Poster un commentaire

عادل بن يوسف : من القيام بالشعيرة الدينية إلى التضحية بوزير الصحة العمومية، قراءة في القرار والدلالات


أ. عادل بن يوسف (جامعي وإعلاميّ)

بقطع النظر عن الأداء المتواضع – إن لم نقل الكارثي أحيانا – لوزير الصحة منذ تعيينه على رأس الوزارة يوم الاثنين 24 أوت 2020 ، جراء الإخلالات العديدة على مستوى منظومة « إيفاكس » (Evax): غياب التلاقيح، غياب مكثّفات الأوكسيجين والمعدات الطبية الأساسية للإسعاف، الشكوك التسريبات المروّجة حول سوء استخدام للمساعدات الطبية الضخمة الواردة من المنظمات الدولية (منظمة الصحة الدولية OMS) والدول الشقيقة والصديقة (كانت آخرها تلك التي وردت ولا تزال ترد منذ بداية شهر جوان الحالي من طرف أكثر من 10 دول في شكل أموال ومساعدات طبية: أسرّة آلية – أسرّة إنعاش – مكثّفات أوكسيجين – مستشفيات ميدانية – تلاقيح… )، فإنّ حملة « الأبواب المفتوحة للتلقيح »، كانت مسرحية سيئة الإخراج من طرف رئيس الحكومة هشام المشيشي يوم عيد الأضحى بالذات لأربع أسباب رئيسية على الأقلّ وهي:

1- وجود صراع داخلي صلب وزارة الصحّة العمومية على مستوى القرار وإدارة جائحة الكورونا بين الموالين لحزب حركة النهضة والأحزاب الحليفة لها في الحكم من جهة، وبين خصومها من جهة اخرى. وكذلك بين المؤيدين لتدخّل الإدارة العامة للطب العسكري التي يديرها الدكتور القدير مصطفى الفرجاني (الذي أثبت كفائته ونجاحه مع الأطباء والضباط العسكريين العاملين معه بالدارة العامة للطب العسكري بتونس وسائر جهات البلاد في التصدي لجائحة الكورونا والنجاح في حملة التلقيح بكل من تطاوين وسليانة وباجة… في ظرف زمني قياسي…) في شؤون الوزارة من جهة، وبين المعارضين لذلك من جهة أخرى.

2- رغبة حركة النهضة في إعادة الدكتور عبد اللطيف المكي على رأس وزارة الصحة التي غادرها في جانفي 2020 مع 05 وزراء آخرين تابعين للحركة بحجة « تكوين حكومة غير سياسية » بعد فشل المصادقة على حكومة الحبيب الجملي…، بدليل تردّد اسمه وحضوره في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة مؤخرا.

3- رغبة قيادة حركة النهضة وحلفائها بالائتلاف الحاكم في فك العزلة المفروضة عن حكومة هشام المشيشي من قبل رئاسة الجمهورية منذ أشهر والتحرّك الدبلوماسي الرسمي لرئيس الجمهورية، الأستاذ قيس سعيّد منذ شهر جوان الفارط في علاقة بجائحة كورونا باتصاله برؤساء وملوك عديد الدول طلبا لمساعدة تونس طبيا على تجاوز مخلفات سلالة « دلتا » الهندية (Delta) الأخيرة لفيروس كورونا…

4- رغبة حركة النهضة وحلفائها في إقناع رئيس الجمهورية، الأستاذ قيس سعيّد بضرورة التوجّه نحو تشكيل حكومة سياسية تكون فيها الحركة ممثلة بوزارات سيادة ووزارات تقنية… هامة لها مكانتها في هذه الظروف الصحية والاقتصادية- الاجتماعية الدقيقة… من تاريخ تونس تؤمّن لها المصالحة مع قواعدها في ظلّ الملفات الكبرى التي تمّ الكشف عنها مؤخرا من طرف التفقدية العامة للقضاء: ملف الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمّد الراهمي و 6228 ملف على صلة بالإرهابيّين… الخ.

و لا غرو أنّ « التضحية » بالدكتور فوزي المهدي عشية يوم العيد وتكليف وزير الشؤوون الاجتماعية بالنيابة، الأستاذ محمّد الطرابلسي (الذي قبل صباح اليوم بعد أن اعتذر رسميا ليلة أمس)، لن يحلّ أزمة إدارة وزارة الصحّة للجائحة لأنّها في اعتقادنا عميقة صلب مصالح الوزارة بباب سعدون وخارجها بسبب سرعة تفشي السلالة الجديد من فيروس كورونا بكامل أنحاء البلاد: بدءا بولاية مدنين نحو تطاوين ثم نحو قبلي في اتجاه ولاية القيروان ومنها إلى ولايات الساحل الثلاث وولاية نابل بالوطن القبل وأخيرا إلى الولايات الأريع لتونس الكبرى) وذلك نتيجة فتح الحدود مع الشقيقة ليبيا يوم 22 ماي 2021 دون اشتراط دفتر تلقيح أو تحليل مخبري (PCR) للتأكد من سلامة الوافدين على تونس من الجار الجنوبي من الفيروس… وسرعة انتشار العدوى بدليل كثرة الإصابات وارتفاع عدد الوفيات (194 حالة وفاة يوم الخميس 15 جويلية و 205 حالة وفاة ليلة العيد يوم 19 جويلية 2021) وكان إجمالي الإصابات بفيروس كورونا في تونس قد بلغ عشية عيد الأضحى: 548.753 و 17.644 وفاة، و 438.356 حالة تعاف وفق أرقام وزارة الصّحة) وهي أرقام مرجحة للارتفاع على إثر « مهزلة » الأبواب المفتوحة للتلقيح يوم عيد الأضحى أمام مراكز التلقيح بمختلف المدن التونسية من فوضى وتدافع واقتراب جسدي وعنف مادي ولفضي… للراغبين في اللقاح من الشباب والكهول (بين 18 و 50 سنة وصدام مع قوات الأمن وأعوان الشركات المكلفة بالتنظيم، استوجب إيقافها رسميا عشية العيد من قبل وزارة الصحة)، وهي حصيلة مرشحة للارتفاع في الأيام القليلة القادمة.

ويقيننا أنّ طريقة إدارة جائحة ضخمة بمثل جائحة كورونا فشلت كبرى دول العالم في مواجهتها كالولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا… إبّان موجتها الأولى سنة 2020 لا يكون بقرار إقالة لوزير الصحة العمومية، بل يستوجب رؤية شاملة وثاقبة تأخذ بعين الاعتبار كل حاجيات البلاد وواقعها الاقتصادي والاجتماعي والنفسي المتردي منذ اندلاع الجائحة في تونس مطلع شهر مارس 2020 والتي يمكن تلخيصها في النقطتين التاليتين:

1- تشريك كل الأطراف: وزارة الصحّة العمومية (الإدارة العامة للصحة العمومية والمديرين الجهويين للصحة العمومية) ووزارة الدفاع الوطني ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية (الإدارة العامة للأمن العمومي – الإدارة العامة للشؤون المحلية – الديوان الوطني للحماية المدنية…) والمنظمات الوطنية (الاتحاد العام التونسي للشغل – اتحاد الصناعة والتجارة والصناعة التقليدية – الاتحاد العام للفلاحة والصيد البحري – الاتحاد الوطني للمرأة التونسية – الهلال الأحمر التونسي – البنك الوطني للدم…) والسادة الولاة ومديري المستشفيات العمومة والجهوية ومديري المستشفيات الميدانية وعمادة الأطباء وعمادة الصيادلة … وجمعيات المجتمع المدني بكل أنواعها على الصعيدين المركزي والجهوي والمحلي … لتدارس واقع الجائحة بأرقام ومعطيات دقيقة عن الحالة الوبائية والتجهيزات والإطارات الطبية وشبه الطبية المتوفرة بكل شبر من التراب الوطني.

2- الخروج بخريطة طريق متصلة بالجائحة على المدى القريب والمتوسط تتضمّن خطة عمل على الصعيد المركزي فالصعيدين الجهوي والمحلي من: إسعاف (أرقام خضراء- سيارات وطواقم إسعاف طبي…) وأدوية ومستلزمات طبية للإقامة والعلاج بالمسشفيات العمومية والميدانية الخاصة بالكوفيد (أسرّة وأسرّة إنعاش ومكثفات أوكسيجين وآلات قيس للأوكسيجين والسكري وضغط الدم…) وأخيرا وهو الأهمّ توفير التلاقيح، بدءا بالمتقدمين في السن مرورا بالكهول وصولا إلى الشبان واليافعين والأخذ بعين الاعتبار الأمراض المزمة والأولويات… التكثيف من مراكز التلقيح بالصيدليات الخاصة مقابل تكفّل الوزارة بمعاليم الجرعات والحقن وأجهزة التخزين…. الخ.

ولو تواصل عدم السيطرة على انتشار هذه السلالة الجديدة واقتربنا من العودة المدرسية والجامعية يوم 15 سبنتمبر 2021 – علما وأنّ هذه السلالة تصيب الأطفال والرضّع والكهول والمسنين على حد سواء في ظرف وجيز – فإنّ حصيلة الوفيات سترجّح للارتفاع خاصّة في صفوف أطفال والشبان والإطار التربوي وتحلّ الكارثة العظمى في كل أسرة من الأسر التونسية لأنّه يوجد بتونس أكثر من 03 ملايين من التلاميذ والطلية والمدرسين والأساتذة والمدربين بمراكز التكوين المهني والمرشدين البيداغوجيين ومتفقدين التعليم الابتدائي والثانوي والموظفين والعاملين بمؤسسات التعليم بمراحله الثلاث.

يقيننا أنّ كل الأطراف ستغلّب مصلحة الوطن عن مصالحها السياسية والشخصيّة نداء للواجب الوطني وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البلاد والعباد وإن شاء الله القادم أفضل.

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :