Poster un commentaire

L’Historien Adel Ben Youssef: l’Assassinat de Farhat Hached et le livre d’Antoine Méléro


حول اغتيال الزعيم فرحات حشاد و كتاب  » اليد الحمراء… للكاتب » أنطوان ميلّرو « *

د. عادل بن يوسف – كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة –

مقدمة:
إنّ التاريخ الراهن يتجاذبه الفاعلون و صانعو الرأي العام، من ساسة وإعلاميّين ونقّاد وباحثين مختصّين في شتّى الميادين والاختصاصات…، ولا يمكن بشكل أو بآخر أن نستثني من بين هؤلاء المؤرّخين. ولنا في ما جدّ أخيرا حول ملفّ اغتيال الزعيم فرحات حشّاد نموذجا ملموسا حول هذه المسألة

فمنذ شهر ديسمبر 2009 كثُر الحديث في تونس حول ظروف اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشّاد من طرف تنظيم  » اليد الحمراء  » يوم 5 ديسمبر 1952 إلى درجة أنّه أصبح حديث الساعة لكل التونسيّين باختلاف انتماءاتهم ومستوياتهم ومواقعهم.
ويعود هذا الاهتمام المتزايد باغتيال الزعيم النقابي الراحل إلى الشريط الوثائقي « اغتيال فرحات حشاد » الذي تولّت بثّه قناة الجزيرة الوثائقية مساء يوم الجمعة 18 ديسمبر 2009 وتحديدا ما أحدثته شهادة وأقوال أحد المستجوبين في الشريط ، ألا وهو أحد أعضاء تنظيم  » اليد الحمراء  » السرّي بالمغرب الأقصى، أنطوان ميلّرو « Antoine Méléro  » الذي صرّح بكل برودة دم:  » أنّ اغتيال الزعيم فرحات حشّاد أمر شرعيّ ولو طُلب منّي إعادته لن أتردّد لحظة في القيام بذلك  » !
منذ اليوم الموالي لبثّ هذا الشريط تعالت أصوات عديد التونسيّين منادية بضرورة تتبّع قتلة حشّاد قضائيا ومحاكمتهم. وأصبحت شهادة أنطوان ميلّرو محور جدل في عديد الأوساط بكل من تونس وفرنسا، كما أسالت شهادته كثيرا من الحبر في الصحافة التونسية والفرنسية والأجنبية كانت وراء تنظيم عديد التظاهرات واللقاءات والملفّات والمنابر في الأوساط الإعلامية، النقابية والجامعية وصدور عديد المقالات الصحفية في الصحف والمجلاّت الصادرة بكل من تونس وفرنسا.
غير أنّ المتتبّع لإصدارات الكتب بفرنسا يلاحظ أنّ جلّ المعلومات الواردة في الشريط قد وردت في متن كتاب كان قد صدر لصاحب نفس هذه الشهادة، بفرنسا منذ سنة 1997 تحت عنوان:
أنطوان ميلّرو، اليد الحمراء الجيش السرّي للجمهورية، منشورات روشي، موناكو 1997، 260 صفحة (بالفرنسية):
Antoine Méléro, La Main Rouge, L’armée Secrète De La République, Editions Du Rocher, Collection : Documents, Monaco, 15/10/1997, 260 pages, 24.00 x 15.50 x 1.80.)

 

وقد تناول أنطوان ميلّرو في هذا الكتاب بكامل التفاصيل ظروف نشأة هذا التنظيم السرّي بالمغرب الأقصى ونشاطاته وأهمّ العمليات التي خطّط لها ونفذّها بأقطار شمال إفريقيا أو بأوروبا ومن بينها عملية إغتيال الزعيم فرحات حشاد…
أمّا أول إشارة إلى مسؤولية تنظيم  » اليد الحمراء  » في اغتيال الزعيم فرحات حشاد فتعود إلى سنة 1960 عندما نَشَرَ روائي سويسري هاوٍ اختصّ في النّصوص « البورنوغرافية »، كان يعرف بإسم بيار جينيف « Pierre Genève » واسمُهَ الحقيقي كورت- إيميل شفايزر Kurt-Emile  » Schweizer  » رواية تحمل اسم  » اليد الحمراء  » والذي يبدو أنّه اعتمد بشكل كبير على شهادة أحد مؤسّسي هذا التنظيم المقيمين في سويسرا حيث أورد تفاصيل واضحة في هذه الرواية عن دور  » اليد الحمراء  » في عملية اغتيال الزعيم فرحات حشّاد .
ورغم وفرة المعلومات حول مسؤولية  » اليد الحمراء  » في اغتيال حشّاد منذ سنة 1960 من خلال شهادة الروائي السويسري ثمّ شهادة أنطوان ميلّرو المكتوبة والصادرة سنة 1997 وعديد المقالات التاريخية التي قام بها مؤرخون تونسيون صدرت بمجلات ودوريات مختصة منذ سنوات ، يبدو أنّ للصورة وقعا و تأثيرا أبلغَ من النصّ على نفسية المشاهد وعلى ردود أفعاله. ومن هذا المنطلق وبوصفنا مؤرخين – باحثين، من الواجب علينا رفع اللّبس السائد لدى الكثير من التونسيّين في هذا الملفّ الشائك وذلك بالرجوع إلى النصّ الأصلي للكتاب قصد تقديمه بطريقة علميّة وموضوعية وتسليط الضوء على صاحب هذه الشهادة والتعريف به وبمسيرته ثمّ الوقوف على ظروف نشأة هذا التنظيم السرّي الفرنسي وعلاقته بالدوائر الرّسمية الفرنسيّة وأخيرا التعريف بأهمّ العمليات التي خطّط لها ونفّذها وفي مقدمتها عملية اغتيال الزعيم الوطني والنقابي فرحات حشاد، وذلك بالتطرّق إلى دوافعها وحيثيّاتها ثمّ تبعاتها.
مؤلِّفْ أم مؤلِّفَا الكتاب ؟
في الواقع هذا الكتاب ليس من تأليف أنطوان ميلّرو بمفرده وإنّما بالتعاون مع جان إميل نيومي « Jean- Emile Néaumet » الذي فضّل عدم ذكر اسمه على غلاف الكتاب والاقتصار على الإشارة إلى مساهمته في التأليف في نصّ المقدمة.
* جان إميل نيومي: فرنسيّ متحصّل على ديبلوم في الرّسم والتخطيط الفنّي، شغل خطّة مصمّم فنّي « maquettiste » ثم صحفيّ، فرئيس تحرير سابق بجريدة  » لي فلاش « Le Flash ». وهو كذلك صاحب عديد الكتب المهتمّة بالقضايا والملفّات البوليسيّة الكبرى التي شغلت الرأي العام الفرنسي خلال فترة التسعينات نذكر من بينها:

– Mesrine l’indompté (Broché), Dualpha Editions, Paris le 01/01/1997.
Un flic à la belle époque: Anarchistes, Assassins mondains et scandales politique, (Broché), Albin Michel, Paris le 02/02/1998.
– Les grandes enquêtes du commissaire Chenevier: De la Cagoule à l’affaire Dominici (Broché), Albin Michel, Paris le 01/12/1995.
– Les Grands excentriques, City Editions, Hachette Distribution, Paris le 03/01/2008.

وكان نيومي يُمضي مقالاته باسم مستعار:  » نيكولا ڤوتيي  » Nicolas Gauthier « .
أمّا تقديم الكتاب فقد قام به جاك دي روجي  » Jacques Derogy  » المعروف باسم  » جاكي  » Jacky  » الذي قام بدور هام في عملية المراجعة والتصويب رغم أنّ الرجل لا تجمعه بمؤلِّفَيْ الكتاب وتحديدا بأنطوان ميلّرو أيّة علاقة، مهنيّة إيديولوجية أو سياسية كانت، وإنّما مجرّد صداقة عادية تعود إلى منتصف الستّينات.
وجاك دي روجي « Jacques Derogy » (24/7/1925-1997/10/30) هذا هو مناضل وكاتب وصحفيّ تحقيقات من رموز اليسار الفرنسي انخرط في صلب منظّمات حقوق الإنسان والمواطن بفرنسا وعمل طوال نصف قرن لفائدة قضايا الحرّية ومقاومة كل أشكال الاستعمار والهيمنة في العالم.
كان دي روجي يُمضي مقالاته باسم مستعار  » توماس لي نوار « Thomas Lenoir ». وهو كذلك أديب وروائي شهير ألّف ونشر عديد القصص والروايات البوليسية المستوحاة من أحداث واقعية وكذلك السِّيَرْ الذاتية بمفرده أو بالتعاون مع آخرين والتي كانت مادتها الأساسية التحقيقات البوليسية التي أجراها بنفسه والتي صدرت له بفرنسا منذ سنة 1968، كانت آخرها كتاب:  » قتلوا بن بركة » بالاشتراك مع زوجته Ils ont tué Ben Barka (avec la collaboration de Renée Derogy-Weitzmann  » (455 صفحة)، والتي تولّت أرملته إصدارها بباريس سنة 1999 بعد وفاته بسنتين.
* أنطوان ميلّرو: أمّا الشخصية المحورية أنطوان ميلّرو المعروف بإسم « طوني » Tony » فهو من مواليد سنة 1929 بمدينة الناظور « Mogador » بالمغرب الأقصى أين درس ومارس الرياضة.
منذ نعومة أظفاره التحق بالشرطة الفرنسية وعمل بها إلى غاية حصول المغرب الأقصى على استقلاله ثمّ انتقل للعمل بنفس الجهاز بفرنسا إلى غاية سنة 1965 حيث أصبح مستشارا قانونيا ثمّ مفتّشا خاصا فمكلّفا بأمن عديد الشخصيات السياسية الفرنسية، نذكر من بينهم الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتيران الذي تربطه به علاقات صداقة تعود إلى مطلع الخمسينات منذ أن كان مكلّفا بالتنظيم السرّي  » اليد الحمراء  » بالمغرب الأقصى. يذكر ميلرو أنّه في ظهيرة إحدى أيام شهر جوان من سنة 1952 اتّصل به النقيب « فِيَّاتْ »Fillette  » ليطلب منه الإشراف على بعث منظّمة سرّية فرنسية مثيلة بالمنظّمة السرية التي ظهرت بتونس وكانت تنشط بها وتحمل اسم  » اليد الحمراء  » La main rouge « . قبل ميلّرو المقترح دون تردّد ثمّ شرع في القيام بالاستعدادات والتحضيرات اللازمة لبعث هذا التنظيم السرّي إلى الوجود فوق التراب المغربي.
وللتذكير كان أول من فكّر في بعث تنظيم سرّي مستقلّ عن أجهزة الشرطة والأمن الفرنسيَيْنِ هو جنرال فرنسي يُدعى بول قروسّان  » Paul Grossin « ، وهو من مواليد الجزائر العاصمة سنة 1901 وتوفّي بباريس في 24 جانفي 1990. وقد تولّى الإشراف على جهاز المخابرات والمخابرات الفرنسية المضادة « SEDECE » (Service de documentation extérieure et de contre-espionnage) من سنة 1957 إلى سنة 1962.
وإثر هذا الاتّصال تولّى أنطوان ميلّرو القيام بتصميم هيكل خاص بالمنظمة السرّية يُعنى بالمغرب الأقصى وضبط قائمة كاملة من الأعوان والضبّاط والقادة الوهميّين الذين يحملون أسماء مستعارة ثمّ شرع في ضبط قائمة مفصّلة للأشخاص الذين تنوي المنظمة اغتيالهم أو تصفيتهم بطريقة أو بأخرى من بين الوطنيّين والنقابيّين المغاربة ثمّ تنفيذ العمليات الموجهة ضدهم وأخيرا تقديم بيانات وتصريحات  » مسمومة  » أو مغلوطة للصّحف الصادرة بالمغرب أو بفرنسا حول مسؤولية المنظمة في كل العمليّات التي قامت بتنفيذها فوق التراب المغربي أو خارجه.
وإثر حصول المغرب الأقصى على استقلاله في 2 مارس 1956 بأشهر قليلة، تحوّل أنطوان ميلّرو إلى فرنسا أين واصل عمله كضابط في جهاز الشرطة الفرنسية بالعاصمة باريس وذلك إلى أواخر سنة 1958 ثمّ كمحقّق خاصّ حيث قدّم جليل الخدمات لفائدة  » المصلحة  » العامة، ولا سيّما  » المصلحة  » الخاصة. ففي هذا الصدد كُلّف بالتحقيق في عديد القضايا والملفات الشائكة جدا من طرف بعض الوزراء والشخصيات السياسية الفرنسية المرموقة بالجمهورية الخامسة وذلك إلى غاية منتصف الثمانينات، تاريخ خروجه إلى التقاعد وتفرّغه للبحث والتوثيق والكتابة في مسيرته المهنية والملفّات والمهامّ الأمنية الشائكة التي أشرف عليها وفي مقدمتها تنظيم  » اليد الحمراء  » الذي خصّه بهذا الكتاب الذي نتولّى تقديمه إلى القرّاء.
منذ استقراره بباريس بعث صحيفة « Le Pied Noir » الناطق الرّسمي باسم جمعيات المهجّرين الفرنسيّين من شمال إفريقيا. وقد نادى من خلال هذا المنبر الإعلامي بضرورة قبول كل الوافدين من بلدان شمال إفريقيا وتسهيل إدماجهم في المجتمع الفرنسي. كما دافع (على حد قوله) عن الانتماء الكامل لهؤلاء الفرنسيّين للمغرب العربي وأبنائهم المولودين بفرنسا. كما أشاد بالتعايش السّلمي بين كل مكونات المجتمع المغربي من بربر ويهود وعرب مسلمين وأوروبيّين…، ونادى كذلك بوجوب تعلّم الأوروبيّين للّغة العربية مثل  » الأهالي  » الذين فُرض عليهم تعلّم اللّغة الفرنسية ببلدانهم منذ مطلع الفترة الاستعمارية (على حد قوله دائما).
كما تعاطف مع أبناء  » الحَرْكِيّة  » Les Harkis  » (المتعاملين مع السلطات الفرنسية من الجزائريين) » الذين ضَحَّوْا بدمائهم من أجل فرنسا ». وتولّى الدفاع على زملائه الأعوان السابقين في جهاز الشرطة الفرنسية بكل من تونس والجزائر والمغرب المورّطين في عديد القضايا الأمنية وذلك بالتعاون مع رئيسَيْ تنظيم  » الأنفوناما » L’ANFANOMA  » بالمنطقة العسكرية الأولى ((1ère région militaire، الأستاذ « فرنسوا باتريمونيو »Me François Patrimonio  » والسيّد  » بيار دي كاف  » Pierre Descaves « ، لكي يحصلوا على صفة لاجئين سياسيّين ولا تَطَالَهُمْ أيادي السلطات التونسية والمغربية والجزائرية بعد استقلال بلدانهم وذلك بسبب تورّطهم من قريب أو من بعيد في عديد القضايا والملفّات الكبرى الشائكة: تنفيذ اغتيالات واعتقالات وعمليات تعذيب ضد رموز الحركة الوطنية والتحريريّة بأقطارهم.
في ربيع سنة 1958 أُوقِفَ أنطوان ميلّرو عن العمل إبّان التحقيق حول اغتيال زعيم الليبراليّين بالمغرب الأقصى، الصناعي  » جاك لي ماڤر دي براي  » Jacques Le maigre Dubreuil  » يوم 11 جوان 1955. وتمّ اعتقاله بمعسكر  » سان موريس دارتواز « Saint Maurice d’Artoise » لمدة 3 أشهر بتهمة التعاون مع  » تنظيم الجيش السرّي « O.A.S » وتغريمه بخطيّة مالية بسبب شتمه لرئيس الجمهورية الفرنسية، وهو ما ترتّب عنه آليا الطرد من جهاز الشرطة الفرنسية .
في ماي 1974 دعا ميلّرو المعارضين السابقين لشارل دي غول إلى التصويت لفائدة  » فرنسوا ميتيران François Mitterrand « ، المرشّح الوحيد لليسار الفرنسي في الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 19 ماي 1974 والتي فاز فيها  » فالري جيسكار ديستان  » Valéry Giscard d’Estaing  » وتحصّل خلالها فرنسوا ميتيران على 49.2 % من الأصوات.
ونتيجة لهذه الخدمات الجليلة وعده فرنسوا ميتيران بالقيام بإصدار عفو تشريعي لفائدته ولفائدة من كان في وضع شبيه بوضعه وهو ما تمّ بالفعل إثر وصول هذا الأخير إلى قصر الإليزيه في أعقاب الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 21 ماي 1981.
تطوّع ميلّرو للقيام بإدلاء معلومات في تحقيق مجلّة  » ليكسبراس  » L’Express  » المتّصل بظروف وملابسات اغتيال الزعيم المغربي المعارض المهدي بن بركة بباريس يوم 29 أكتوبر 1965 من طرف عَوْنَيْ شرطة فرنسيَيْنِ: المفتّش « لوي سوشان  » Souchon Louis  » ومساعده  » روجي فواتو  » Roger Voitot « .
والمتأمّل مليّا في مادة الكتاب يلمس أنّ الرجل ملمّ بتاريخ وحضارة بلاد المغرب العربي وشعوبه وقادته وزعمائه الذين يُشيد بهم في كتابه في أكثر من فصل. ويأتي في مقدمة هؤلاء الزعيم الحبيب بورڤيبة والملك محمّد الخامس وابنه الملك الحسن الثاني، حيث أطنب في الإشادة بهم وبخصالهم السياسية العديدة. بل أكثر من ذلك فقد اعتبر هجرة سكّان شمال إفريقيا إلى فرنسا واستقرارهم بها بعد استقلال بلدانهم هو إثراء للوطن الأمّ بالتجربة المكتسبة عند عودتهم إلى بلدانهم الأصلية.
واعتبارا لكل ما تقدّم وما ورد في نصّ الكتاب، فإنّ أنطوان ميلّرو لم يستقرّ بالمرّة بالبلاد التونسية ولم يعمل بها طوال مسيرته المهنية في الشرطة الفرنسية، بل قضّى سبعة وعشرين سنة من عمره بالمغرب الأقصى (من سنة 1929 إلى غاية رحيله عنه في اتجاه فرنسا في أواسط سنة 1956) ولم ينضمّ إلى تنظيم  » اليد الحمراء  » السرّي إلا في شهر جوان 1952 (أي بعد نشأته بتونس بعدة أشهر). واعتبارا لما سبق ذكره لا يمكن أن تكون لميلّرو علاقة من قريب أو من بعيد بالزعيم فرحات حشّاد أو بالذين خطّطوا لاغتياله، وغاية ما في الأمر أنّه كان من أهمّ نشطاء هذا التنظيم السرّي بالمغرب الأقصى.
دوافع تأليف الكتاب:
يرى أنطوان ميلّرو أنّ ملف  » اليد الحمراء  » ملفّ شائك قد ارتبط به ارتباطا مباشرا وأنّ الدراسات والمقالات أو الروايات التي خصّصها المؤرّخون الفرنسيّون لهذا التنظيم السرّي والتي بلغ عددها سبع روايات تُبرز أنطوان ميلّرو كمجرم وكقاتل وسافك دماء. وأمام هذه الاتهامات ترسّخت لديه قناعة بأنّ هؤلاء المؤرخين كانوا يحاولون استقطاب اهتمام القرّاء وشدّ الأنظار إليهم أكثر من التعريف بطبيعة هذا التنظيم والأعمال التي نفّذها والفوائد المترتبة عنها بالنسبة إلى فرنسا.
واعتبارا لكل ما تقدّم كان ميلّرو يرى أنّه قد آن الأوان للتطرّق إلى جرح لم يندمل بعد ولم يتمّ إعادة فتحه بالمرّة رغم مرور أكثر من نصف قرن عليه، ألا وهو ظروف انبعاث هذا التنظيم الرسمي السرّي وعلاقته بالأوساط الفرنسية الرسمية ونشاطات هذا التنظيم بالإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية السابقة ولا سيما بأقطار شمال إفريقيا.
وفي مثل هذه الحالة يمكن القول إنّ غاية أنطوان ميلّرو من تأليف هذا الكتاب هي أولا وقبل كل شيء تبريريّة صرفة، أي تلميع صورته المشوّهة والمهتزّة لدى الرأي العام الفرنسي والبحث عن إعادة إحياء فترة من تاريخه تميّزت بتقديمه جليل الخدمات للحكومة الفرنسية زمن الجمهورية الرابعة ثمّ زمن الجمهورية الخامسة.
غير أنّه في مثل هذه الحالة وعلى عكس الشاهد ولو كان فاعلا، فمن واجب المؤرخ أن يعيد استحضار التاريخ بكل دقة وموضوعية وحياد وأن تكون نظرته للتاريخ نظرة علمية تستند إلى معطيات دقيقة وثابتة كما يراها الناقد والمفكّر البريطاني ريموند وليامز  » Raymond Williams  » الذي يرى بأنّ التاريخ له عدة معاني من أهمّها:  » البحث والتحرّي  » وكذلك  » نتائج البحث  » و  » رواية المعلومات  » و  » سرد الأحداث  » …، وذلك بغاية أن يتوصّل التاريخ في نهاية المطاف إلى  » معرفة الماضي معرفة منظّمة، وإمكانية تجاوزها  » . فالموضوعية كما يراها رايمون آرون  » Raymond Aron  » ليست النزاهة فحسب بل هي العالميّة الموسوعية  » .
مصادر مادة الكتاب:
جاء في تنبيه ورد في الصفحة الثامنة من الكتاب:  » إنّ هذا الكتاب يستند إلى شهادات استثنائية وإلى تحقيقات من إنجاز المؤلَّفَينِ « ، وهو ما يعني أنّهما لم يقوما بالإطّلاع على أرشيفات عمومية مثل أرشيف التنظيم نفسه أو أرشيف مختلف مصالح الشرطة وأجهزة المخابرات الفرنسية التي كانت لها علاقات من قريب أو بعيد بتنظيم  » اليد الحمراء  » بفرنسا. كما لا نجد أيّ أثر لإطّلاع صاحبيه على أرشيفات أو وثائق خاصة بقيادي  » اليد الحمراء  » خلال فترة الخمسينات ومطلع الستينات. لقد اقتصر المؤلفان على الشهادات الشفوية للناشطين في هذا التنظيم السرّي بكل من تونس والجزائر والمغرب. وككل الشهادات الشفوية فإنّها دوما تخضع لأهواء واختيارات ومواقع أصحابها الذين يسعون، سواء عن قصد أو عن غير قصد إلى التقليل من قيمة بعض الأحداث وتهويل وتضخيم البعض الآخر وإبراز دورهم ومكانتهم على حساب أشخاص آخرين وربّما تبرئة ذمتهم وتورّطهم في عديد الملفّات والقضايا ونفي صلتهم ببعض الشخصيات السياسية ممّن كانوا يأتمرون بأوامرهم والتي لا تزال إلى غاية صدور الكتاب على قيد الحياة، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى موضوع هذا الكتاب.
وإذا ما علمنا أنّ بعض الملفّات مثل ملف  » اختفاء  » المناضل المهدي بن بركة أو ملفّ اغتيال الزعيم فرحات حشاد لا تزال مطروحة على الساحة الدولية إلى غاية اليوم، فإنّ مثل هذه الشهادات الشفوية رغم قيمة البعض منها، تفتقر في غالبيتها لأدنى شروط الموضوعية إن لم نقل أنّها تسقط في الذاتية.
أقسام ومحتويات الكتاب:
يتألّف كتاب  » اليد الحمراء  » الجيش السرّي للجمهورية لأنطوان ميلّرو من: تحذير ومقدمة ومن عشرة أقسام موزّعة توزيعا محوريا وليس توزيعا كرنولوجيا وأخيرا من خاتمة.
يحمل القسم الأول عنوان:  » موعدٌ بالرباط  » وقد اهتمّ خلاله المؤلف بظروف تكوين تنظيم  » اليد الحمراء  » بمدينة الرباط بالمغرب الأقصى خلال شهر جوان من سنة 1952.
أمّا القسم الثاني فيحمل عنوان:  » اليد الحمراء تَدْخُلُ الساحة « . أمّا بقية الأقسام فتحمل العناوين التالية:
القسم الثالث:  » أين نجد جيو عطية المسمّى ‘الملاكم’ والمهدي بن بركة « .
القسم الرابع:  » مذبحة بالدار البيضاء وأربعة قتلى بإذن « .
القسم الخامس:  » اغتيال لي ماڤر ديبراي ضلال وأضواء « .
القسم السادس:  » عندما تحمي اليد الحمراء بيار منداس فرانس « .
القسم السابع:  » اليد الحمراء في خدمة والد الحسن الثاني « .
القسم الثامن:  » ضد جبهة التحرير الجزائرية: اليد الحمراء تصدّر عملها إلى الخارج « .
القسم التاسع:  » اليد الحمراء ضد تنظيم الجيش السرّي الكل ضد نفسه « .
القسم العاشر:  » بعض التدقيقات « .
خلافا لسائر أقسام الكتاب التي اهتمّ فيها المؤلّفان بنشاطات تنظيم « اليد الحمراء  » بالمغرب وبفرنسا وعديد الأقطار الأوروبية، سنتوقّف مليّا عند القسم الثاني الذي تطرّق المؤلف من خلاله إلى نشاط تنظيم  » اليد الحمراء  » بتونس سنة 1952، وتحديدا إلى اغتيال الزعيم فرحات حشّاد وذلك بوقوفه على العديد من التفاصيل المتّصلة بدوافع الاغتيال وظروفه وتقديمه لمعطيات جديدة ودقيقة حول الأشخاص المورّطين فعليا في عملية الاغتيال والذين تمّ الكشف عنهم في منتصف سنة 1956، أي بعد أشهر قليلة من استقلال تونس ولا سيّما علاقة هؤلاء بالسلطات الفرنسية وبكبار المسؤولين في الجمهورية الرابعة بباريس وفي مقدمتهم الوزير فنائب رئيس الوزراء ثمّ رئيس الحكومة ريني كوتي « René Coty » (من 16 جانفي 1947 إلى 16 جانفي 1954) وخصوصا بوزير الدولة ووزير العدل الفرنسي فرنسوا ميتّران (بين 1 فيفري 1956 و 21 ماي 1957).
أورد ميلّرو وثيقة أصليّة تتمثّل في برقيّة بتاريخ 22 سبتمبر 1956 بإمضاء روجي سايدو  » Roger Seydoux  » (1908-1985)، سفير فرنسا بتونس (من 13 سبتمبر 1955 إلى 28 سبتمبر 1956)، موجّهة إلى كاتب الدولة للشؤون الخارجية المكلّف بالشؤون المغربية والتونسية إثر إلقاء السلطات التونسية القبض بعيد الاستقلال، في ماي 1956 على بعض أعضاء منظّمة  » اليد الحمراء  » حيث يشير السفير سايدو إلى الموقوفين الذين لاحقتهم العدالة التونسية لاتّهامهم بالتورّط في اغتيال الزعيم فرحات حشاد ويذكر تدخله لتطويق القضية رغم استنكاره للممارسات الإجرامية البغيضة:  » أعلمكم ضمن برقية بأهمّ العناصر التي ميّزت القضية المعروفة بقضية  » اليد الحمراء « . وأظنّ أنّ الوقت قد حان لتحديد وضع هذه المسألة. فقد ُألقِي القبض على عدد كبير من الأشخاص وتمّ استنطاقهم ثمّ أفرج عنهم بعد بضع ساعات. أمّا الأفراد الذين ظلّوا رهن الاعتقال فقد أُطْلِقَ سراحهم جميعا ووُضعوا في حالة سراح وقتيّ ما عدا ثلاثة أشخاص وهم: روفينياك  » Rouffignac  » وروزّي  » Ruissi  » وأويزيرات  » Aouizerat  » المشتبه في كونهم شاركوا في عملية اغتيال فرحات حشاد. وأخيرا صدرت أوامر بالقبض على ستّة أشخاص في حالة فرار. وبقدر ما تسمح لي بالعمل استقلالية القضاة التي أخذت على عاتقي احترامها بكل دقة تابعت هذه القضية – أنا وأعضادي- ساعة بساعة أحيانا، مع الحرص دوما وأبدا على أخذ هذين الأمرين في الاعتبار:
1) إنّ التصرّفات المُؤاخذ عليها المعنيّون بالأمر تمثّل آثار أساليب مكروهة كانت مستعملة في الماضي. ولا أنوي أبدا تبرير أنشطة استنكرتها. إلا أنّ المتهمين فرنسيون فيجب إحالتهم على حاكمهم الطبيعي، أي المحاكم الفرنسية حسب الاتفاقيات الجاري بها العمل.
2) أمّا حرصي الثاني، فيتمثّل في المحافظة على هيبة القضاء الفرنسي حتى لا تعرض مستقبلا الجالية الفرنسية ذاتها للخطر. ولذلك قبلت من أول وهلة أن يقوم بالتحقيق- بالاشتراك فيما بينهم – أعوان شرطة تونسيون وأعوان شرطة فرنسيّون وأن يتمّ تشريك التونسيّين – بقدر المستطاع – في سير الإجراءات احتراما لاستقلالية قاضي التحقيق. وفي الجملة فإنّ هذه القضية التي كان من الممكن أن تكون تطوّراتها رهيبة جدا لم تسفر إلى حد الآن عن عواقب وخيمة أكثر من اللّزوم  » .
إضافة إلى أهمية هذا التقرير السرّي الصادر عن ممثّل فرنسا بتونس والذي نجد فيه مادة هامة عن تبعات قضية قتلة حشاد وطريقة تعامله معها في مطلع الاستقلال فإنّ أهميته تكمن أساسا في كشفه عن ظروف، ملابسات وأسماء القتلة الحقيقيّين للزعيم حشاد بضاحية رادس يوم 5 ديسمبر 1952:
 » كانت عصابة اليد الحمراء ترصد تنقلات الزعيم حشاد من خلال سيّارة كان أعضاؤها يمتطنوها. غير أنّه في ذلك اليوم تمّ استبدال هذه السيارة المعتادة بأخرى أمريكية فخمة لم تظهر لملاحقته في صبيحة ذلك اليوم إلا بعد أن قطع مسافة أقلّ من كيلومترين في اتجاه العاصمة فلم يأبه بها لأنّه لم يألفها من قبل. ومن تلك العربة الفخمة التي كان يمتطيها أربعة أشخاص أمطرت سيارته الصغيرة من نوع « سيمكا » سوداء اللون بوابل من مسدس رشّاش فجرح فرحات حشاد في كتفه ووركه فتظاهر بأنّه أصيب بطلقات قاتلة وترك عربته تتعرّج في قارعة الطريق. ولما فاتته سيّارة المعتدين توقف ثمّ خرج من عربته ودمه ينزف طالبا النجدة من راكبي سيارة أخرى آتية في اتجاه تونس، وهي أيضا من نوع « سيمكا » ذات لون أحمر رمّاني فتظاهر ركابها الثلاثة بقبول مرافقته إلى المستشفى وكانوا هم أيضا من عصابة اليد الحمراء فأجهزوا عليه وبعد قليل عثر على جثة الزعيم النقابي ملقاة في خندق ».
كما يورد صاحب الكتاب معطيات دقيقة عن هؤلاء القتلة الذين تمّ اكتشاف أمرهم بعد أربع سنوات على الاغتيال. فقد افتضح أمرهم بإذاعة سرّهم في جلسة خمرية بحانة « الشارنتي » Bar Le Charentais » في شارع باريس بتونس العاصمة في شهر سبتمبر 1956. وكان القتلة الأربعة من ندماء تلك الحانة وهم: المدعون « جان هونوري أندريي » Jean Honoré Andréi  » وجان لوسياني « Jean Luciani  » (وأندريي هذا هو الذي لقي حتفه حينما كان مع أفراد عصابته يطلق النار على مقرّ شعبة تابعة للحزب الدستوري الجديد ببن عروس فعاجله قنّاص تونسي كان في سطح المبنى بطلقة نارية فأرداه قتيلا. وقد نقله رفاقه على جناح السرعة إلى عيادة طبيب متواطئ مع العصابة فسلّمهم شهادة وفاة مزوّرة معلّلا الوفاة بسقوط من أعلى درج).
وسرعان ما اكتشفت الشرطة التونسية الخدعة بتحرّياتها في الهجوم على مقرّ الشعبة. ولما تأكدت -بعد استخراج جثة أندري وتشريحها- من السبب الحقيقي لوفاة الهالك ألقت القبض على الطبيب المتواطئ وأحيلت القضية إلى قاضي التحقيق الفرنسي بتونس  » رجيس سولي « Régis Soulet « . وقد أفضى البحث إلى إلقاء القبض على شركاء الهالك الثلاثة المتّهمين بالمشاركة في الاغتيال والذين أشار إليهم روجي سيدو في رسالته وهم: « روفينياك » Rouffignac  » و  » رويزي  » Ruisi  » و  » أويزيرات  » Aouizerat « . وقد تمكّن السّفير من إطلاق سراحهم. فتمكّنوا من الهروب إلى فرنسا بفضل التغطية التي قدمها لهم تنظيم  » اليد الحمراء  » بمساعدة وزير العدل الفرنسي آنذاك فرنسوا ميتيران الذي أرسل لهم طائرة عسكرية أقلّتهم من بنزرت إلى مطار مارينيان بمرسيليا.
غير أنّه إذا ما كشف لنا أنطوان ميليّرو استنادا إلى مراسلة روجي سايدو عن أسماء منفّذي عمليّة اغتيال الزعيم فرحات حشاد الأربعة فإنّه لم يشر إطلاقا إلى التهديدات التي وصلت الزعيم حشّاد من طرف تنظيم  » اليد الحمراء  » بتونس قبل أسابيع من اغتياله ، سواء المقالات الصحفية أو المراسلات البريدية التي كانت ترسلها إلى الأشخاص الذين تنوي اغتيالهم في تونس وكانوا كثيرين خلال الفترة الممتدّة بين 1952 و 1954. كما أنّه لم يكشف عن أسماء كل الذين شاركوا في عملية الاغتيال، بل اكتفى بمن كانوا مقيمين بتونس عند اكتشاف إحدى خلايا « اليد الحمراء  » سنة 1956، وهو ما يعني أنّ ثلاثة أسماء من المجموعة الارهابية التي ضمّت حسب شهادة ميلّرو الشفوية الواردة بالشريط الذي بثّته قناة الجزيرة سبعة أشخاص غير معروفة الى حد الآن !
فهل أنّ عدم ذكر هؤلاء الثلاثة وعدم الخوض في أسمائهم بالتفصيل أمرا مقصودا: أي أنّهم ينتمون إلى مجموعة تنتمي لنفس التنظيم لكنّها تُقيم وتنشط خارج تونس، أو ربّما لازالوا على قيد الحياة وأنّ تكتّمه على ذلك يعني سعيه الدؤوب لتجنيبهم التتبّعات القضائية المحتملة ضدهم !
وهل من الممكن استنادا إلى التفاصيل الدقيقة الواردة بشهادته أن نفترض أن يكون أحد هذا الثالوث، قد أتى بمفرده (أو مرفوقا بإثنين من زملائه) خصّيصا من المغرب الأقصى للمشاركة في تنفيذ العملية رغم إقامته بمدينة الرّباط حينئذ وتكتّم على مشاركته في التنفيذ لنفس الأسباب التي تنطبق على زميليه المُفترضَيْنِ !
كما أنّ الكتاب لم يورد أيّة معلومة عن المهندس الأول لخطّة عملية الاغتيال، وهو ضابط في جهاز المخابرات الفرنسية  » هنري جانيتز  » Henri Jannitz  » الذي سيُكلّف لاحقا بالتخطيط لاغتيال الزعيم العربي جمال عبد الناصر. وقد انكشف أمره بمصر في ديسمبر 1956 ونال عقابه على يد المصريّين. وقد كَشَفَ عن اسم هذا الضابط، الكاتب والصّحفي والمستشار السابق للرئيس جمال عبد الناصر نفسه، محمّد حسنين هيكل في كتابه الصادر أخيرا « سنوات الغليان « .
هذا وقد تولّى الكاتب والصحفي وكاتب الدولة السابق في أوّل حكومة لرئيس الوزراء الحبيب بورقيبة، البشير بن يحمد منذ اكتشاف أمر العصابة المورّطة في اغتيال فرحات حشاد في سبتمبر 1956 نشر مقال بصحيفة  » لاكسيون تونزيان « L’Action Tunisienne  » لسان حال الحزب الحرّ الدستوري الجديد باللّغة الفرنسية تحت عنوان:  » لاكسيون تتّهم  » L’Action accuse  » تطرّق من خلاله بالتفصيل إلى القضية وجذورها التي تعود إلى سنة 1952 كما عرّف بتنظيم  » اليد السوداء  » الذي ظهر في تلك الفترة للرد على جرائم  » اليد الحمراء « …، ليطالب في خاتمة مقاله بضرورة تتبّع المجرمين ومحاكمتهم وقد أرفق المقال بصورة كاملة لأحد هؤلاء المجرمين وهو سالف الذكر رجيس سولي .
أسلوب ولغة الكتاب:
كُتب نصّ الكتاب بلغة فرنسية سليمة وبالغة التأثير وبأسلوب أدبي سردي يشدّ القارئ منذ السطر الأوّل إلى آخر كلمة من الكتاب. وبحكم مادة الكتاب التي تستوجب وجود معلومات إضافية توجّه وتنير القارئ وتساعده على فهم بعض الجوانب والأسماء والتواريخ…، فإنّ الكتاب لم يخلُ من التوضيحات ومن الاستطرادات والهوامش التي تتضمّن تعريفا بأسماء الأعلام والأماكن والمنظّمات الواردة في متن الكتاب.
كما لم يخلُ الكتاب من المادة التاريخية والاجتماعية والسياسية في مطلع كل قسم منه وذلك بغاية التعريف بتاريخ أقطار شمال إفريقيا وسكانها وأعلامها ورموزها الوطنية ومنظّماتها وهياكلها وأحزابها وجمعياتها. وبما أنّ الكتاب لم يكن موجّها إلى الفرنسيين فحسب فإنّه قد تضمّن كذلك نفس المعطيات والتوضيحات والتنظيمات والهياكل الخاصة بتاريخ وأعلام فرنسا في نصّ الكتاب.
فبالنسبة إلى تونس فإنّ ما يشد القارئ بالأساس هو وفرة المادة الخاصة بتاريخ تونس وبكبار المسؤولين والموظفين الفرنسيّين من مقيمين ومديرين عامّين وكذلك من زعماء ورموز الحركتين الوطنية والنقابية التونسية وفي مقدمتهم الحبيب بورقيبة وفرحات حشاد.
وما يُلفت انتباه القارئ هو دقة المعلومات المتّصلة بهذين الزعيمين وبالحزب الحرّ الدستوري الجديد وبالاتحاد العام التونسي للشغل وبالمحطات الكبرى للحركة الوطنية وخصوصا منها بفترة الكفاح الوطني التي انطلقت بداية من سنة 1952.
خاتمة الكتاب: وردت في السطر الأول منها مقولة للزّعيم شارل دي غول متّصلة بالحدث:
 » في مواجهة الحدث يلتجئ الإنسان ذو الشخصية القوية لذاته. حيث تستوجب حركته فرض أسلوبه على العمل، وأخذه لحسابه، ليجعل منه قضيته  »
« Face à l’événement, c’est à lui-même que recourt l’homme de caractère. Son mouvement est d’imposer à l’action sa marque, de la prendre à son compte, d’en faire son affaire ».
ورغم أهمية هذه القولة فإنّ الغاية من الاستشهاد بها هو التبجّح بإدّعاء الالمام بفكر وكتابات الزعيم شارل دي غول وتمكّنه من تقنيات وأبجديات الكتابة التاريخية ولا سيّما بأهمية الحدث في حركة التاريخ.
أمّا مضمون الخاتمة فقد خصّه للحديث عن زوال تنظيم  » اليد الحمراء  » في أواخر الستّينات ومجموعة العقيد مرسيي والنّقيب فييّات من عداد التاريخ واصفا إياه بـ  » الجرح الذي لم يعالج في تاريخ فرنسا » وهو في نظرنا اعتراف صريح بفظاعة الجرائم التي ارتكبها هذا التنظيم في حق عشرات الأشخاص من الزعماء والنقابيين ورجال الفكر والسياسة من أصيلي المستعمرات الفرنسية السابقة أو حتى من الفرنسيّين أنفسهم في فترة من أحرج وأدق فترات تاريخ فرنسا المعاصر.
فحسب المؤلّف وعلى إثر توقّف نشاط هذا التنظيم منذ استقلال الجزائر فقد عاد هذا التنظيم إلى النشاط من جديد في سنة 1968 ليتّخذ صبغة فرنسية هذه المرّة. فعلى إثر الأحداث الطلابية التي شهدتها فرنسا في شهر ماي 1968 تمّ استدعاء جان بيار  » Jean Pierre  » إلى مكتب  » كرستيان فوشي  » Christian Fouchet  » وزير الداخلية آنذاك. وقد حضر الاجتماع النقيب فييّات والبعض من عناصر  » تنظيم الجيش السرّي »O .A.S.  » الذين تمّت محاكمتهم وغادروا فرنسا في اتجاه إسبانيا فعادوا من جديد وطُلب منهم التصدي للأحداث الطلابية التي تشهدها الساحة السياسية بفرنسا. وخلافا لممثّلي  » مصلحة التدخّل المدني  » Service d’Action Civique » (جهاز تدخل لفائدة الجنرال ديغول أُحدِثَ سنة 1960 وتواصل عمله إلى غاية سنة 1981) الحاضرين في هذا الاجتماع والذين قبلوا التعاون مع الحكومة الفرنسية وتلبية كل طلباتها فإنّ النقيب فيّات قد رفض هذه المرّة اغتيال شبّان يساريّين صغار السنّ وخيّر اتخاذ عقوبات أخرى ضدهم: إيقافهم، تهديدهم وتعنيفهم… أفلا يُعدّ موقف هذا المسؤول السابق عن تنظيم  » اليد الحمراء  » تعبيرا واضحا عن رغبته في التكفير عن الذنوب التي ارتكبها في السابق في حق الكثير من الأبرياء من المغاربة والفرنسيّين وعزمه على طيّ صفحة سوداء من ماضيه والإعلان عن بداية صفحة جديدة ناصعة من تاريخه !
كما تورّط بعض أفراد  » اليد الحمراء  » خلال شهر فيفري من سنة 1973 من هذا التاريخ في عملية اختطاف تابوت الماريشال فيليب بيتان  » Philippe Pétain  » دفين جزيرة « ديي  » d’Yeu  » (جنوب منطقة البريطاني بمقاطعة الفاندي ببلاد اللوار على الساحل الأطلسي) الذي نُقل من مقبرة المكان في إتجاه اليابسة إلى غاية العاصمة باريس وقد تُرك في مستودع بضاحية من ضواحي العاصمة الفرنسية. وحسب مؤلف الكتاب فقد كان من أذِنَ بنبش قبر الماريشال بيتان وجلب تابوته إلى غاية باريس ساكن قصر الإليزيه نفسه، الرئيس جورج بومبيدو  » George Pompidou  » (1969-1974). وقد صاحب أنطوان ميلّرو نفسه جان لوي تيكسيي  » Jean- Louis Tixier-Vignancour  » في عملية إعادة دفن الماريشال بيتان بمقبرة جزيرة  » ديي « .
وللتذكير فإنّه سيتمّ نبش قبر الماريشال بيتان ثانية سنة 1978 خلال فترة حكم فالّيري جيسكار دي ستان  » Valéry-Giscard d’Estaing  » (من 27 ماي 1974 إلى 21 ماي 1981). فكانت هذه المهمّة على حد قول أنطوان ميلّرو آخر مهمّة يقوم بها أفراد  » اليد الحمراء  » فوق التراب الفرنسي ليدخل هذا التنظيم بعد ذلك طيّ التاريخ أو طيّ النسيان.
الخاتمة:
عموما يمكن القول في خاتمة هذه الورقة أنّ كتاب أنطوان ميلّرو،  » اليد الحمراء الجيش السرّي للجمهورية  » فيه من النقائص والمآخذ الكثير، لعلّ أبرزها عدم تطرّق صاحبه إلى الشكل الذي كان عليه تنظيم  » اليد الحمراء  » وهيكلته ومختلف درجاته ومستوياته إلى درجة أنّه كان يتعذّر على القارئ معرفة الرؤوس المدبّرة وأصحاب القرار الأول والأخير أو الدوائر العليا داخل هذا التنظيم في بعض القضايا والعمليات التي كُلّف بتنفيذها.
وبالرّغم من كل هذه النقائص فقد قدّم لنا الكتاب جوانب هامة ودقيقة جدا متّصلة بظروف وملابسات اغتيال الزعيم فرحات حشاد كما عرّفنا على مقترفي هذه  » الجريمة النكراء » التي بقيت إلى غاية سنة 1997 غامضة في أذهان أغلب التونسيّين وغير التونسيّين المهتمّين بهذه القضيّة إلى درجة تحميل الدوائر الرسمية الفرنسية قبل استقلال تونس ( وهو المرجّح) ثمّ بعض الأوساط التونسية (بعد 1956) مسؤولية الاغتيال والعلم به مُسبقا وربّما المشاركة فيه بشكل أو بآخر إلى بعض الأطراف والرموز الوطنية التونسية ( وهو المستبعد).
وعلى الرغم من أنّ هذا التشويه كان مقصودا من الأطراف التي تقف وراءه وذلك بغاية خدمة أغراضها السياسية أو الذاتية الصرفة فإنّها قد نجحت في إقناع جانب هام من الرأي العام التونسي بصحّة هذه المُعلومة المغلوطة على امتداد أكثر من نصف قرن من الزّمن وتكوّن إيمان راسخ بها وبصحّتها لدى جانب آخر منه إلى يومنا هذا.
وفي ظلّ غياب وثائق رسمية أخرى وعدم فتح أرشيفات البوليس الفرنسي ومصالح الاستخبارات الفرنسية والتونسية المتّصلة بملفّ قضية اغتيال الزعيم فرحات حشاد أمام الباحثين والمؤرخين، فإنّ المراسلة بين سفير فرنسا روجي سايدو ووزارة الخارجية الفرنسية الواردة في نصّ كتاب أنطوان ميلّرو، تبقى الوثيقة المرجعية الأولى المتّصلة بحادثة الاغتيال تلك دون منازع.
أملنا أن يتمّ الكشف في المستقبل القريب عن وثائق جديدة تُنير السبيل أمام الرأي العام التونسي والدولي بكل وضوح وبما لا يدعو إلى الشك عن ظروف اغتيال الزعيم فرحات حشّاد وأن يتمّ الاعتراف من قبل الأطراف والأجهزة المسؤولة عن هذه الجريمة النكراء والاعتذار عنها رسميا

د. عادل بن يوسف – كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة

.

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :