Poster un commentaire

L’Historien Adel Ben Youssef réagit à l’article «  »حشّاد سيعود.. »de Adel Zitouni


 

من وحي مقال « حشّاد سيعود… » بقلم عادل الزيتوني

 

د. عادل بن يوسف – أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الانسانية بسوسة – (جامعة سوسة)

من وحي مقال « حشّاد سيعود… » بقلم عادل الزيتوني.

تفاعلا مع المقال المنشور على موقع المعهد التونسي للعلاقات الدولية المحترم تحت عنوان « حشّاد سيعود… » بقلم صاحبه السيّد عادل زيتوني، اسمحوا لي بالتفاعل معه من موقعي على طريقتي وذلك بالرجوع بكم إلى الوراء (أكثر من سبع سنوات) لوضع المقال في إطاره التاريخي الذي تزامن مع بثّ قناة الجزيرة الوثائقية لأول مرّة في 9  ديسمبر 2009 شريطا بعنوان: « اغتيال فرحات حشّاد » قام بإخراجه المخرج التونسي جمال الدلالي.

لقد عشت كما عاش عامة التونسيّين من سياسيّين ومثقّفين… ومؤرخين مختصين في التاريخ المعاصر والزمن الراهن على وقع هذا الشريط « الزلزال » الحامل لعنوان « اغتيال حشاد » الذي أنجزته « القناة الراعية للثورات العربية »، وبُثّ لأول مرّة على الجزيرة الوثائقية يوم 9  ديسمبر 2009.

دون الدخول في جدل قد يُفهم ويؤوّل على أنه ضرب من السجال السياسي الذي تعيش على وقعه تونس منذ 14 جانفي 2011، أود أن أدقّق لكم وللسادة القراء الكرام (ولو بعد 04 سنوات من تاريخ صدور هذا المقال) بعض الجوانب التاريخية التي لا يختلف فيها اثنان والتي وقفت عليها من خلال مضامين الوثائق التاريخية التي اطلعت عليها بالأرشيفات ومراكز البحث التاريخي بكل من تونس وفرنسا على غرار:  أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية بالكي دورساي « Les archives du Quai d’Orsay » – الأرشيف الدبلوماسي بمدينة نانت « Le Centre des Archives diplomatiques de Nantes (CADN) »- أرشيف ما وراء البحار بمدينة آكس آن بروفانس « Les Archives   Nationales d’outre-mer, Aix-en-Provence »… والشهادات الشفوية التي استقيتها من مناضلين وشهود عيان عايشوا تلك الفترة الحالكة والمفصلية من تاريخ تونس المعاصر (1952-1954) بما فيها من نضالات وتضحيات وكذلك من تصفيات واغتيالات واغتيالات مضادة في صفوف الوطنيّين ورموز الاستعمار (من مدنيّين وعسكريين وأمنيين….) وعملائه…

لقد وقفت على حقيقة ثابتة أودّ أن أسوقها لكم بكل تجرّد وحياد، ليس من وجهة نظر الدستوريين المدافعين بكل « شراسة » إلى حد التعصّب عن الزعيم الحبيب بورقيبة والحزب الدستوري ورموزه… بعد 2011 (رغم كوني من عائلة دستورية وطنية مثل جلّ العائلات التونسية قبل 1956)، بل من موقع واجبي و »مسؤوليتي » كأستاذ باحث ومؤرخ مختصّ في تاريخ تونس المعاصر والزمن الراهن. ويمكن تلخيص موقفي هذا في النقاط التالية:

1- لا أريد الخوض في جدل عقيم حول صاحب المقال، عادل زيتوني المقيم بمدينة مولان بفرنسا والذي على حد علمي ليس بباحث مختصّ في الموضوع أو مدرّس للتاريخ السياسي المعاصر لتونس كما تثبته مواقفه من الحزب الدستوري وبورقيبة وهي مواقف واضحة وجليّة للعيان على شبكة النات وفي وسائل التواصل الاجتماعي  بعد 14 جانفي 2011… لذا سأكتفي بالذين شاركوا في إعداد شريط « اغتيال حشاد » لفائدة قناة الجزيرة وقدموا أنفسهم كمؤرّخين وأعني بذلك السيّد لطفي زيتون الذي قدّمه مخرج الشريط بقناة الجزيرة من لندن بصفة « مؤرّخ تونسي »، والحال أنه لا يمتّ للتاريخ بصلة. فعلى حدّ علمي كان قد درس في مطلع التسعينات سنة أوسنتين في قسم التاريخ بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس لكنه سرعان ما غادرها لأسباب يعرفها الجميع قبل أن يتحوّل إلى عاصمة الضباب لندن لدراسة العلوم السياسية برعاية وتمويل من حركة الاتجاه الاسلامي وتنظيم الاخوان المسلمين العالمي… والدول الراعية لهما. لذا كان من الأجدى أن يقدم هذا الضيف النازل على القناة نفسه كـ « معارض سياسي للنظام التونسي مقيم بلندن » حتى تتضح الصورة لدى التونسيّين الذين لم يكونوا يعرفونه ولم يحصل لهم شرف التعرّف عليه عن قرب إلاّ بعد  14 جانفي 2011 من خلال تدخلاته وتصريحاته النارية والارتجالية الداعية إلى « التفرقة » وتقسيم التونسيّين وتكفيرهم ومحاكمة عديد المسؤولين وشيطنتهم في الحزب والدولة والعديد من رموز البلاد الوطنية السياسية والنقابية والفكرية والتقليل من قيمة المكاسب التي تحقّقت في تونس منذ الاستقلال…، في وقت كانت فيه البلاد في أمسّ الحاجة للتهدئة وتكريس « الوحدة الوطنية »… ويكفي الرجوع إلى التسجيلات في المنابر الاعلامية بالإذاعة والتلفزة وتصريحاته في الصحف الصادرة آنذاك… وتدخلاته « المهيّجة »، شأنها شأن تصريحات وتدخلات صقور حركة النهضة في قبّة المجلس الوطني التأسيسي…، للوقوف على صحّة ذلك.

3- إنّ صاحب الشهادة المدعو  « أنطوان ملّرو «  »Antoine Méléro وكتابه الموسوم بعنوان  » اليد الحمراء الجيش السري للجمهورية « ، منشورات موناكو، 1997:

 » La Main Rouge  l’armée secrète de la République,  Monaco, 1997 « .

بدأ صاحب الكتاب حياته ملاكما (على غرار صاحب المقال الذي مارس رياضة الكاراتي عندما كان يقطن بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة ويدرس بكلية 9 أفريل على غرار كل شباب حركة الاتجاه الاسلامي ثمّ حركة النهضة لاحقا…) مقيما بالدار البيضاء قبل أن ينضمّ إلى جهاز الشرطة الفرنسية ثمّ لتنظيم « اليد الحمراء » السري والجهاز التابع لجهاز « المخابرات والمخابرات المضادة »  Service d’Espionnage et de ContreEspionnage » المعروف باسم « السداس » SEDES » لدى التونسيّين. إثر ذلك انضمّ إلى الشرطة الفرنسية وبداية من سنة 1952 إلى هذا الجهاز  الذي كلفه لاحقا بتصفية بعض الوطنيين المغاربة والأحرار الفرنسيين المعارضين للسياسة الاستعمارية لفرنسا فوق التراب المغربي والفرنسي…

ولرفع هذا اللبس والغموض والتشويش الذي هزّ الشارع التونسي نتيجة بثّ هذا الشريط « السام » والموجّه لأول مرّة يوم 09 ديسمبر 2009، قمنا حينئذ كأساتذة في قسم التاريخ بكلية الآداب بسوسة يوم 5 مارس 2010 بتنظيم ندوة حول الزعيم النقابي حشاد أخذت ظروف وملابسات اغتياله في 05 ديسمبر 1952 النصيب الهام منها.

وقد استدعينا لهذه الندوة كل من: الأستاذ أحمد خالد (صاحب كتاب عن حشاد في جزأين باللغتين العربية والفرنسية) وابن خالة ورفيق درب فرحات حشّاد في النضال المرحوم محمّد بن رمضان (من مواليد سنة 1922 بالعباسية، توفي يوم 1 أوت 2015 بمدينة سوسة) وابن خاله المحامي حامد بن رمضان (محامي عائلة حشاد) وابنة الزعيم حشاد جميلة حشاد الشعري… وشخصيا قمت في الجلسة الصباحية من الندوة بتقديم ورقة بعنوان:   » حول اغتيال الزعيم فرحات حشاد و كتاب  » اليد الحمراء  » لـ أنطوان ملّيرو  » ركّزت من خلالها على صاحب الشهادة في شريط الجزيرة الوثائقية « أنطوان ملّيرو وكتابه: «  اليد الحمراء جيش الجمهورية « :

  «  La Main Rouge  l’armée secrète de la République,  Monaco, 1997 « .

(انظر النصّ الكامل للمداخلة بموقع معهد تونس للعلاقات الدولية)، فيما تولت ابنة الزعيم حشاد، جميلة حشاد (أستاذة انجليزية بجامعة « Esprit » بتونس) تقديم وثائق الأرشيف الأمريكي « النارا » NARA » (National Archives and Records Administration) المتصل بنضال والدها وحادثة اغتياله… من وجهة نظر أمريكية:  » أرصدة أرشيف جهاز المخابرات الأمركية » C.I.A  » والقنصلية العامة للولايات المتحدة بتونس…

وقد بيّنت لنا بالحجج من خلال بعض الوثائق المنتقاة قامت بعرضها بواسطة جهاز « الداتا شو  » Data Show » على برنامج الباور بوينت « Power Point »، ضلوع جهاز المخابرات الفرنسية والحكومة الفرنسية تحديدا في عملية الاغتيال عبر فرقة مختصّة قدمت خصّيصا من فرنسا، أطلق عليها اسم « كومندوس حشاد » قامت بتنفيذ عملية الاغتيال التي تمّ الترتيب لها منذ شهر جوان 1952.

وكانت هذه الفرقة تتلقى أوامرها من رئاسة الحكومة الفرنسية مباشرة ولم تكن لها علاقة بالإقامة العامة الفرنسية بتونس. وقد تأكد ذلك لاحقا من خلال نصّ مخطوطة مذكرات المقيم العام الفرنسي بتونس آنذاك، « جان دي هوت كلوك « Jean de Hauteclocque » التي للأسف لم تر النور لعدة أسباب منها ما هو ذاتي وما هو أمني… وقد تحدّث الرجل الأول في تونس آنذاك عن  علمه بنبأ نجاح عملية اغتيال حشّاد بينما كان يترأس اجتماعا بكبار المسؤولين الفرنسيّين بتونس في مكتبه بالإقامة العامة على إثر اتصال هاتفي مباشر من رئيس الحكومة الفرنسية نفسه « أنطوان بيناي » « Antoine Pinay » (8 مارس 1952- 23 ديسمبر 1952) بعد اتصال أعوان جهاز « السداس » ومنفذي العملية مباشرة بهذا الأخير هاتفيا من تونس[1] ….

واعتبارا لما تقدم، كيف يمكن لعملية اغتيال زعيم نقابي وسياسي وطني في حجم وقيمة حشاد « العظيم » أن ينفذها أو يأمر بها الحبيب بورقيبة وهو سجين بجزيرة جالطة النائية بين 21 ماي 1952 و 21 ماي 1954  (بعد جلبه من أقصى الجنوب التونسي ثمّ من طبرقة) والجزيرة – لمن لا يعرفها – تبعد قرابة 300 كم عن ساحل تونس العاصمة و62 كم عن ساحل مدينة طبرقة ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال لشخص أن يدخلها أو يغادرها بسبب الحراسة المشدّدة عليها بحرا من قبل حرس الحدود البحرية وبوارج الجيش المحاصرة لها ولا حتى القيام باتصالات هاتفية منها بحكم الطابع العسكري للمكان وقلّة التجهيزات المتوفرة به والمراقبة اللصيقة على المساجين والمنفيّين السياسيّن بها (من جنسيات مختلفة: تونسيون- فرنسيون – إيطاليّون…) من قبل أعوان الأمن الفرنسي المتواجدين على أرض الجزيرة أو العسكريّين المنتشرين على وحداتهم البحرية في المحيط المجاور لها !

وحتى الذين نجحوا في الاتصال بالزعيم بورقيبة بجزيرة جالطة فقد كانوا قلة قدموا عبر قوارب صغيرة للصيد وتمكنوا سرا وبأساليب ملتوية  فقد كانوا قلّة نذكر في مقدمتهم البحّار خليفة حواص (أصيل جزيرة قرقنة) الذي نجح في مرات معدودات باستخدام أوراق إقامة السكان بالجزيرة وطرق أخرى من إيصال بعض المعلومات لبورقيبة، سواء من قادة الحزب أمثال المنجي سليم والهادي شاكر والطيب المهيري… أو من قادة المقاومة المسلحة من أمثال الأزهر الشرايطي بلقاسم قرف وحسن بن عبد العزيز الورداني والأخوين الساسي والطاهر الأسود… ولا تتجاوز زيارته للجزيرة عدد أصابع اليدين على أقصى تقدير خلال السنتين اللتين قضاهما بها قبل أن يتمّ ترحيله إلى جزيرة « لا قروا » La Groix » بمنطقة « البريطاني » Bretagne » بشمال غربي فرنسا في 21 ماي 1954.

لنعود إلى اليوم الدراسي الخاص بالزعيم حشاد وتحديدا لجلسة بعد الظهر، فقد قمنا بعرض شريط قناة الجزيرة الوثائقية « اغتيال حشاد » للمخرج التونسي جمال الدلالي على الحضور في قاعة الأطروحات بكلية الآداب بسوسة. وقد تولى الناقد والمؤلف السينمائي وأستاذ اللغة والآداب الفرنسية بنفس الكلية، الزميل والصديق الأستاذ الهادي خليل تحليل الشريط وإبراز مواطن الخلل وخاصّة الانحياز الواضح فيه وذلك على مستوى الإخراج والسيناريو والنصّ والصورة … وخاصة الضيوف المدعويّين له.

وفي ذات السياق أكد لي الأستاذ حامد بن رمضان في جلسة جمعتني به ببيت السيّد محمّد بن رمضان بسوسة بمحضر الأستاذ أحمد خالد والبعض من آل بن رمضان  ومشاهدتنا معا لتسجيل البرنامج المخصّص للبرنامج خاص باغتيال حشاد أعدته القناة بطلب من عائلة حشاد أنه دخل في نقاش صاخب مع منتج البرنامج (وهو من أصل جزائري) المتشبث برأيه القائل بوقوف بورقيبة وراء اغتيال الزعيم حشّاد…  وقد هدّد الأستاذ حامد بن رمضان بالانسحاب والعودة إلى تونس لولا تدخل مدير القناة شخصيا بوضعه كل واحد منهما في استوديو والتحاور معهما عبر جهاز التلفاز….

4- عند تقديمي لكتاب « أنطوان ملّرو » المذكور أعلاه بيّنت بالحجّة والبرهان أنّ صاحبه لم يزر ولو مرّة وحيدة تونس. فكيف يمكن لشخص الادعاء أنّ بورقيبة « هو الذي كان وراء اغتيال حشاد » أو « على علم بذلك » والحال أنّ قدميه لم تطآ بالمرّة التراب التونسي !!!

5- ورد في مقال السيّد عادل زيتوني:  » (…) ليس بخافي أنّ بورقيبة رحل (بيولوجيّا) ويداه ملطّختان  كجزّار بنهج « الكبدة » أو حومة «المرجانيّة » ! بدماء الآلاف من نساء ورجال تونس…الأحرار (…) « . وليعلم صاحب المقال – وهو خير العارفين – أنّه لئن حصلت تجاوزات خلال الحقبة البورقيبية في حقّ العديد من الوطنيّين، سواء بالسجن أو الملاحقة والقتل والإعدام… من خلال محاكمة وإعدام 12 من بين مجموعة المحاولة الانقلابية و « قتل حوالي خمسة آلاف ببنزرت لا نعرف اسم واحد منهم… «  (كما ورد في مقال عادل زيتوني)، فإنّ ذلك قد حصل إمّا لسوء تقدير وجميع الساسة والقادة بمن فيهم العظام ولأسباب موضوعية وذاتية يطول شرحها ويضيق المجال للتعريف بها على غرار: لينين وستالين و جمال عبد الناصر وجوزيف تيتو وغاندي ونهرو وبن بلّة وبومدين والحسن الثاني…)، قد اجتهدوا لكنهم أصابوا المرمى أحيانا وأخطأوا أحيانا أخرى في حقّهم وخاصة في حقّ شعوبهم.

كما غاب عن صاحب المقال التذكير بأنّ هؤلاء كانوا وطنيّين ولم يبيعوا قطّ بلدانهم ويفوّتوا في أبناء أوطانهم ليكونوا لقمة سائغة تتحكم فيهم دول وتنظيمات وأجهزة استخبارات أجنبية ودولية للزجّ بهم في أتون حروب وصراعات اقليمية طائفية ومذهبية، فكانوا وقودا لها بغاية تدمير دول وأوطان بأكملها باسم الدين وخدمة لأجندات اقليمية ودولية ترسمها أجهزة مخابرات أجنبية في مكاتبها بواشنطن وتل أبيب والدوحة ولندن… (التي عاش فيها مؤرخنا) وباريس (التي ظهر فيها هذا الملاكم – الشرطي « أنطوان ملرو ») ليقولا لمحاور قناة الجزيرة الوثائقية:   » إنّ لبورقيبة مصلحة في اغتيال حشّاد »… !

كيف يمكن لهذه المصلحة أن تحصل وينعم بها بورقيبة والحال أنّ الزعيم فرحات حشاد بالتوازي مع قيادته للحركة النقابية، هو من تولى الإشراف على المقاومة المسلّحة وقيادة الحركة الوطنية غداة اعتقال ونفي جميع قادة الحزب الدستوري في أعقاب مؤتمر شعبة ترنجة السري بنهج سيدي محرز يوم 18 جانفي 1952 فكان خير خلف لأفضل سلف والدماغ والعقل المدبّر لجلّ عمليات المقاومة التي استهدفت الفرنسيّين من مدنيّين وإداريّين وأمنيّين وعسكريّين في كامل أرجاء المملكة، كانت آخرها 10 جنود بقابس في جوان 1952 بمساعدة النقابي مسعود علي سعد والتي أجبرت رئاسة الحكومة الفرنسية على إعطاء الضوء الأخضر لتنظيم اليد الحمراء بتصفية الرجل !

6- في سياق أبحاثي حول المناضل المحامي الأستاذ الطيّب الغشّام (1903-1953) زميل الزعيم بورقيبة في الدراسة بباريس (بين 1924 و 1927) ورفيق دربه في النضال صلب الحزب الدستوري الجديد منذ 02 مارس 1934 عثرت على شهادة وجدتها في تقرير كتب بخطّ يد الشرطي المكلف بحراسة بورقيبة، « ميسا » Messat » – وكان على خلق وعامل سجينه بكل لطف – قال فيه إثر إعلامه الزعيم بورقيبة بنبأ اغتيال الطيّب الغشّام أمام محكمة المكنين خطأ (عوضا عن شقيقه وزير الصحة في حكومة صلاح الدين البكوش امحمِّد الغشّام) يوم 13 أفريل 1953 عبر الجرائد التي كانت ترد عليه أسبوعيا من مدينة طبرقة:  » (…) سيّدي، ها أننا – أي التونسيّون – نفقد مناضلا وطنيا آخر بعد أن فقدنا منذ أكثر من أربعة أشهر الزعيم حشاد الذي اغتالته يد الغدر الفرنسية (…) « .

ويضيف الشرطي في تقريره أنّ الزعيم بورقيبة في ذاك اليوم  » (…) قد ألقى بصحيفة – La Dépêche Tunisienne – أرضا من شدة الغضب وأمسك عن الكلام مثلما غضب وأمسك عن الكلام معي من قبل لأيام إثر علمه عن طريقي بنبأ اغتيال الزعيم حشاد في ديسمبر 1952  (…) « . (انظر في الغرض دراستي حول المناضل الطيّب الغشّام:

Une figure oubliée de Sousse : Me Tayeb Ghachem (1903-1953)Revue d’Histoire Maghrébine n° : 127, 2007.

وقد أفادني مدير الحزب الدستوري ، الأستاذ محمّد الصيّاح عند محاورتي له بمنزله بتونس العاصمة سنة 2005 أنّ الرئيس بورقيبة قد أمر سفير تونس بفرنسا في مطلع السبعينات، الأستاذ الهادي المبروك بالبحث عن هذا الشرطي « ميسّا » Messat »ه وتوجيه دعوة رسمية له بزيارة تونس. وفعلا تمّ العثور على الرجل في إحدى المقاطعات الفرنسية والاتصال به فقدم إلى بلادنا بعد أكثر من عشرين سنة من عمله بجزيرة جالطة واستقبله الرئيس بورقيبة في قصر صقانس واستدعاه لتناول الغذاء وقضّى معه يوما كاملا وأمر بالإحسان له… !

7- بعد أن تقدم بعض النشطاء التونسيّين المقيمين بفرنسا بشكوى ضد السلطات الفرنسية في شهر أفريل 2010 للمطالبة بالكشف عن قتلة الزعيم حشّاد، أذن الرئيس الفرنسي الحالي « فرنسوا هولند » Fançois Hollande » المختصّين في الأجهزة الرسمة للدولة الفرنسية بالبحث في ملفّ القضية وملابساتها وحيثياتها… وبمناسبة قدومه إلى تونس في جويلية  2013 قام الرئيس الفرنسي باستقبال أرملة الشهيد فرحات حشاد، أمّ الخير ونجله نور الدين وعبّر لهما بصريح العبارة عن « أسفه لما حصل في 05 ديسمبر 1952 في حقّ الزعيم حشاد » كما أمدهما بعلبتين « Deux boites » مليئتين بالوثائق التاريخية المتصلة بعملية الاغتيال تثبتان ضلوع الجهاز الرسمي للمخابرات والمخابرات المضادة « SEDES » بعملية الاغتيال من ألفها إلى يائها. وبوصفي عضوا في المجلس العلمي  لمؤسسة حشاد فقد حدثني الأستاذ نور الدين حشاد إلى جانب البعض من الزملاء المؤرّخين  عن محتويات هاتين العلبتين. وبذلك فإنّ عملية اغتيال الزعيم حشاد ترقى إلى « جريمة دولة » بما للكلمة من معنى !

وإذا ما انقاد الكثير من المثقفين في تونس وخارجها ومن بينهم السيّد لطفي زيتون وصاحب هذا المقال عادل الزيتوني وأمثالهم كثيرون إلى مثل المغالطات التاريخية التي نظّر وروّج لها منذ مطلع الاستقلال عديد الأطراف السياسية والنقابية على حد سواء، بترديدهم في الجهر والعلن ضلوع الحبيب بورقيبة في عملية اغتيال الزعيم فرحات حشاد دون حجج وبراهين بغاية تشويه صورة الرجل وتأليب العديد من العائلات السياسية ضده، إلى درجة أنها انطلت على الكثير من التونسيّين وفي مقدمتهم صاحب هذا المقال والمتحدث إلى قناة الجزيرة بصفة « مؤرّخ »… ، فإنّه من المؤسف أن تنطلي هذه المغالطة مرّة أخرى  على البعض من السياسيّين والنقابيّين والوطنيّين في تونس اليوم  حيث طفحت مجدّدا قضيّة اغتيال حشاد على الساحة إلى جانب عديد القضايا « المفبركة » على غرار قضيّة اليوسفيّين واغتيال الزعيم صالح بن يوسف والمحاولة الانقلابية لسنة 1962 … وغيرها، كما سقط بعضها بعامل التقادم بعد مرور أكثر من ستين سنة على وقوعها.

غير أنّ طرح مثل هذه القضايا بعد 14 جانفي 2011 كان في هذه المرّة أكثر حدّة من المرّة الأولى وعلى يد أطراف وفي مقدمتها هيئة الحقيقة والكرامة عبر جلسات الإنصات الشهرية التي استمعنا ولا نزال نستمع إليها، وذلك لخلفيات وحسابات سياسية، إن لم نقل سياسوية صرفة. كما نسي هؤلاء أنّ هذه القضايا ورغم ما يدعونه من القيود المسلطة من قبل النظام (خلال الحقبتين البورقيبية والنوفمبرية) على الجامعة والبحث العلمي قد تمّ الحسم فيها بحثا ودراسة وتمحيصا من طرف معشر المؤرّخين في مؤلفات ودراسات ومقالات ومنابر أكاديمية… !

وأنّ ما تقوم به رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، الأستاذة سهام بن سدرين اليوم ليس مساهمة منها في إعادة كتابة تاريخ تونس، بل هي محاولة توجيه وتوظيف لها في اتجاه معيّن. وقد ثبت للكثير من التونسيّين بعد جلسة الانصات الثلاث التي استمعنا إليها إلى حد الآن أنها محاولة غير بريئة ستكون لها في القريب العاجل نتائج وخيمة، بل عكسية خلافا لما خطّطت له مع بعض الأطراف الفاعلة في السلطة ممّن يقومون بتوجيهها قصد تكريس هذا المنحى في كتابة تاريخنا المعاصر.

د. عادل بن يوسف – أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الانسانية بسوسة – (جامعة سوسة).

[1] أمكن لنجل الفقيد الأستاذ نور الدين حشاد الاطلاع على هذه المخطوطة بإذن من ابنة المقيم العام « مونيك دي هوت كلوك » Monique De Hauteclocque » بمنزلها بباريس يوم 03 نوفمبر 1998. أورده الأستاذ أحمد خالد في كتابه: « Ahmed Khaled, Farhat Hached. Héros de la lutte sociale et nationale. Martyr de la liberté, éd. Zakharef, Tunis, 2007 » ، ص 421) وغيره من المراجع الأخرى.

د. عادل بن يوسف – أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الانسانية بسوسة – (جامعة سوسة).

 

Advertisements

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :