تونس وصاحب الحمار
=============
يروي لنا التاريخ التونسي الإسلامي قصة صاحب الحمار والحقيقة أنها اقرب إلى الخرافة المتحققة ولا يمكن لك أن تحيط بمعالم هذه الثورة الحماريَّة الضارية الا اذا اطلعت على مراجع متنوعة منها البيان المغرب لابن عذاري وتاريخ العبر لابن خلدون والمؤنس لابن ابي دينار وكتاب مؤرخ العبيديين الفواطم محمد بن علي بن حماد بن عيسى الصنهاجي القلعي صاحب كتاب اخبار بني عبيد وكلها مراجع اعتمدها الباحث المؤرخ الثبت سي فرحات الدشرواي في اطروحته الدولة الفاطميَّة بالمغرب
لم يكن مخلد بن كيداد إلا مؤدبا مهوسا من أصول مغمورة فهو بربري يفرني أمه جارية أم ولد من بلاد سودان التكرور ووالده رجل من الاغمار يبيع السقط وسماد البشر والحيوان لاهل واحة دقاش بتوزر وبحكم ارتباطه بأخواله كان يسافر الى بلاد السودان للتجارة وهنالك تشرب العقيدة الخارجية النكارية
لاريب أنَّ الباحث فرحات الدشرواي وقف عند شخصية الرجل فأشار الى أنَّ الرجل يحمل شخصية مغامرة جسورة فقد قام بثورته في سن الستين 60(لاحظ جيدا السن ) وكان يعضده رجل أعمى هو ملهمه وراسم خططه ومرجعه العقائدي يدعى أبا عمَّار وكان أبو عمَّار هذا متشددا في تكفير المسلمين يرى أن عليا بن أبي طالب كافر واتباعه كفار يحل دمهم واموالهم واعراضهم وكان اضافة الى هذا التشدد رجلا غضوبا خبيثا انغماسيا وحسبك انه قاد أربعين رجلا لاخراج صاحب الحمار من سجنه المحروس جيَّدا وفرَّ به الى الصحراء

يقول سي فرحات الدشرواي  » وكانت تلك المهَّمة يسيرة للغاية في تلك الربوع اذ لاشك انه لم يجد اية صعوبة في اثارة قبائل الاوراس ضد نظام مركزي ليس له اية سلطة عليهم فاستطاع تحريض السكان الجبليين المتعودين على حياة التقشف على نهب مدن افريقية وبواديها الثريَّة وقد اقنعهم بأنهم مدعوون إلى قتال شرذمة من الكفَّار وانهم سيستحوذون على أموالهم بصورة شرعيَّة وسيفوزون بنصيب وافر من الغنائم وسيقومون بمهمة عادلة ترمي إلى الاطاحة بالمغتصبين وتعويض نظامهم غير المشروع بحكم قوامه الاختيار الحر على اساس اجماع « الجماعة البربرية » وطبقا لتعاليم المذهب الخارجي »
(الخلافة الفاطمية بالمغرب فرحات الدشرواي تعريب حمادي الساحلي دار الغرب الاسلامي ط1 1994 ص 250)

هذه فقرة لا تنقل لنا انتفاضة جرت في القرن الحادي والعشرين بل حدثا تاريخيا واقعيا جرى في القرن الرابع للهجرة والعاشر ميلاديا
وتنقل لنا المصادر التاريخية كذلك تفاصيل معارك الاربس (الكاف) وباجة والكدية الحمراء والقيروان وسوسة فيتملك قلبك الرعب من هول القتل والدمار والخراب والفوضى العارمة

ولكن علينا أن نتوقف عند الحملة الدعائيَّة لصاحب الحمار فالمصادر تنقل لنا حرص الرجل على البساطة فقد كان يقطع الجبال والسهول والبراري على حمار أشهب يتصل بالناس ويبثهم دعوته وكان فصيحا مفوها كما ينقل القاضي النعمان داعي الدعاة الفاطمي وكان يتقن لهجات البربر وأمثالهم ويكلم اهل كل كورة او قرية أو حي بكلامهم كأنه منهم ويبالغ في الورع والقيام والصيام ويختار من كل بلدة أشدها قوة وصلفا وجهلا

وما إن هزم صاحب الحمار طلائع الجيش الفاطمي وقواده الكبار وزحف على افريقية يعمل الدمار ويحل لجيشه النهب والسلب والحرق وهتك الاعراض والحرمات ولم يمنعه من بسط حكمه التام الا مدينة المهدية الحصينة تغيَّر الرجل فترك الحمار والصوف والزهد والتقشف فركب فاره الخيل واتخذ اجمل السراري ولبس الخزَّ

لقد كانت الدولة الفاطمية تستعد لهذه الاحداث ولذا اختارت عاصمة حصينة طبيعيا واتخذت احتياطاتها ومما ينقله المؤرخون ان المهدي لما بنى عاصمته وجعل لها ثلاثة أسوار واتخذ مطامير عظيمة شحنها بالاقوات والأموال رمى سهما فوق سورها فوقع قرب صخرة فقال هذا حد الخارجي الان أمنت على الفاطميَّات
يذكر الباحث والمؤرخ سي الهادي التيمومي في كتابه الجليل « كيف اصبح التونسيون تونسيين » أن اهل تونس تغلب عليهم عقلية التجار العقلانية وانَّهم استطاعوا احتواء كل الفاتحين والثوار والمتمردين بحساب الربح والخسارة ورغم الاهوال والمصائب كانوا يستعيدون الانفاس كلَّ مرَّة ويرمموا حياتهم بسرعة مستغلين هامش الهدوء الصغير لصنع حياة ممتعة وسعيدة وبارعة لا خسارة فيها ان لم يتحقق الربح
===============
بلقاسم بن جابر