Poster un commentaire

Mohamed Hammar: Langage,religion et innovation (Arabe)


Voici la version arabe de l’étude pertinente de notre ami Mohamed Hammar, dont une  version anglaise a été publiée par Tunisitri -lien en bas du texte- repose sur l’hypothèse « que le langage et la religion ont beaucoup en commun: une structure profonde, des similitudes et des interconnexions de plusieurs façons, dans la mesure où elles constituent un système simple, bien que binaire. L’objectif est de rechercher la possibilité de fonctionnaliser le soi-disant système comme outil d’innovation. Si la langue n’a pas de valeur sans être parlée entre au moins deux humains, et que la religion n’a aucune valeur mondaine sans garantir l’égalité, la justice et le bonheur individuel et social, il est utile d’assigner des tâches à un tel outil hybride. »Espérons avoir bientôt une version Française pour nos lecteurs francophones.

ما بعد العلمانية لستر العورة التونسية

في شهرَي ديسمبر 2010 وجانفي 2011، قام شعب تونس بعملية تمرد اجتماعية وسياسية عُرفت بعد ذلك بـ « ثورة الياسمين » أو « الربيع العربي » أو Arabellion « عربليون » مؤخرا. وأيًّا كان الاسم، فإن الحدث تسبب في رياح التغيير مما أدى إلى « اهتزاز » المؤسسة التقليدية وتحويلها إلى وضع جديد، وهو ما لا يزال حتى الآن ذا طبيعة غير معروفة. إن البحث في المنطقة التي تقع خارج الحدث، وليس في الحدث نفسه، سيسمح لي بتجنّب النقاش الذي لا معنى له والانزلاق على مسارات الإعلام المألوفة. أفضّل الإقدام على عملٍ ذي طبيعة أكثر أساسية وعملية بدلا من ذلك.

في الواقع، ما يجذبني من النظرة الأولى هو صورة بلدٍ في حاجة ماسة لرؤية الابتكار يحل محل الصمت، والعمل الفعال محل الخطابات السياسوية والإعلامية العقيمة إلى جانب العجز السياسي؛ في حاجة ماسة لرؤية المواطنين يساهمون تعوّضُ العديد من الممنوعات التي تجلت منذ « الثورة » بأفعالٍ تساعد على إصلاح الصورة بأكملها.

أثناء الدراسة الحالية، سأحاول التمسك بثلاث مطالب رئيسية. بادئ ذي بدء، أجادل بأن أيّ حل للأزمة التونسية، طالما أني أعتقد أن هناك أزمة، وأن أيّ استكمال للتغيير الاجتماعي والسياسي يجب أن يمر عبر حلحلة أزمة عالمية و بالنظر إلى تحدٍّ عالمي. كما أدعي أنه بفضل كل من الأداء اللغوي والديني قد تسنَّى لأعراضِ الأزمة العميقة أن تطفو على السطح. أما ادعائي الثالث فهو أنّ الثنائي الرمزي لغة / دين سيُمكننا من حلحلة الأزمة لا سيما أن في الفكر الفلسفي الغربي هناك تحرك قوي نحو سد الفجوة بين اللغة والدين. عموما، أعني أنه يمكن لهذا الثنائي أن يشكل أداة يتم استخدامها كمقياس للحرارة أو سماعة الطبيب وكعلاجٍ في نفس الوقت.

بعد هذا، فلنَختبر الفرضيات. في البداية، يُلاحَظ أن ما يسمى بالثورة التونسية حدث في ظروف كانت فيها تونس متأثرة بشدة بأزمة سياسية عالمية اتسمت بالخصوص بتدهور الديمقراطية: « نحن نواجه الآن أزمة ديمقراطية ذات أبعاد خطيرة » ، يحذر Carl Gershman كارل جيرشمان، رئيس « الصندوق الوطني للديمقراطية » (NED) (1)؛ ومنذ عام 1990، وصف Francis Fukuyama فرانسيس فوكوياما تحولات عام 1989 بأنها ألت إلى « موت السياسة » و « نهاية التاريخ »؛ صرح عددٌ كبير من الملاحظين بأنّ انحلال المجتمعات، الذي يعود إلى العولمة الاقتصادية والثقافية، هو في جزء كبير منه مسؤول عن انحلال السياسة؛ يفسر Jurgen Habermas يورغن هابرماس ذلك بقوله إنّ انتشار اللاهوت السياسي على حساب التعددية والتنوع داخل الوحدة قد جزأ « السياسي »؛ ويتفق معظم المفكرين على أننا نعيش أزمة عالمية تتميز بالبحث عن بدائل من أجل بقاء الدولة.

لذلك لم يكن بوسع تونس أن تتلافى المعاناة في الآن ذاته من مشاكلها الجوهرية و من الأمراض العالمية التي تعاني منها الديمقراطيات العريقة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا.

وبسبب ذلك، يبدو أن بلدنا قد غُلب بعملية إعادة هيكلة الدولة إلى درجة أنه لم يتمكن من التفطن إلى مثل هذه الصلة. وكانت النتيجة أن فقد البلد الشعورَ بالضروري، الأمر الذي أعاق جهدَه الرامي إلى تلبية احتياجات السكان اليومية بطريقة كريمة (عدم كفاية السياسات الاقتصادية؛ اللجوء إلى الديون الدولية وما إلى ذلك). إن تونس ترزح تحت نيرالتغيير بدلا من أن تسيطر عليه. 

فاستنادا إلى هذا الوعي، يجب على تونس أن تدرك أن حلحلة المشكلات السياسية في نسختها التونسية ينبغي أن ترتكز على السياق العالمي حيث نشأت نسختها الأصلية قبل أن يتم إعادة تأصيل الحلول في السياق المحلي.

دعنا الآن نفترض أن هذا الكبت الذي ابتُليت به تونس ناجمٌ عن عدم قدرة هذا البلد على بناء مقاربة تطبيقية في السياسة والحكم، وأن ذلك ناتج عن عقل اجتماعي ناقصٍ يتميّزُ وَجهاهُ الاثنان، الديني واللغوي، بأنهما لا يلعبان الدور المناط بعهدتهما بشكل صحيح.

كيف تكشف اللغةُ والدينُ عن السمات السلبية التي تُميّز عملية التغيير المعوجّة في تونس؟ من الناحية الدينية، هناك خطاب مسجدي بعيد كل البعد عن احتياجات الناس وطموحاتهم وتوقعاتهم، خطابٌ يحرم المؤمنين في الآن ذاته من صياغة رغباتهم بواسطة خطاب واضح، الأمر الذي أدى إلى إحباطٍ مُعبَّرٍ عنه بأشكال وكتابات غريبة؛ ليس للمناسك علاقة بتقاليد العبادة الصحيحة؛ يشكل الخمول الناجم عن السلوك الديني الخاطئ عقبةً على طريق مواجهة قضايا العصر الحديث ؛ يتم أخذ التشدد الديني والتعنت الفكري والتعصب على أنها من صُلب التعاليم الدينية، الأمر الذي أغرى أمراء الحرب الامبرياليين لاستغلال التعصب الديني في تدبير الأعمال الإرهابية والترويج لها على أنها صنيع المسلمين. 

من الناحية اللغوية، هنالك عقل لغوي عاجز. وهذا ناجم عن ثنائية لغوية متوحشة وعن صنفٍ بدائي من الازدواجية داخل اللغة العربية. يمثل العامل الأول عائقا أمام التقدم بدلا من أن تكون مكسبا بينما يؤشر العامل الثاني على أنّ اللغة العربية الفصيحة لا تزال غير قادرة على التعبير عن العقل العلمي، وعلى أن اللهجات العامية لا تتناوب مع الفصيحة ولا تتشارك معها، وكأنها ليست من العربية والحال أنها منها وإليها. كما تجدر الإشارة إلى أنّ التعليم عموما في حالة فوضى وأنّ تعلّم اللغات الحية على وجه الخصوص مجانبٌ للنجاعة وأنّ الكلام البذيء والألفاظ النابية تعرف انتشارا وحشيا غير مسبوق.

على صعيد أعمّ، يُلاحظُ أنّ الخلل اللغوي/الديني قد ساهم بشكل أو بآخر في تعميق السلبية التي نشهدها في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، ولا أدلَّ على ذلك من استشراء التفكير السحري و الخطاب المزدوج، وهيمنة الخطاب السياسي الخشبي، واستفحال الاضطراب الاجتماعي ومرتكزاته التي تتراوح بين الإفراط في الاستهلاك والجشع المادي من جهة وضيق الأفق بسبب ضعف القدرات الذاتية التي تتحمّل مسؤوليتَها الرداءة المدرسية والجامعية من جهة ثانية، مرورا بركود اقتصادي منقطع النظير. 

يمكننا أن نستنتج من هذه الحالة أن المجتمع التونسي لا يتخذ موقفا جيّدا من المدونة المزدوجة: المدونة العريقة المتمثلة في تبني العقيدة الإسلامية بطريقة يفترض أن تكون متوافقة مع واقع العصر من جهة، ومدونة التعبير بكلام عربي أصيل عن العديد من التمثلات التي يمكن أن يوَلدها الإيمان وذلك في جميع مجالات النشاط البشري بما في ذلك السياسة.

وبالتوازي مع هذه القطيعة لغة / إسلام ، وعلى الرغم من الروابط الجوهرية التي تصِلُ بينهما إلا أنه هناك سلسلة من الاضطرابات الأساسية الناجمة عن انقطاع الوصل و من أهمها الانقسام بين الدنيوي والروحي في شخصية المسلم، في حين لا يجب أن يوجد أيُّ فصلٍ من هذا القبيل. أما ما يؤكد إصابة الشخصية المسلمة بهذه الطبيعة القسرية فهو التشديد على هذه العاهة حتى من قبل المفكرين غير المسلمين . يقول خبير العولمة Pierre Hillard بيار هيلارد إن «الدين الإسلامي لا يقع تحت طائلة هذه الخاصية (التمييز بين الدنيوي والروحي لدى غير المسلمين)» بل «يدمجهما»(2). إذَن أصبح مطلبنا متعلقا بكيفية دمج الدنيوي والروحي من جديد. ولكن في المقام الأول، ما الذي يمكن أن يكون قد أدى إلى فصلهما، وما هي العلاقة، إن وجدت، بين هذا السبب واختلال النظام اللغوي الديني؟

فيما يتعلق بالسبب، أعتقد أنه متضمن في الاقتباس التالي عن المؤرخ Marshall Hodgson مارشال هودجسون:
« إن لقاء المسلمين مع الحداثة، على عكس أوروبا، تميز ب تسارع التاريخ الذي أدى إلى تمزق جذري مع الماضي. و المصيبة الرئيسية جراء هذا التطور هي أن التحديث لم يكن مصحوبا بتحول موازٍ للقيم الدينية والفكرية والسياسية على مستوى جماعي »(3).

إلى قائمة « القيم » التي تُركت دون « تحويل » سأضيف اللسان، وذلك لاعتبارين اثنين. أولا، بناءً على أنّ العربية من المفترض أن تتطور كلغةِ إعلامٍ وبالتالي أن تلعب دورَ المُساعد في نشر وغرس المفاهيم الديمقراطية ضمن مهام أخرى، بيدَ أنها لم تلبِّ هذه الحاجة ولكنها بدلا عن ذلك بقيَت تتسمُ بأداءٍ غير كافٍ لتحريك المسار الديمقراطي و لضمان نجاحه. في ضوء هذا، يبدو كما لو أنّ العربية تتطور بسرعة أقل بكثير من سرعة التاريخ. أما الاعتبار الثاني فهو أنّ اللغة ( العربية في قضية الحال) توأمٌ للدين غير قابل للتجزئة، كما سأبيّن لاحقا. فبدلاً من أن تكون انعكاسا للعقل من ناحية و، بالتواصل مع ذلك، للتجربة الدينية أو للتدين بالمعنى العام، لِما للتديّن من أهمية في إنجاح تجربة التحول الديمقراطي، كانت وما تزالُ هذه اللغة انعكاسا لدينٍ يتطور ببُطء هو الآخر. 

باختصار، كلٌّ من العربية والإسلام يتطوّر دون مستوى سرعة التاريخ ودون مستوى سرعة الديمقراطية. هذا مما يجعل تسريعهما حاجة ماسة. ولسبب: إنه تسريع سيؤدي إلى لحام التمزق.

يحق التساؤل الآن: هل أنّ اللغة والدين توأمان حقّا ؟ وماذا يجب القيام به في مواجهة ذلك النوع الموصوف من فقدان التزامن؟ كيف يتم تحويل توأم اللغة/الدين وروافده في محاولة لتزويد العقل الاجتماعي بعلاج مناسب للحام القطيعة مما سيسمح للبلاد بأن تستعيد التوازن ومن ثم تساهم بواسطة رؤية ملهمة للمجتمع بأسره فتصبح البلاد قادرة على التعامل مع السياسة والحكم؟ 

ثم يحق التساؤل أيضا: كيف نفعل ذلك ونضمن أن تساعد مثل هذه الرؤية المنشودة الأمةَ على الارتقاء، وأيضا تساعد على إحداث تغيير إيجابي على الصعيد العالمي؟ مع العلم أنّ الرؤية المعنية ستكون قد أثارتها أزمةٌ عالمية، ستكون قد استندت إلى بيانات عالمية وستكون قد وضعت من منظور عالمي.

البديهيات والمنهجية:

من الناحية النظرية، أصطفُّ إلى جانب البعض من الباحثين، ومعظمهم من غير العرب المسلمين، الذين يعتقدون بأن السمَتين الثقافيتين الأكبر، اللغة والدين، لديهما الكثير من القواسم المشتركة في هيكلهما العميق:

1 / كل من اللغة والميل نحو الدين فطري. وكان عالم الاجتماع Edward Osborne Wilson إدوارد أوزبورن ويلسون في الخمسينيات من القرن العشرين أول من درس الطبيعة الفطرية للإنسان تجاه الدين. ومنذ ذلك الحين بحث علماء آخرون هذه المسألة. يقول الكاتب الأسترالي Peter Sellick بيتر سيليك:

« منذ عملِ Chomsky تشومسكي في أواخر الستينيات من القرن الماضي، يعترف اللغويون عموما بأن للدماغ بنًى فطرية تساعد على اكتساب اللغة. ويشير العمل الأخير الذي قام به علماء النفس التطوريون إلى أن هياكل الدماغ الفطرية لا تسهل الاكتساب اللغوي فحسب. في الواقع، يبدو أن هذه الهياكل مسؤولة عن كل الإدراك، بما في ذلك انجاز التمثل الديني « (4).

وعندما نضيف إلى هذا اكتشاف FOXP2، يسمى أيضا « جينوم اللغة »، سندرك أن كل من اللغة والدين، على الأقل على أساس طابعهما الفطري، يحق لهما أن يساعدا على مزيدٍ من فهمِ الطبيعة البشرية، وبالتالي المساهمة في التقدم البشري .

2/ يعتمد كلاهما على هدفٍ لكي يشتغلَ، ولا معنى لأيّ منهما ما لم يتم تكليفه بمهمة أخرى غير ذاته. وبما أن اللغة لا شيء إذا لم يستغلها البشر لخدمة غرض التحدث والتواصل، فإن الدين لا يمكن أن يكون أيّ شيء جدير بالعناية إذا لم يُستخدَم من قبل البشر لخدمة غرض الوصول إلى حالة أفضل من الرَّفاه المعنوي و المادي.

3 / كلاهما يتمتع بقوة تحرّرية؛ هنالك « لاهوت التحرر » من جهة (حركات التحرر اللاحقة للإصلاح الديني في أمريكا اللاتينية)، و »القوة التحررية للغة » كما ظهرت من قبل عدد لا يحصى من اللغويين من جهة أخرى (بخصوص تعليم اللغة الانكليزية، انظر Henry Widdowson هنري ويدوسون في « تدريس قواعد اللغة كقوة تحرر »).

الأداة المعرفية: 

« الفهم »، و »الاستهداف » و »التحرر »: هذه هي العناصر الثلاثة لأداة التغيير المنهجية. في ما يتعلق بالفهم فإن هدفه ليس سوى الوجود الإنساني. و الإسلام في هذا الصدد بإمكانه أن يلعب دورا رئيسيا في تعزيز التفاهم وفي دفع العمل التاريخي الإيجابي. هذا هو ما يجب أن يبدو عليه الإصلاح الديني ، إذا كان هناك أي شيء بهذا الاسم. أي مَهما بدا الأمر متناقضا، فليس الإسلام الذي يحتاج إلى الإصلاح. اللغة هي التي تحتاج إلى إصلاح. إنّ الوجه اللغوي هو الأهم لعرِضِ فَهمِنا المعاصر للعالم كمسلمين. هذه هي الزاوية التي ينبغي أن يُنظَر من خلالها إلى أداة التغيير ككُتلةٍ موحّدة قائمة بذاتها على الرغم من كونها دمجًا لميزَتين اثنتَين. 

الحاجة إلى هدف:

أما بالنسبة لمهمة الاستهداف، فهي تتألف من الإجابة عن أسئلة مثل « لماذا نفهم؟ » أو « ماذا سنفعل بما نفهمه؟ ». غنيٌّ عن البيان أن الجمع بين اللغوي و الديني لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يشكل أداة مشتركة إذا لم يخدم غرضا مشتركا. بعبارة أخرى، ينبغي أن توجدَ منذ البداية تسوية بين الأداء اللغوي والممارسة الدينية (التديّن) لكي يتمكن المجتمع من الاضطلاع بمهمة إعادة تصميم الديمقراطية وروافدها، من بين مهام أخرى ذات صلة. وهذا ما يمكن أن يشكّلَ هدفا للفهم، مما يعني جعل الميزة المشتركة تخدم قضية، ألا وهي قضية التغيير، في موضوع الحال.

وصولا إلى السمة الثالثة، تلك المتعلقة بالتحرر، ألاحظُ أنه بغضّ النظر عن التركيز القوي الذي وضعه القرآن الكريم على الدور الحيوي الذي تلعبه اللغة في حياة الناس، ولأن هذه الدراسة لا يُفترض أن تكون تفسيرا لكلام الله، سأمُرّ مباشرة إلى عرضِ ما قاله كبار المفكرين عن اللغة والعلاقة بينها وبين الدين عسى أن أعثر على ما يساعدُ على المزيد من إثبات الفرضيات:

يعرّف ابن خلدون اللغة قائلا: « إنّ اللغة أحد وجهَي الفكر، فإذا لم تكن لنا لغة تامة صحيحة، فليس يكون لنا فكر تام صحيح »(5).

ويرى Wilhelm Von Humboldt ويلهلم فون همبولدت، من جهته، أن « اللغة شرط مسبق لتحقيق الفكر »(6).

من الواضح أنّه في فهمِ الأمة الإسلامية لا يمكن أن تكون كلمة « الفكر » كما وردت على لسان كل من ابن خلدون و فون همبولدت خالية من الفكر الديني تحديدا.

نعوم تشومسكي، على الرغم من أنه عن غير قصد، يوفر لنا عددا لا يحصى من العناصر التي تُبرز وجود تواطؤ قوي بين اللغة والدين. يحصل هذا حين يشدد تشومسكي على أن البحث في « لماذا نتكلم؟ » وفي ماهية الدور الذي تلعبه اللغة كميزة بيولوجية وما يمكن أن يؤدي إليه البحث في اللغة من فهمٍ أفضل للطبيعة البشرية، على أنّ ذلك ينبغي أن يُفضي إلى بناء « عقيدة اجتماعية » يكون « التضامن » (7) كلمة السر فيها. أليس الازدهار الاجتماعي الذي تجلبه اللغة حسب فكر تشومسكي، ولو كان فكرا غير دينيّ بالمرة، إضافة يجلبها الدين أيضا؟ أكثر من ذلك، فقد أوضح تشومسكي أن « العلوم تغرس عادات الصدق والإبداع والتعاون » (8). هذا يعني أن اللغة، الذي يُعتبر عِلمُها من العلوم الرائدة في القرن 21 ، حمّالة لهذا التوجه الأخلاقي والديني. كما يعني أيضا أنّ اللغة إنما هي هكذا بصرف النظر عن وجودِ رغبةٍ للارتقاء بالدين والتديّن من عدمها لدى الباحث.

ثم إنّ Hans-Georg Gadamer هانز جورج غادامير و جورغن هابرماس هُما تحديدا من أبرزا، ولو ضمنيا، الرابطة المتينة القائمة بين الدين واللغة. وحتى لو أنهما لم يضعا أيّ أوجه تشابه بين السجلين الاثنين، فإن مجرّد تقييمَهما القاضي بأن اللغة ينبغي أن تُدرِجَ ضمن وظائفها التعبيرَ عن الأفكار النابعة من الدين إنما هو دليل كافٍ يجعلنا نعترف بالوصل ( وبضرورة الوصل إن انعدمَ) بين الاثنين. و يمكن إدراك هذا الأمر لدى كلّ من العالمَين الألمانيين من خلال المنهج الخاص بكل واحد منهما. في عمل غادامير، تُعتبر المعرفة العلمية العلوية، بما في ذلك الدينية، جزءا لا يتجزأ من الموارد اللازمة لفهمٍ مناسبٍ للوجود البشري (الهرمينوطيقا النصّية وغير النصّية). يقول غادامير:  » الوجود الذي يمكن فهمُه هو اللغة »(9). أما بالنسبة إلى هابرماس، فإن التشديد يقع على الحاجة إلى « ترجمة » المعرفة الدينية إلى ما يسميه اللغة السياسية « ما بعد علمانية » وذلك في محاولةٍ لتسليط الضوء على ما أسماه « سلطة الدين في المجال العام ». يقول هابرماس « ما يرفعنا خارج الطبيعة هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفهمَه: اللغة »(10). في المحصلة ، تتشابك تتشارك وتتداخل اللغة والدين في أعمال كلٍّ من غادامير و هابرماس؛ والنتيجة هي أنّ كلاهما متعالٍ، كلاهما محرِّرٌ.

هذا ممّا سوف يُنيرنا حول كيفية جعل اللغة والإسلام في مواءمةٍ مع بعضها البعض من أجل أن يتوصل المثقفون والأكاديميون والسياسيون إلى فهمٍ أفضل لحياة الناس في عالم القرن 21 وعلى الأخص سكان الدول العربية الإسلامية نظرا للمكانة العليا التي يحتلها الإسلام في حياتهم. إنّ التوافق لغة/إسلام من المرجّح أن يُسَهل نقلَ أفكار المسلمين إلى خطاب مقبول من طرف المتدين وغير المتدين على حدٍّ سواء. هذا العُهدة يمكنها أن تُزيلَ سوء الفهم و التأويل وإساءة الاستخدام، و تساعدَ على توليد الأفكار الصالحة. كما يمكنها أن تحل العديد من القضايا التي تدور حول انقسامٍ عمرُه قرونٌ عديدة بين العقل والروح والواقع والميتافيزيقا. ويمكنها أيضا أن تضع حدًّا للازدواجية بين الماضي والحاضر وبين الدين والحداثة وبين التراث والحياة المعاصرة. بعبارة أخرى، بإمكان مدونةٍ جديدةٍ موَلَّدة بواسطة مقاربة ألسنية تداولية pragmatics مناسبة أن تسمح للفرد وللمجتمع أن يتصورا العالم بطريقة جديدة. 

خلاصة القول أنّ أيَّ تصوّرٍ عالمي جديد و متجدد يحتاج إلى الابتكار اللغوي كوَقود. هكذا تكون الكُرة في ملعب التربويين التونسيين الذين ينبغي أن يقدّروا العلاقة بين اللغة من جهة و كلٍّ من الثقافة والدين والفكر (في المجالات كافة) حقّ قدرِها فينكبُّوا على وَضعِ إستراتيجية لغوية مناسبة تضع العقل المجتمعي على المسار الصحيح، حيث إنّ « إصلاح التفكير »، لاستخدام صيغة Edgar Morinإدغار مورين، هو هدف أيّ إصلاحٍ شامل للمدرسة وبالتالي ينبغي العمل على وضعِ العقل على مسارِ تنشيط اللغة العربية حتى تصبح مُنتِجة للعلم، مسارٍ يقضي بأن نعيش طِبقَ ذواتنا وأن نتصرف وِفقًا لذلك.

النتائج:

يهدف النموذج الحالي للممارسة إلى تحقيق النتائج التالية:

ا/ التشجيع على التأويل الأفقي للقرآن الكريم والسنة، وبالتالي دعم إعادة النظر في مضمون درس « التربية والتفكير الإسلامي » كمادة مدرسية.
ب/ فقدان الظلامية الدينية لسبب وجوده.
ج/ إقامة التفاهم المتبادل بين الأفكار الإسلامية والغربية على أساس شامل.
د/ إعادة تشكيل النظام السياسي ومفهوم الدولة بفضل إعادة تصميم مفهومَي السياسة والديمقراطية.
ه/ إرساء التعليم الأفقي، متعدد اللغات و متعدد الثقافات، مع PEDAGO نموذجا(11).
و/ تعزيز تدريس اللغة في محاولة لجعلها أكثر ملاءمة للخلفيات الثقافية والحياة الحقيقية للمتعلم، مع TOENSA نموذجا (12) .
ز/ إن ترجمة النصوص العلمية لم تعد هي الملاذ الوحيد للدول التي تحتاج إلى اللحاق بالعلوم العلمية والتكنولوجية، حيث أن البديل هو النقل المباشر للمعرفة عبر اللغة.
ر/ تغيير نموذج يسمح بنطاق جديد لتصور نماذج اجتماعية واقتصادية جديدة.

باختصار، نحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على فهم وُجودِنا بشكل جيّد والتعبير عنه بنفس الجودة من أجل تحسينه بشكل لا يقلّ جودة.

محمد الحمّار

*******

ملاحظة: تم تعريب النص من الانكليزية بواسطة الكاتب نفسه، وهو نص مداخلة ألقاها ضمن فعاليات الندوة الدولية « التقليد/التحويل » التي نظمها ISEAHT المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بتونس العاصمة (13-15 أفريل سنة 2017). 

المراجع:

1. مقالة « الديمقراطية والديمقراطيات في أزمة » (بالانكليزية).
2. مقالة « هجمة النظام العالمي الجديد على الإسلام »(بالانكليزية).
3. مقالة « تسريع التاريخ »، مقال نادر هاشمي(بالانكليزية).
4. مقالة « المادية والدين » (بالانكليزية).
5. انترنت.
6. انترنت.
7. وردت هذه المفاهيم في أكثر من مقالة وأكثر من كتاب لتشومسكي، على الأخص في كتاب « حول الأناركية » (بالانكليزية).
8. حديث »نعوم تشومسكي: السياسة أم العلوم؟ » (بالانكليزية) لـ Chris Knight كريس نايت.
9. كتاب »الحقيقة والطريقة » (1960) ص 470 ( الترجمة الانكليزية).
10. مقال Lassen Thomassen لاسن توماسن « هابرماس: دليل للحيرة » (بالانكليزية).
11. Personal Development And Global Opportunity »: التنمية الشخصية والفرص العالمية »؛ رؤيتي لتعليم اللغة.
12. The Teaching Of English to Native Speakers of Arabic : »تدريس اللغة الإنكليزية للناطقين باللغة العربية »؛ منهجيتي في ELT / TEFL.

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :