Poster un commentaire

Slaheddine Jourchi: Une année après le complot d’Ennahda (Mai 1992)


jourchiSlaheddine Jourchi: ancien de la Jamâa islamya, jugé et acquité dans l’affaire du MTI en 1981, journaliste et grand spécialiste des mouvements intégristes et des phénomènes politico-religieux dans le monde arabo-méditerranéen est l’auteur des deux articles suivants parus sur Almajella de Londres au mois de Mai 1992.

تونس : خطا استراتيجي ارتكبته حركة النهضة
سنة على اكتشاف « المؤامراة
تونس: صلاح الدين ألجرشي
1992مجلة « المجلة » من 13 إلى 19 ماي

(الحلقة 1)
تونس : خطا استراتيجي ارتكبته حركة النهضة
تونس: صلاح الدين ألجرشي
1992مجلة « المجلة » من 13 إلى 19 ماي

مع حلول الثاني والعشرين من مايو (ايار) الجاري تكون قد مرت سنة على اعلان وزير الدولة ووزير الداخلية التونسي عن اكتشاف مصالح الامن  » مؤامرة دبرتها حركة النهضة من اجل الانقضاض على الحكم  » ، وكان قد جاء فى ندوته الصحفية أن الحركة وضعت لذلك خطة من خمس مراحل ، وانها بدات تتهيا للمرحلة الأخيرة التي ستقوم فيها العناصر العسكرية بالدور الحاسم .
ويتهيأ الرأي العام التونسي حاليا لمحاكمة ذات طابع سياسي ينتظر فيها منذ نوفمبر (تشرين الثاني)1987 تاريخ استلام الرئيس زين العابدين بن علي مقاليد الحكم( وتفيد بعض المصادر الطلعة أن المحاكمة ستشمل 200 متهم بينهم عدد من العسكريين من مختلف الرتب والسؤال الذي طالما طرحه المراقبون ، وتبادله المهتمون بشؤون تونس بصفة عامة، وشؤون الحركة الإسلامية بصفة خاصة، يتمحور حول الأسباب الحقيقة التي أدت إلى « تبخر « حركة النهضة ميدانيا بسرعة غير متوقعة. وقد ظن الجميع ، بمن في ذلك رجال السلطة ، أن اقتلاع هياكل الحركة سيكون أكثر صعوبة ، وسيتطلب مدة زمنية أطول ، وسيكون له انعكاسات سياسية مباشرة كما حصل عام 1987اثناء المواجهة مع الرئيس السابق الحبيب بورقيبة .
في هذه الحلقة الأولى من هذا الملف سنحاول رصد تطور العلاقة بين حركة النهضة والسلطة منذ الأيام الأولى للنظام الجديد ، و إبراز الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الحركة، والذي بموجبه وجد كل من الطرفين نفسه في حالة خوف ومواجهة .
ابلغ احد الصحافيين إلى السيد الهادي البكوش ، بصفته الوزير الأول انه سينتقل إلى لندن للاتصال بقيادات حركة الاتجاه الإسلامي المقيمة خارج البلاد ، وذلك بمبادرة شخصية قصد المساهمة تطبيع العلاقة بين الحركة والسلطة ، وسال الصحافي إن كانت هناك للوزير الأول رسالة شفوية يريد تبليغها ، فكان حذرا كالعادة ، لكنه خصه يومها بمعلومات تم اطلاع الرأي العام على بعض جوانبها في ما يعد ، عن المجموعة الأمنية التابعة للاتجاه الإسلامي والتي شكلت يومها صدمة للطبقة السياسية التونسية. هذه المجموعة التي تتركب من عناصر عسكرية و أمنية و سمت نفسها :مجموعة الإنقاذ الوطني ، كانت تستعد للقيام بانقلاب ضد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، وحددت يوم الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 موعدا للتنفيذ. وبدأت العد التنازلي، إلا أنها فوجئت بمبادرة السابع من نوفمبر (تشرين الثاني). ولم تمض سوى أيام قليلة حتى تمكنت مصالح الأمن- في العهد الجديد- من أن تكشف النقاب عن المجموعة و بدأت في اعتقال أبرز عناصرها.
و كانت الإشارة العامة التي وردت في الرسالة ، الشفوية للبكوش- عبر الصحافي – أن السلطة رغم قلقها من العلاقة القائمة بين الحركة و بين المجموعة ،.لا تنوي اتهام الحركة ، وستكتفي بمحاسبة العناصر المعتقلة دون الإشارة إلى هويتها السياسية أي أن الرئيس بن علي قد قرر أن يتعامل مع الحركة تعاملا سياسيا وليس أمنيا .
خلاف
وطار الصحافي إلى لندن ، ثم باريس ، وجنيف و تابع طيلة أسبوعين النقاشات الساخنة ، و الخلافات الحادة التي دارت بين الوجوه السياسية و التنظيمية لحركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليا ) فهناك قسم أبدي حماسا كبيرا للتعاون مع السلطة ، والرد إيجابا على مبادرات الرئيس بن علي ، مقدرا فيه شجاعته التي دفعته لإزاحة بورقيبة (الخصم التاريخي للإسلاميين ) . و في المقابل هناك جناح آخر يعرف ب « مجموعة باريس » تميز موقفه بالحذر وإثارة الشكوك و المطالبة بالعديد من الضمانات.
و كان هناك نقاش مشابه يجري داخل السجون في تونس. وكان الجميع ينتظرون موقف راشد الغنوشي الذي أكسبته محاكمة بورقيبة شرعية إضافية. و عندما عاد الصحافي من أوروبا حاملا رسالة موقعة من عبد الفتاح مورو (الوجه الثاني في الحركة). وسلمها إلى د.حمودة بن سلامة قبل توليه الوزارة.الذي رفعها إلى رئيس الدّولة. اتجهت فيها السلطة إلى البدء بإطلاق سراح الغنوشي رئيس الحركة على عكس ما جرت به العادة..ويبدو أن الدافع إلى ذلك يمكن حصره في سببين:
1- تقدير شخصي من رئيس الدولة للغنوشي ، الذي كان يطمئن إليه بالمقارنة مع بقية العناصر ولا يزال الرئيس بن علي يردد انه عندما كان وزيرا للداخلية خالف الرئيس بورقيبة في مسالتين ، الأولى عندما أمر بورقيبة بحل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والثانية عندما اعترض على قرار إعدام الغنوشي الذي كان واردا قبل ساعات قليلة من إصدار الحكم .
2- الثقل الذي يتمتع به الغنوشي داخل حركته وهو ما يجعله قادرا على تمرير أي اتفاق يتم التوصل إليه خلال المفاوضات .
مرحلة الثقة المتبادلة
وقد دعم الغنوشي الخطوة التي قام بها مورو وجاء في أول تصريح له بعد خروجه من السجن : ثقتنا في الله وفي الرئيس بن علي كبيرة ، وبعدها توالت إجراءات تسريح المساجين حتى لم يبق في المعتقلات سجين واحد .وهكذا تميزت علاقة النهضة بالنظام الجديد خلال سنتين بالثقة النسبيّة المتبادلة . وظهرت التطمينات من الجانبين حول التعاون والاستقرار وتوالت في هذا السياق – المؤشرات الايجابية إلى درجة أقلقت الأوساط المخاصمة للإسلاميين – هذه الأوساط التي أصبحت تخشي تكرار السيناريو السوداني أيام تحالف الإخوان مع الرئيس السابق جعفر النميري .
فمن جهة السلطة تم اتخاذ عدد هام من الإجراءات في سباق ما سمي رسميا عودة التصالح بين الدولة والدين أو إعادة الاعتبار إلى الهوية العربية الإسلامية. من ذلك إذاعة الأذان في وسائل الاعلام السمعية والبصرية وعودة الجامعة الزيتونية وتدعيم المجلس الإسلامي الأعلى والعودة إلى كتابة الدولة للشؤون الدينية واعتماد رؤية الهلال في ضبط دخول شهر رمضان و اعلان العيد وقد يبدو ذلك أمرا عاديا في أي دولة إسلامية . إلا انه بالمقارنة مع نمط تفكير بورقيبة وأسلوب تعامله مع المسائل ذات الطابع الديني تُعتتبر هذه القرارات تحولا هاما في تاريخ النظام التونسي يضاف إلى ذلك اشتراك الحركة في وضع و صياغة الميثاق الوطني و تكليف أحد مستشاري رئيس الدولة بملف التعامل معها.
أما في ما يتعلق بمنح التأشيرة و الاعتراف القانوني بحزب النهضة فقد تردد النظام كثيرا أمام هذا الإجراء فرئيس الدولة أكد لأكثر من شخصية وطنية أنه لا يزال يبحث الموضوع و أنه لن يمانع إذا توفرت الشروط.
و خوفا من الطابع الديني للحركة ، صدر بشكل مواز قانونان . قانون المساجد الذي يعزز إشراف الإدارة على الفضاءات المسجدية و قانون الأحزاب الذي يمنع الاعتراف بأحزاب تقوم على أساس ديني .
أما من جهة الحركة فقد تواصلت النقاشات الداخلية من أجل تعميم الموقف الجديد من السلطة و التكيف مع مقتضيات المرحلة . بما في ذلك الاستجابة لشروط السلطة على الأقل في ما يتعلق بالجوانب الشكلية كالتسمية وفصل ملف المجموعة الأمنية عن ملف الحركة واتخاذ مواقف ايجابية كالتنديد بالعنف وعدم التعامل مع الخارج وتزكية مجلة الأحوال الشخصية التي تُتهم الحركة بالعمل على تعديل بعض بنودها، وبإيجاز الأخذ بكل مقتضيات خيار الطمأنة الذي اعتمدته القيادة في مطلع علاقتها بالنظام الجديد .
الانتخابات وانقلاب المواقف
استمر الأمر على هذا الحال . رغم ان الملفات الشخصية لم تتم تسويتها وحصول تباينات بين الحركة والمكلفين رسميا بإدارة الحوار معها إلى أن انطلقت الاستعدادات للانتخابات التشريعية التي نظمت في 2 افريل (نيسان )1989 .
و حتى تضمن السلطة مشاركة نسبية للمعارضة في البرلمان وتحمي استمرار المؤسسات الدستورية دون حصول تغيير مفاجئ في موازين القوى السياسية قدمت مقترحين إلى الأحزاب دعت في المقترح الأول إلى أجزاء انتخابات جزئية موسعة ، تكون بمثابة العينة التي في ضوئها يمكن إدخال تعديلات على المجلة الانتخابية وعندما رفضت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين المقترح وطالبت بانتخابات عامة وشاملة ، اقترحت السلطة تشكيل جبهة انتخابية تضم جميع الأطراف الموقعة على الميثاق الوطني .
ورغم الجدل الذي شق هياكل حركة النهضة إلا أن النية اتجهت في الأخير نحو قبول الصيغة والمشاركة ضمن الجبهة وعندما اجتمعت الأطراف بحضور الوزير الأول فوجئ ممثل النهضة بموقف احمد المستيري الذي رفض صيغة الجبهة وفضل مشاركة حركته في
الانتخابات بطريقة منفردة وهكذا انفرط الاتفاق وبدا واضحا أن الوضع السياسي يتجه نحو أزمة حادة
وهنا حصل تغيير مفاجئ وكبير في سياسة النهضة . فبعد أن قبلت مبدأ عدم المشاركة في الانتخابات وربما لم تعترض على دعم قوائم التجمع الدستوري الديمقراطي مقابل الاعتراف بها قررت فجأة المشاركة عبر قوائم مستقلة ». ثم قفزت من مجرد المشاركة الرمزية في بعض الدوائر إلى تقديم قوائم انتخابية في جميع الدوائر لتكون المنافس الوحيد للحزب الحاكم على المستويين المحلي والوطني وبدل الحضور الشكلي في مختلف هذه الدوائر اندفعت القواعد لتقوم بتعبئه قصوى وتجنيد الآلاف من الأتباع والأنصار إلى درجة أقلقت الجهات الرسمية التي وجدت نفسها مدفوعة هي أيضا إلى تسخير كل الطاقات والإمكانات من اجل مواجهة هذا الانقلاب المفاجئ في سياسة الحركة .
وبدل أن تلتزم القوائم بخطاب انتخابي وسياسي مطمئن ومعتدل. تورط معظمها في التلويح بشعارات تتناقض جوهريا مع ما صرحت به قيادات النهضة والتزمت به الحركة وهي توقع على الميثاق الوطني خاصة لجهة المساواة وحقوق الإنسان وهو ما دفع الطبقة السياسية إلى التعبير عن مخاوفها ومعارضتها للمشروع المجتمعي لحركة النهضة واتهامها من جديد بازدواجية الخطاب، ثمّ جرت الانتخابات وتجند  » النهضويون  » لمراقبة عمليات فرز الأصوات وبالرغم من أن النتائج الرسمية اعتبرتهم القوة السياسية الثانية في البلاد وأقرت حصولهم على 18 % من مجموعة الأصوات إلا إن اعنف بيان ضد السلطة بعد الإعلان عن النتائج كان بيان النهضة
وبذلك حصلت القطيعة وتجمعت أسباب المواجهة والتصعيد
على أن كل تحليل لما آلت إليه العلاقة بين السلطة والنهضة لا يستقيم إلا إذا انطلق من الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه قيادة النهضة . عندما استهوتها التجربة الانتخابية فاندفعت بطريقة أخافت السلطة وأفزعت النخبة السياسية وانتقلت – طفرة واحدة – من طرف سياسي يبحث عن تأشيرة الاعتراف القانوني واحتلال بضعة مقاعد في البرلمان إلى لعب دور القوة الضاغطة والمحورية التي لا تكتفي بتزعم المعارضة ، إنما ترى في نفسها الكفاءة والمشروعية للقول أنها صاحبة الأغلبية في مجلس النواب بل صاحبة الفضل في التغيير الذي حصل يوم السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) ،
على أن لعبة الانتخابات سيف ذو حدين والحركة التي لا تحسن التعامل معها سرعان ما تنسى ذاتها وتغفل طبيعة المرحلة وهشاشة الإطار، وتصاب قواعدها بالجنوح وحرق المراحل ويبدو لها الحكم وكأنه ثمرة حان قطافها . ومنذ ذلك التاريخ انقلبت المعادلات وأصبحت السفينة لها ربانان وتدهورت العلاقة بسرعة من الثقة الحذرة إلى التوجس فالشعور بالخطر، فاندلاع معركة مفتوحة من اجل الشرعية.
وبعد اقل من ثلاثة سنوات كررت جبهة الإنقاذ في الجزائر الخطأ ذاته وان كان بأسلوب موسع وفي سياق سياسي مختلف والنتيجة واحدة: إشاعة الخوف من مضاعفات التحولات المفاجئة في موازين القوى وإشعار الآخرين بان السفينة لا بد لها من ربان واحد .
تونس: صلاح الدين ألجرشي
(الحلقة الثانية والأخيرة في العدد المقبل )
سنة على اكتشاف  » المؤامراة »(الحلقة الاخيرة)
غاب الغنوشي فتضخمت أوهامه واضطربت حساباته

https://tunisitri.wordpress.com/2010/05/25/%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%A9-tunisie-mai-1992un-an-apres-le-complot-de-nahdha/
___________________________________

سنة على اكتشاف  » المؤامرة

 

الحلقة الأخيرة

غــــــــاب الغنــــوشي فتضخمت أوهــــامه واضطربت حســــابـاته
هنا الحلقة الثانية و الأخيرة من قصة العلاقة بين السلطة التونسية في عهد الرئيس زين العابدين بن علي و بين حركة النهضة في تونس

غــــــــاب الغنــــوشي فتضخمت أوهــــامه واضطربت حســــابـاته

هنا الحلقة الثانية و الأخيرة من قصة العلاقة بين السلطة التونسية في عهد الرئيس زين العابدين بن علي و بين حركة
النهضة في تونس
مع الإعلان عن نتائج الانتخابات 2 ابريل (نيسان) 1989 واكتساح الحزب الحاكم كل مقاعد مجلس النواب حصلت جفوة بين السلطة وبقية أطراف المعارضة، بما في ذلك قطاع من المثقفين غير المنتمين إلى الأحزاب. فبعد الانتخابات بأسابيع قليلة غادر راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة البلاد بطريقة عادية، ولم يكن يعلم انه سيقضي سنوات طويلة متنقلا من دولة إلى أخرى، و كلما طالت هجرته قل إلمامه بخصوصيات الواقع الوطني وملابساته الظرفية والخفية. فالسياسي الذي تنقطع صلته بالواقع الوطني، وتتناقص قدرته على الإحاطة بخفايا الأمور والتطورات البطيئة للأوضاع. تتضخم أوهامه، وتكثر أخطاؤه، وتضطرب حساباته.
بدأت أجهزة الأمن منذ زمن مبكر، تجمع المعلومات وتحلل الطريقة التي نظمت بها حركة النهضة حملتها الانتخابية، و راحت ترصد تحركات بعض العناصر التي تعودت العمل بعيدا عن الأضواء وكان من ضمن العناصر التي تم إيقافها بعض الذين اشتغلوا أو لا يزالون في الجيش ومصالح وزارة الداخلية .
وقدر الغنوشي أن المواجهة أصبحت حتمية هذا وبدون مقدمات، تعرض في جلسة خاصة جمعته بعمال مغاربة مهاجرين في باريس، إلى المس المباشر بشخص رئيس الدولة وقد اعتبره الكثيرون ممن سمعوه خطأ سياسيا فادحا لأنه من جهة ينزلق بالخطاب السياسي إلى مستويات مسدودة، ومن جهة أخرى يمنع استئناف الحوار الذي يبقي إمكانية واردة مهما تأزمت العلاقات بين الأطراف السياسية. وهو ما جعل قيادات الحركة في الداخل تتفاجأ و ترتبك، وتعتبر ما صدر عن رئيس النهضة لا يُلزمها .
ثم انفجرت أزمة الخليج فأصدرت النهضة في البداية موقفا اعتبر معتدلا. و بعد ذلك أدلى حمادي الجبالي مدير جريدة « الفجر » الناطقة باسم الحركة بتصريح حَمَل فيه على صدام حسين وقال انه سيتسبب في تدمير بلاده. واعتبر أن دول الخليج من حقها الاستنجاد بالقوى والدول الحليفة. وفجأة، اصدر الغنوشي . نصّه الشهير الذي هاجم فيه دول الخليج، وزعم أن الصراع قائم بين المُستضعفين و المستكبرين إقليميا ودوليا. وكانت النتيجة انهيار الجسور مع دول الخليج، وتوجس العواصم العربية، وفقدان الحزب غطاؤه الدولي، كما برزت الخلافات الداخلية حول مدى إلزاميّة مواقف و تصريحات الغنوشي. بل أن عبدالفتاح مورو ـ الوجه الثاني في الحركة ـ صرح بان الغنوشي لم يعد رئيسا للنهضة، وتحدث عن شغور في الرئاسة .
محاولة أخيرةوقبل الحسم الميداني واعتقال العناصر القياديّة، حاول رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان حسيب بن عمار ( شخصية وطنية مستقلة تحظى بتقدير جميع الأطراف ) القيام بمساع لإصلاح ذات البين. أو على الأقل وضع حد للتدهور. واستقبل لهذا الغرض من قبل رئيس الدولة. وكادت مساعيه أن تحقق بعض الأهداف، لولا حصول خلاف داخل الأطر العليا للحركة، وتغلب الجناح المتصلب الذي تقدم بشرطين؛ الحوار المباشر مع رئيس الدولة والاعتراف بالحركة. وعندما وقعت اضطرابات عنيفة في بعض ضواحي العاصمة، قرر الرجل تجميد مبادرته، لتبدأ عمليات التصعيد السياسي والميداني. وبلغ التوتر أقصاه عندما تم الهجوم على مقر التجمع الدستوري الديمقراطي في باب سويقة، الذي أسفر عن موت احد الحراس.
وقد أثرت هذه الحادثة كثيرا على الحركة، وألحقت بها أضرارا سياسية وبشرية هامة، استنكرها الرأي العام. وقامت عناصر قياديّة بتجميد عضويتها (مبادرة مورو ) كما تجسدت القطيعة عمليا بين النهضة وبين الأحزاب التونسية. وارتبكت مواقف القيادة بشكل واضح، معتمدة على مقولة « العنف المولد للعنف ». و تمت تصفية هياكل الاتحاد العام التونسي للطلبة، الذي كان يُعتبر من مكاسب الحركة في ظل « العهد الجديد ». وضربت مواقع الاتجاه الإسلامي الذي كان يشكل الذراع الضاربة للحركة.
وعاد الحديث مرة أخرى عن الجناح الأمني أو العسكري للحركة، وهو الملف المعقد والخطير الذي لم يُحسم الأمر فيه داخليا. فازدواجية التنظيم خطأ ورثته حركات إسلامية كثيرة عن « الاخوان  » في الأربعينات، وكشفت كل التجارب عن مخاطره السياسية والفكرية والحركية.
أسباب الانهيار
و تواصلت سياسية تقليم الأظافر، إلى أن غابت كل مظاهر المقاومة بمختلف أشكالها. و بذلك حققت « الخطة الأمنية  » أهدافها، وتركت في الوقت نفسه تساؤلات حول الأسباب الرئيسية التي ساعدت كثيرا على التصفية الميدانية للحركة والتعجيل بسقوط التنظيم الذي كان إلى حد قريب يُعتبر من الأرقام المجهولة في الساحة السياسية التونسية. وهناك ثمانية أسباب يمكن ذكرها في هذا السياق :
1 ـ  » لعبة القط والفار » التي اتبعتها أجهزة الأمن، والتي فوّتت على الحركة فرص التعبئة. وضيّقت حدود المناورة التنظيمية، وعجّلت باعتقال القيادات دون عناء كبير، على عكس ما حدث عام 1987. وقد وفّرت الانتخابات التشريعية فرصة لاستكمال المعلومات حول ميكانيكية الجسم الحركي .
2- مطاردة الكوادر الميدانيّة التي لها تاريخ تنظيمي، مما اربك مجموعات القاعدة واضطرها إلى إيجاد نوع من اللامركزية الجهوية للتنظيم .
3- اعتقال بعض العناصر الأمنية الموالية للحركة في وقت مبكر، مما اضعف جهاز المخابرات الخاص بالتنظيم، وقلل مصادر معلوماته، فتوالت الضربات بشكل سريع ومؤلم .
4- غياب السند الخارجي الذي كان له دور فعال في الداخل .
5- التقدير الخاطئ لقوة النظام وقدرته على المواجهة والصمود. فقد ظنت بعض القيادات أن النظام معزول، وتوقعت انه سيتراجع وسيحاول تجنب الصدام لاعتبارات داخلية وخارجية، وانه مهدد بالاختناق السريع في حال إعادة « النهضويين » إلى السجن، أو ربما لجا إلى إعلان حالة الطوارئ فتنفجر تناقضاته الداخلية. والأكيد أن نموذج مواجهة 1987 كان يشكل مرجعا لدى العديد من أبناء الحركة. لكن الفوارق كانت جوهرية بين تلك المرحلة وهذه.
6- انقلاب الرهان الجزائري. حيث وضعت حركة النهضة ثقتها التامة في التجربة الديمقراطية الجزائرية، وكانت تقديراتها أن الأمر هناك سيؤول ـ في أسوء الحالات ـ إلى مشاركة الإسلاميين في السلطة، و ظنت انه بالإمكان اعتماد الجزائر كقاعدة دائمة للضغط السياسي. وهو ما يفسر تفكير الغنوشي في اتخاذها مستقرا له ولجوء العديد من الوجوه التنظيمية إليها.
وقد تولت صحافة الأحزاب والحركات الإسلامية الجزائرية الدفاع عن الحركة وتكثيف الحملة السياسية على النظام التونسي، مما آثر بوضوح على العلاقات الثنائية بين البلدين. لكن، و بطريقة مفاجئة، انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، وتبين أن قيادة جبهة الإنقاذ لم تكن تلعب بمصيرها ومصير الجزائر فقط، ولكن أيضا بمصير الغنوشي وحركته.
7- تباين حسابات الأحزاب السياسية التونسية مع حسابات النهضة. فبقدر ما التقت مصالح الجميع عام 1987 عندما شاخ نظام الرئيس السابق، تباعدت هذه المرة الأهداف والتقديرات بين الشقين. فقد اختارت الأحزاب المعترف بها مساندة السلطة في معركتها ضد النهضة بصفة صريحة أو ضمنية. وهي وأن تحفظت عن بعض الأساليب، إلا أنها لم تقف مع الغنوشي كما فعلت في الأشهر الأخيرة من أيام حكم بورقيبة .
8- امتناع الجماهير عن تقديم أي سند علني إلى مختلف تحركات النهضة رغم النداءات المتكررة في هذا الاتجاه، وكان آخرها نداء ورد من الجزائر ودعا إلى « العصيان المدني ». وهو نداء دل بوضوح على أهمية الصدمة التي تلقتها القيادة عندما التفتت فوجدت « الجماهير » تتخلى عنها في اللحظات الحرجة.
والمعروف أن جماهير الانتخابات ليست جماهير المواجهات. وبما أن الحركة قدرت حصولها على ثلاثمائة ألف صوت على الأقل في انتخابات 1989، فقد ظنت بعض القيادات بإمكانية استثمار هذا الرصيد أو جزء منه في سياسات التصعيد .
لا شارع ولا جامعة
وهكذا غابت النهضة من الشارع ومن الجامعة، ولم تعد تشكل ميدانيا قوة مشاكسة أو مهددة لموازين القوى في هذه الفترة على الأقل. لكن ذلك لم يمنع بقاء شبحها جاثما، ولا يزال التساؤل قائما عن حجمها ودورها المستقبل. كما يجمع المراقبون أن المعركة التي دارت، تركت آثارا سلبية، انعكست حينا على علاقة السلطة بالأحزاب، وحينا آخر على العلاقة بــ »الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان » في الداخل، والمنظمات الدولية المختصة في مجال حقوق الإنسان.
ولا يزال رجال السياسة والفكر في تونس يتحدثون عن ضرورة تجاوز مضاعفات الأزمة، والعودة إلى إرساء تصور بعيد المدى قائم على أساس الحوار ومعالجة الملفات معالجة سياسية، شاملة ومتكاملة. ومنهم من يعتبر »الحالة الإسلامية  » أكثر تعقيدا، وتتجاوز أسبابها و مبرراتها السطح السياسي وحدود القطر التونسي
.
تونس صلاح الدين الجورشي
مجلة « المجلة » من 13 إلى 19 ماي 1992
Tunisie. Mai 1992, un an après le complot du Nahdha
https://tunisitri.wordpress.com/2010/05/27/1444//

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :