّة قابلة للتطوير لتكون جزءا ثالثا. ولعلّني تسرّعت في نشرها بصيغتها الراهنة.

وإذا امكنني ان أصف الجيل الذي عايشه عبد الناصر، وهو جيلي، فأقرب وصف هو الخيبة وتتاليها  في صيغ مختلفة.

– لو عدنا بك إلى الوراء قليلاً وبالتحديد لرواية  » الطلياني » الفائزة بجائزة البوكر للرّواية العربية، والتي أرّخت لحقبة تاريخيّة مهمّة في تاريخ تونس، اتسمت ببداية الصراع الأيديولوجي بين اليساريين والإسلاميين، ألا تعتقد أنّ هذا الصراع الذي اقترن بنشأة الدولة التونسيّة الحديثة في محطّاتها المختلفة أثّر سلباً على التجربة الديمقراطيّة التونسية؟

+ الرواية فن يتأمّل الواقع كذلك وليس بناء فنيّا مقطوعا عن هذا الواقع. وما اعتبرته اثرا سلبيا في التجربة الديمقراطيّة أراه مسارا منطقيّا بالنظر إلى الفاعلين الذين حاولت ان اقدّمهم في الروايتين وقد عادوا بعد الثورة إلى صراعات لم تحسم في حينها أي في التسعينات فعادت كالكوابيس او الأشباح بعد الثورة. فما الذي يرتجى من أناس معطوبين محدودين واهمين لا يعرفون الواقع؟ فبذور الفشل سابقة لما حدث في 25 جويلية وتعود حسب رأيي إلى الثمانينات على الأقلّ لكنها تجلّت بعد الثورة حين مسك الإسلاميّون وحلفاؤهم الانتهازيّون الحكم فأفشلوا  الانتقال الديمقراطي برغبتهم في السيطرة على الإعلام والقضاء والأمن بالخصوص.

ولكن الصراع مع دولة الاستقلال كان مختلفا. فقد قامت الدولة الوطنيّة بثورة حقيقيّة وإن كانت ثورة فوقيّة سلبيّة بالمعنى الغرامشي فالمهمّ أنّها غيّرت المجتمع تغييرا عميقا  فكانت هذه التغييرات صمّام امان أمام هجمة الإسلام السياسيّ. فلا تنس ان المرأة التونسيّة هي التي أفشلت مشروع الهيمنة الإيديولوجيّة التي سعى إليها هذا الإسلام السياسيّ فتصرّف بغباء متوهّما انّ بإمكانه استبدال المساواة بين الرجال والنساء بالتكامل ودعّم ظواهر شاذّة من قبيل ختان البنات وشجيع على الحجاب منذ الصغر وأطلق الدعاة الظلاميّين القادمين من المشرق يرتعون في البلاد فيقدّمون خطابا بائسا عن المرأة والدين والمجتمع. لقد كانت مظاهرة نساء تونس في اوت 2012 (بمناسبة ذكرى مجلّة الأحوال الشخصيّة التي أصدرتها دولة الاستقلال) منعرجا حاسما في تدهور مشروع الإسلاميّين الذين لم يفهموا المرأة التونسيّة ولا المجتمع التونسيّ وظنّوا انّهم وضعوا اليد على البلاد. كانت المسألة وقتها واضحة لا تتطلّب إلا بعض الوقت الذي طال بسبب انتهازيّة من تحالفوا مع النهضة وعلى راسهم المرحوم الباجي قائد السبسي الذي خان ناخبيه ودمّر الحزب الذي حقّق بعض التوازن مع النهضة متمسّكا بكرسيّ الرئاسة.

-نشهد اليوم انتكاسات كبيرة لما عرف بعد ثورات الربيع العربي بالإسلام السياسي، هل هي بداية النهاية لحقبة تاريخيّة عصيبة مرّت على المجتمعات العربية؟

+ كنت  أقول منذ سنوات حتّى قبول سقوط نظام البشير في السودان ودحر سعيّد لهم في تونس إنّ الإسلام السياسيّ  انتهى. وليس هذا من باب الرجم بالغيب والتكهّن أو التمنّي ولكنّه امر منطقي. فهم لا يملكون أيّ مشروع قابل للبقاء والتمدّد. فإذا كان لوصولهم إلى السلطة من فضيلة فهي كشف خوائهم وفراغهم الفكريّ والأخلاقيّ وعجزهم عن تسيير مزرعة لا دولة.

مشكلة الإسلام السياسي انّه كان قادرا على الوصول إلى السلطة ومسك دواليب الدولة، بقطع النظر عن قدرتهم على تسييرها، ولكن ما لا يقدرون عليه هو ملك القلوب والهيمنة على النفوس. فالمسألة في جانب كبير منها ثقافيّة والصراع الذي أخفقوا فيه ثقافيّ أساسا. فتيّار التحديث الذي كانوا ردّ فعل عليه تيّار جارف يجرفهم ضمن ديناميكيّة الفعل وردّ الفعل. نعم يصعب ان نقول إنّنا نعيش في مجتمعات حديثة ولكن الثابت أنّه لا يمكننا أن نعيش خارج نسق التحديث الذي لا رجعة فيه.

-أخيراً، كيف تقيّم المشهد السياسي لتونس بعد مرور أزيد من خمسة أشهر عن الإجراءات الاستثنائيّة المتّخذة من قبل الرئيس قيس سعيّد؟

+ المشهد غامض ببساطة. فما قام به سعيّد بقطع النظر عن وصفه بالانقلاب او بتصحيح المسار حدث تاريخيّ مهمّ لأنه أوقف مهزلة كانت تدار باسم الديمقراطيّة وشرعيّة الصناديق ولكن البديل ليس واضحا ولم يزده غموض تصوّرات سعيّد المستقبليّة إلا ارتباكا. فنظافة اليد لا تكفي وغياب المحاسبة لا يشجّع والصمت على سنوات من العبث والاغتيال والسرقات والمال السياسيّ الفاسد … إلخ   قد يدفع الناس على اليأس هذا دون الحديث عن المشكلات الاقتصاديّة التي لن تحلّ في غياب افق سياسيّ ومشهد مستقرّ.

واعتقد انّ ما فعله سعيّد امر غريب جدّا: فهو من ناحية أوقف الحياة السياسيّة البرلمانيّة ولكنه من ناحية أخرى ترك من افسدوها طليقين؟ فإذا سمينا ذلك انقلابا فهو انقلاب على الطريقة التونسيّة دون دماء ودون إيقافات لرموز الفساد والإفساد مثلما يحدث في الانقلابات جميعا. ولعلّ التفسير المنطقيّ الذي يتبادر إلى الذهن أنّ سعيد يريد ان يواجه الفاسدين بالقانون ومن خلال القضاء. والمأزق ان القضاء نفسه يتحكّم فيه على الأرجح قضاة هم أنفسهم فاسدون منقسمون إلى قوى ضغط سياسي وماليّ مختلفة.  وفي رأيي إذا لم يجد سعيّد حلاّ لهذه المشكلة فإنّ كل ما فعله سينهار. يبدو انّ تونس لا تحتاج إلى سعيّد بقدر حاجتها إلى فالكوني تونسي.

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :