Poster un commentaire

أهل خمير في مقاومة الاستعمار الفرنسي (1881 – 1956) الأستاذ عميره عليّة الصغيّر


أهل خمير في مقاومة الاستعمار الفرنسي
(1881 – 1956)
الأستاذ عميره عليّة الصغيّر

إن الدّارس لتاريخ مقاومة الاستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية من الاحتلال سنة 1881 حتى الاستقلال سنة 1956 يلحظ دون عناء حضور أهالي هذه المنطقة (منطقة خمير) في مختلف ردهاته وخاصة عند نزوله في أفريل – ماي 1881. وهذه الورقة ليست دراسة تفصيليّة للفعل المقاوم لسكان جبال خمير، والذي تصدّت له، في الواقع، عدّة دراسات منها ما كتبه الأستاذان علي المحجوبي و الهاشمي القروي في  » عندما تشرق الشمس من الغرب  » و فصله بالوثائق الأستاذان علية الصغير و عدنان المنصر في كتابيهما حول المقاومة المسلحة من خلال الوثائق و ما أتى عليه زميلنا الأستاذ عبد الحميد الهلالي في أطروحته المنشورة أخيرا (جندوبة 1881 – 1956، علاقة الحركة الوطنية بالأرياف) بل غايتها الوقوف فحسب عند بعض المحطّات منه والتذكير بأهم أحداثه.
إنّه من المعروف، إنّ هذه المنطقة كانت إلى جانب منفذ الكاف بوّابة دخول جيوش الاحتلال في الأوّل وكان الاعتقاد عند جنرالاتها انّ سير جيوشها سيكون نزهة يسيرة لكن خيبة المحتل كانت كبيرة كما كتب أحد الضّباط الفرنسيين لاحقا « ولا يجب أن يُتخيّل أنّ هذا السّير إلى الأمام كان مجرّد نزهة عسكريّة، فقد وقعت معارك عديدة في جبل أم السّكك و خنقة المريج ووادي الزّان، قتل خلالها العديد من الضباط والجنود وهم مدفونون حاليّا بالمقابر العسكريّة بعين دراهم وطبرقة » .
وبالفعل ما إن تأكّدت عروش خمير من نيّة المحتل تنادت للمقاومة، مقاومة الغازي « الكافر » ومقاومة « الحاكم الخائن » كما استغاث أحد شعرائهم آنذاك :
يا أمّـة نبينـا يا من طالب ع الجهاد يجينا
ضامونا الكفّـار كــان خرتـوا فينـــا
العيطـه للقهّــار
من هانّا الله يهينه ومـن باعنـا للنصـارى
ولا حاز موجب علينا ولا بيّن فينـا دعـاره
(……)
يا سامع القول نوصّيك بات السّفى على طعامه
شمّر على حدّ ركبيـك والحرب شعشع علامه
ارفع طويله وغدريـك واقصد جبل السّلامـة.
إنّ عروش أولاد عمر والحوامديّة وأولاد سعيد والوراهنيّة وسلول وأولاد هلال وأولاد مسلّم والعطاطفة والدبابسة والقوايديّة والتباينيّة وبني مازن وأولاد علي والخزارة والمراسن ووشتاتة لم تكن أقل بأسا في دفاعها عن الوطن من عروش بقية البلاد من همامة وجلاص وأولاد عيّار وبني زيد و ورغمّة وغيرها.
كانت هذه القبائل يحدوها آنذاك شعور غريزي بضرورة الدّفاع عن الوطن (الموطن) وصدّ الغازي » الكافر » دفاعا عن الأرض وعن الدّين وخوفا عن العرض والرّزق خاصّة وأنّ صيت الاستعمار السّيئ كان شاع خبره في تلك العروش من الجزائر المجاورة والتي كان أهل الجهة في تواصل دائم معها.
كان تصدّي أهل خمير للغازي القوي بجيوشه وسلاحه ببنادق قديمة وأعداد ضئيلة مقارنة بأعدائهم رغم خذلان محلّة الباي الضاربة في الجوار وعدم التحام سكّان السّهول معهم، دون حساب، أملهم في نصر الله أو الشهادة كما عبّروا عن ذلك في رسالة أتباعهم من الزّاوية الرّحمانيّة إلى شيخ الزّاوية الأم أحمد بن عبد الملك الحمادي في سليانة، يقولون : « …نحن في هاته الساعة بخير من الله وعافيته وأهدينا أنفسنا وأهلنا وأولادنا وأموالنا في سبيل الله ورضينا الموت أفضل من الحياة… وأنتم بلغكم أنّ إخوانكم في القتال من أعداء الدّين وأنتم كيف يطيب لكم الطعام والنّوم على ظهر التّراب فنحن نقاتل صباحا مساءا وقتلنا منهم خلقا كثيرة من النصارى (…) » .
وقد خاضت هذه العروش معارك عديدة جماعيّة وفرديّة مع الجيوش الغازية خلّد الشعر الشعبي ذكراها منها قول شاعر مجهول :
يا سامعني لاش تنشد فيّ *** واسمع قولي كان قلتوعال
تلقاش فيه عتاب واللاّ لية *** والاّ كلمة خاطية المثال
لوما جبل عمدون دارمزيّة *** والاّ غدينا ريش عل شعّال
زيد معاه خمير والشّيحيّة *** جبلهم واعر ما يسكنه أذلال
(……)
حسن الأطرش في الجبل تبيّا *** وقال للهم غدوة كمّلوا الْ مازال
ولّى جنــرال ناقلاتـه هيّـه *** قال هـاذون فورصـه وهبـال
الإسلام لا من عانهـم بسرّيّـه *** الجنّة حازوهـا مشـات قـدال
من تلك المعارك التي خاضتها عروش خمير كان ذاك الصّدام الأوّل يوم 24 أفريل 1881 بطبرقة عندما « حاولت بعض القبائل (الوراهنيّة وأولاد يحي) تعطيل إنزال القوّات الفرنسيّة التي التجأت إلى استعمال المدفعيّة وتهديم البرج كما اشتبك أهالي خمير بطبرقة مع هذه القوات في واقعه المنكورة » . كذلك خاضوا معركة فج كحلة يوم 26 أفريل وكاف شراقة يوم 29 أفريل 1881 حيث سيطر مقاومو خمير على ممر فج كحلة لعدّة ساعات ولم ينسحبوا إلاّ بعد أن استشهد لهم خمسون مقاتلا.
كما تصدّت قبائل خمير للقوات الفرنسية في منطقة سيدي عبد اللّه وبني مطير وصمد أهالي السلالمة والقوايديّة مدّة ثلاث ساعات في خنقة الحمّام أمام قوات الجنرال لوجرو. وفي الواقع تفيد وثائق الجيش الفرنسي المتعلّقة بسير عمليّة الاحتلال إنّ قبائل الجبل اعتمدت حرب العصابات والمناوشات والاغارات الليليّة على مخيّمات العدم في مجموعات قليلة وتفادت التصادم الجبهوي مع جيش يفوقها عددا وعدّة. ولعلّ أكبر صدام شاركت فيه عروش خمير كان يوم 30 أفريل 1881 في معركة بن بشير إلى جانب أولاد بوسالم والشيحيّة وعمدون والتي استشهد فيها 150 من التّونسين وارتكب فيها العساكر الفرنسيون جرائم بشعة من تمثيل بالقتلى وبقر بطون النساء الحوامل واخراج أجنتها وطرحها مع أمهاتها على حالة فظيعة كما ورد في رسالة علي باي إلى محمد الصّادق باي في 2 ماي 1881 .
وكانت حصيلة المعارك التي خاضها أهل خمير كالتالي :
– 24 –26 أفريل: مصادمات بطبرقة و قد شارك فيها أولاد عمر وأولاد سعيد والحوامدية واستشهد منهم 58 مقاتلا.
– 29 أفريل : معركة فج كحلة واستشهد فيها 50 مجاهدا.
– 30 أفريل : معركة بن بشير واستشهد فيها 150 مقاتلا.
– 5 ماي : معركة خنقة الحمّام غرب بن مطير : استشهد فيها 8 مقاتلين.
– 19 ماي : معركة جبايبيّة جنوب مدينة طبرقة : استشهد فيها 2 من المحاربين.
– 19 ماي : على أراضي وشتاتة شارك في المعركة أكثر من 2000 واستشهد 100 مقاوم.
حيث يقدّر شهداء أهل خمير في الأشهر الثلاثة الأولى من الاحتلال بأكثر من 300 شهيد . وللمقارنة استشهد عند احتلال جهة السّاحل وقراه 540 وفي احتلال صفاقس 1000 وفي منطقة قابس 697 .
ولم يدفع أهل خمير دماءهم دفاعا عن الوطن فحسب بل تعرّض أكثر من 600 منهم للاعتقال ومنهم من حوّل لسجون الجزائر وحتى النفي في جزيرة سانت مرقريت (في عرض كَانْ في فرنسا) و من المنفيين 149 من وشتاته تم نفيهم في 22 أكتوبر 1881 اضافة لتسليط الخطايا والغرامات ونهب الأنعام وفرض خدمة السّخرة.
هذه السّيطرة بالحديد والنّار تبعتها لاحقا السيطرة الاقتصادية والمراقبة الإداريّة الصّارمة والاستغلال الاستعماري لأهل الجبل كعملة في ضيعات المعمّرين وفي المناجم أو كمجّندين في الجيش الفرنسي استعملوا كوقود لحروب فرنسا العديدة من إفريقيا إلى الهند الصّينية وأروبا.
وهنا نصل إلى فصل آخر من تاريخ التصدّي للاستعمار الفرنسي في خمسينات القرن الماضي حيث سجّل التاريخ حضورا خميريّا في المقاومة المسلحة لكنه كان بدرجة أقل ممّا كانت أبدته عروش الجهة سنة 1881 من مقاومة وكذلك بصورة متواضعة مقارنة بجهات البلاد الأخرى شأن السّاحل أو الجنوب ولعلّ إحكام السّيطرة الاستعماريّة على مدى سبعين سنة أضعف القدرات القتالية لعروش خمير وحدّ من نزوعها للتمرّد وروّض شكيمتها القتاليّة.
على كلّ بداية من جانفي 1952 عند اندلاع المعركة الحاسمة سجّلت بالمنطقة بعض عمليّات تخريب وخاصة قطع أعمدة الهاتف أو أسلاكه كذلك تخريب السّكة الحديدية في بعض المواقع وخاصة استشراء، بداية من جوان 1954، عمليات « الفلاقة » أي المقاومة المسلّحة والتي كان عمادها بعض قدماء المحاربين المتمرّسين بالقتال والناقمين على فرنسا وسياستها التمييزية والعنصريّة. وقد برز كقائد مقاومة بالجهة المحارب القديم الطيّب الزّلاق (أصيل حكيم بواد مليز) والذي ناهز أفراد « عصابته » الأربعين مقاتلا . وقد كانت هذه الفرقة المقاتلة مكوّنة من أبناء الجهة وتتحرّك من غار الديماء إلى شمال عين دراهم وقامت بعدّة عمليّات ضدّ حرّاس الغابات وأهداف استعمارية أخرى. وكانت أهمّ العمليّات المسلّحة التي جدّت في هذا المجال ما بين جوان ونوفمبر 1954 هي التالية :
– 12/6/1954 : مهاجمة مركز البريد بالجبل الأبيض.
– 17/6/1954 : مهاجمة شاحنة شمال باجة وسلب ركّابها.
– 17/6/1954: مهاجمة نائب بلدي تونسي بماطر.
– 18/7/1954 : اطلاق النّار على حرّاس ضيعة ديدونة Didona بمنطقة باجة.
– 21/7/1954 : حرق 30 قنطارا من الخفّاف قرب طبرقة.
– 24/7/1954 : إطلاق النار على ضيعته ديبوا Dubois وبتي Petit بمنطقة باجة.
– 14/10/1954 : مهاجمة مركز غابات بلدة شمال غار الدّماء.
– 14/10/1954 : مهاجمة ضيعة دومارق بن بشير.
– 23/10/1954 : عمليّة مسلحة استهدفت بناية الصّبايحيّة بكاهية غار الدّماء.
– 30/10/1954 : مهاجمة مركز الغابات ببلطة.
– ليلة 1/11/1954 : مهاجمة ضيعتي المعمّرين بولان وسارو بغار الديماء .
وقد عادت المقاومة المسلّحة بالجهة في مرحلة ثانية في إطار الصّراع اليوسفي البورقيبي بمشاركة بعض أنصار الأمانة العامّة ورفاقهم من مجاهدي الجزائر وكانت الجهة من عين دراهم إلى غار الدّماء وسوق الأربعاء فضاء لعديد العمليات المسلّحة استهدفت رموزا استعمارية أو عملاء لفرنسا. ولعلّ مساهمة جهة خمير الثّمينة في دعم الثّورة الجزائرية ذاك الوجه الآخر في تكريس استقلال المغرب العربي عامّة وتثبيت استقلال تونس واستكماله إذ كانت الجهة الواجهة الأولى في استقبال الجزائريين ضحايا القمع الاستعماري من اللاّجئين أو من المجاهدين الذين لقيوا في أهل الجهة الاحتضان والدّعم ودفعوا لذلك ثمنا غاليا بتكرّر اعتداءات الجيش الفرنسي عليهم بحرق المداشر وسلب الأغنام والقتل والاختطاف والتطويق والترويع من وحدات العسكر الفرنسي المخترق للحدود أو من داخل ثكناته التي كانت لا تزال جاثمة على الجهة.

خاتمـة :

إنّ مساهمة أهل خمير في الدّفاع عن الوطن كان ثابتة في تاريخ الكفاح الوطني في تونس من البداية إلى النهاية بتعدّد صيغه السيّاسية والاجتماعيّة السلميّة أو العنيفة حتى وإن تغاضت الكتابة التاريخية أحيانا عن ابرازه أو أهملت رموزه وحيثياته لحين.

L’image contient peut-être : une personne ou plus et plein air

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :