2 Commentaires

Hamadi Jaballah: Le dialogue pour la consécration de la transition démocratique


jaballah

الحوار في طور ترسيخ

الانتقال الديمقراطي التونسي

حمادي بن جاءبالله
جامعة تونس

سيداتي الفضليات
سادتي الأفاضل

شرف كبير لي أن أتحدث أليكم اليوم في شان أضحى في صدارة الشؤون الوطنية ’ هو ترسيخ عملية  »الانتقال الديمقراطي » ’وذلك لاعتبارات ثلاثة متضافرة :

أولها وأسماها معنى وقيمة ’ ان الحرية ’وبالتالي الديمقراطية من أوثق الأركان التي يمكن آن ترسى عليها ثقافة السلم موضوع ملتقانا هذا ’ وثانيها أن الحوار كان من أهم مناهج الممارسة السياسية على درب انجاز ما انجز من أهداف ثورة شباب مدرسة الجمهورية على تواضعه حتى الآن ’ وثالثها أن هذا الانتقال المنشود من أهم لحظات التاريخ التونسي المباشر’بل يذهب بي الرأي إلى اعتباره من أسعد لحظات التاريخ العربي الإسلامي على الإطلاق .
وتشكل هذه العملية الطور الثالث من ذلك المسار الثوري ’ ونصطلح –ان سمحتم- على تسميته بطور « ترسيخ الانتقال الديمقراطي  » بعد ان وفّقت تونس ضربا من التوفيق -رغم العوائق العاتية- في تأمين الطورين السالفين  » طور الإعداد للثورة  » و »طور الانتقال  » ذاته .فأما طور الإعداد فهو بعيد في الزمن ’ ولكن بدأ تكثيفه Intensification مناضلو الحوض المنجمي منذ أوائل جانفي 2008 . وأما طور الانتقال فقد بدا يوم 14 جانفي 2011.ونحن اليوم معنيون بترسيخ ذلك المسار الانتقالي حتى نجنبه
-أوّلا كل نكسة محتملة بحكم تراكم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في وضع اتسم بعجز سياسي لا نملك إلا أن نأسف له ’
– وثانيا ’ما يمكن أن يحيق به من مكر  » الثورة المضادة » التي صمتت عما أعيتها نشدته أيام حكم  »الترويكا » و »التأسيسي » ’ وما فشلت في الحصول عليه تشريعيا بالجملة البينة ’ ولكنها ستحاول التسلل إليه مدنيا بالتفصيل المتستر ’تحت مسميات اخرى’ وبوسائط لم تعد خافية على أحد داخل المجتمع المدني …
– وثالثا لمزيد تعميق الوعي الوطني بما يفرضه  »الانتقال الديمقراطي  » على الوطنيين الخلّص من تضحيات لامناص منها. و »من يخطب الحسناء لا يغله المهر  » ’ وهل حسناء أجمل من الحرية ؟
وليس مما يحتاج إلى بيان أنّ المنهج الحواري هو اليوم آكد ما يكون لترسيخ المسار الثوري.لذلك استأذنكم في ألاّ أتحدث إليكم في نظرية الحوار ولا في فلسفته ’ ولا في آدابه باطلاق ’ وانما في تبلوره في المراس السياسي التونسي , واندراجة في التجربة الوطنية التاريخية ’ وفي بعض شروط نجاحه في مرحلة الترسيخ المستقبلية.
سيداتي ’
سادتي
لا تشهد الشعوب في تاريخها أياما أعسر من أيام التغيير الجذري الذي يطرأ على أبنيتها الفكرية والسياسية والاقتصادية .وهي لا تحتاج إلى الحكمة في تدبير شؤونها قدر ما تحتاجها في تلك الظروف .
وأحوال الشعوب لا تتبدل عن هوى عابر’ أو عن صدفة هابّة ’ ولا عن تدبير شيطاني ’ حتى لو فرضنا له من المكر ما ينشق له القمر .ففي حياة الشعوب وحدها ما يفسر حركة مجتمعاتها ’ وليس لأية قوة خارجية أية فاعلية تذكر’ ما لم تجد عند تلك الشعوب حاضنة متواطئة تجعل الوطن أرضا لكل واطئ ’ أو أرادة أهلية تنفتح بها على الوافد لتأخذ عنه وتهب له . فما هانت أوطان إلاّ من هوانها على أبنائها ’وما سادت أوطان الاّ بقيام أبنائها لها .
ولذلك كان ايميل دوركايم E.Durkheimيذهب إلى أنّ المنهج العلمي يقضي في دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء موضوعية خارج الذهن ’ لا تقلّ عن الظواهر الطبيعية خضوعا لمبدأ السببية . وكان اوغست كونت A.Comte بيّن ان الثورة الفرنسية ’ لم تكن ناتجة عن إرادة شخص’ أو عن رغبات بعض الأشخاص ’ بل عن حركة التحديث الفرنسية التي ابتدأت منذ القرن الثاني عشر بفعل عاملين : الأول اقتصادي تمثل في بداية انحلال النظام الإقطاعي مع بديات  »حروب الفرنجة » أو  »الحروب الصليبية  » ’ وظهور  »الكومونات  » والتنظيمات الحرفية ’ وتلك بداية تحرير إرادة الإنسان الفرنسي مع بدايات تشكل » البورجوازية ». والعامل الثاني من قبيل  »روحي  » او  » فكري  » ترتب عن اقتحام  »العقلانية اليونانية-العربية » المؤسسة المعرفية الفرنسية . وكانت تلك بداية خلخلة الركود الفكري و تحرّر العقل الفرنسي خاصة والعقل الأوروبي عامة .ومن علامات تلك اللحظة التاريخية إدانة 1277 التي أصدرها تامبييه Tempier ’اسقف باريس ’ بأمر من بابا روما لمقاومة  »الغزو الثقافي العربي  » .
وعن تحرر العقل والإرادة كانت حركة الإصلاح البروتستانتي بداية من القرن الخامس عشر ’ ثم عصر » الإحياء  » الأوروبي في القرن السادس عشر ’ ثم الثورة العلمية والفلسفية في القرن السابع عشر’ وهي الثورة التي عنها نشا العصر الحديث بمفاهيمه وقيمه ’وبمزاياه وقضاياه’وبانجازاته وعوائقه …
وكان لابدّ –بضرب من الحتمية التاريخية- للإرادة الحرة والعقل المستنير’ أن ينجزا في الواقع وأن يتحققا في التاريخ ’ وهو ما تعنيه الثورة الفرنسية باعتبارها لحظة مكّنت فيها الحرية لذاتها في الأرض ’ تمكنا عبر عن ماهيته اعلان حقوق الانسان والمواطن لستة 1791 .
وبذلك يخلص أ.كونت الى أنّ دعاة العودة الى  »العهد البائد » او  »النظام القديم » يطلبون المحال ’ بحكم وقوعهم في خطا ابستيمولوجي ’هو اعتبار حركة التاريخ هملا ’ لا تخضع لقوانين ’ فيشدونها –تبعا لذلك-إلى إرادات فردية ’ لها أن توجّهها الوجهة التي تريد ’ وهو وهم من بقايا ما يسميه « الروح اللاهوتية  »التي تشد أحداث الوجود البشري إلى قوى غيبية تسيرها على هواها .لذلك كان في تقدير كونت’ أنّ فكرة  »البطل » ليست الا إسقاطا ميتافيزيقيا Projection métaphysique لفكرة  »الالهه » الدينية .ومن نتائج هذا الإسقاط اللاواعية او من وظائفه المحسوبة ’ تزييف الوعي بالفاعل الحقيقي في التاريخ’ وهو عنده  »المجتمع » او « الانسانية » ’ تماما مثل ما جعل ماركس من « االطبقات الاجتماعية » العلل الفعلية للصيرورة التاريخية …
ولنا أن نستأنس –صوريا على الأقل- – بهذا المنحى الابستيمولوجي لنقول إن ما شهدته تونس منذ 2008 حتى جانفي 2014 كان مرحلة اشتداد سيرورة ثورية تعتمل في عمق الحياة اليومية التونسية خاصة منذ لحقها وهن لا مزيد عليه’ وشقتها تناقضات ما كان لبنية المجمتع والفواعل المتاحة فيها ’ أن تقدر على حلها ’ فكانت الثورة أمرا لامناص منه ’ بعد طول  »تخمر » في رحم الوطن. لذلك لم يكن بورقيبة مثلا صانع تونس وبطلها بل كان صنيعتها ونتاج طموحاتها المتأججة في صدرها .ولأمر كهذا بقي بورقيبة -رغم التعتيم—في صدور التونسيين.
و لنا ان نعود بهذا »التخمر » او  »الانتضاج » كما يقول البيولوجيون الى إجراءات احمد باي وخير الدين في القرن التاسع عشر حتىّ عهد النضال ضد الاستعمار وبناء الدولة الوطنية على يد الزعيم الحبيب بورقيبة رحمه الله .لذلك كانت الثورة التونسية بما لها وما عليها ’ الابن الشرعي لتونس المناضلة ’ و المحصّلة الأصيلة لعرق التونسي في كده اليومي ’ بحلوه ومره ’ بصبره وغضبه ’وبنقائصه ومناقبه ’وبقوابله وفواعله ’ وبنكساته وانتصاراته…فحين يتدبر المرء التاريخ فليس له ان يقول بفشل كلي ولا بنجاح مطلق , وإنما التاريخ عوان بين هذا وذاك…و »البطل التاريخي » هو الفرد أو الفئة الاجتماعية التي تدرك اتجاه حركة التاريخ فتستقلها’ مثلما كان شباب مدرسة الجمهورية بطل الثورة التونسية .
وليس لنا ولا علينا هاهنا ان نبلور نظريا مفهوم الثورة’ بل نكتفي فيه بإشارات إجرائية دالة عيانيا In concreto على ما به تكون حركة اجتماعية ما ’ ثورة .ويذهب بنا التقدير في هذا السياق إلى أن نصادر على أنه ما من فعل إنساني ’فرديا كان ام جمعيا’عاديا كان أم فوق عادي ’ واع أم غير واع ’ يمكن أن يسمى ثورة ما لم تكن
الحرية مطلبه الأوّل والأخير .فلئن كان اللفظ العربي يدل على معاني  »الهيجان  » و »حدة الغضب  » بدل السكون والرضى ’ ففي ذلك ما يشير – ولو في خفاء – الى معاني  »الانتشار » و الانطلاق ’ بدل الانحسار والخمول وهو ما يوجب –عمليا –حركة تنقلب بها الأشياء وتثار ’ مثلما كانت بقرة بني اسرائيل  »تثيرالارض ولا تسقي الحرث  » ’على معنى أنها تقلب وضع التربة قيصبح الأسفل منها الأعلى ’ وينقل التحت إلى الفوق ’ وكأنّ الأصل فيها أن يكون كذلك .أي أنّ ‘الاصل  » ليس ما هو واقع في أعيان الوجود , بل هو ما يجب ان يكون في أفق الإرادة .
وعلى هذا النحو يكون من معاني  »الثورة » العود الى ما يفترض انه  » الأصل  » أو نقطة الابتداء الأولى أي اللاتاريخية التي شانها أن تجعل التاريخ ممكنا .وهوذلك المعنى هو ذاته ما تعنية كلمة Revolutionibus اللاتينية على نحو ما هي مستعملة مثلا في العلم الفلكي او الرياضي كما في عنوان كتاب كوبرنيك De Revolutionibus orbium coelestium أي في دوران الافلاك السماوية.فالثورة هي حركة الدوران عامة ’ كما في قولنا هندسيا  »مخروط دائري » ’ وهو الشكل الذي تسميه اللغة الفرنسية Cône de révolution . ..
واذا سلمنا بما ذهب اليه المثقف التونسي المستنير منذ القرن التاسع عشر أي بداية عصر الاحياء الوطني ’ مستلهما روح الإسلام ’ ومستفيدا استفادة الفكر اليقظ من فتوحات الحداثة ’ بأن  »الأصل في الإنسان هو الحرية  » .والحرية لجميع الناس من غير قصر على  »الأعيان » دون  »العامة » ’ انتهينا إلى انه إمّا أن تكون الحرية حقا كونيا ’ وإما ألاّ توجد ’ وبالتالي فان تقسيم البشر الى  »احرار  » و »عبيد » جرم في حق الإنسان بإطلاق ’واقعا وقيمة .
وليس من الضروري أن تكون الحرية مطلبا مباشرا ’منظّرا ’ واعيا بذاته .بل قد تكون مجرد هاجس لايقوى على التعبير عن ذاته ’ او رغبة ملحة تتخذ أشكالا لا نستبين معانيها الا من وراء سجف متراوحة الشفافية ’كما في صياح الجماهير الثائرة في تونس او في مصر  »خبز وماء وزيد لا » ’ وهو تعبير عن ضيق الصدور أكثر مما هو تعبير عن حقيقة الحرية .وقد صحّحت ثورة شباب مدرسة الجمهورية هذا الشعار الانفعالي بان جعلت « الشغل » وبالتالي  »الخبز  » والاستقلال الذاتي ’ غير منفصل عن الحرية ’ ولا عن الكرامة الوطنية .
والمهم –عمليا- أنّ الثورة بما هي مطالبة بالحرية ’ هي ما به تكون قطيعة تلحق الاتصال الزمانيContinuum temporel ’ فتحدث فيه انكسارا على غير المناهج المعهودة’ فإذا ما أصبح نفي متراوح العمق لما كان .انها إعلان نهاية عالم لو يعد يلائم طموحات الإنسان ’و انقضاء واقع لم يعد يتطابق مع أحلامه .وبوجه أعمّ فان الثورة هي اللحظة التي تحاكم فيها المثل الوقائع كما يقول هيجل عن الثورة الفرنسية ’ حتى لكأنّ عالما برمته ينشأ بحكم تبدل الأحوال .ولعل ابن خلدون كان من ابعد علماء الاجتماع نظرا في التعبير عن خصوصية اللحظة الثورية وان حضر المعنى عنده دون اللفظ : »فاذا تبدّلت الاحوال جملة فكأنما تبدّل الخلق من أصله ’ وتحول العالم بأسره ’ وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة ’ وعالم محدث » .
والحق أن ذلك ‘الخلق الجديد » او تلك  »النشأة المستأنفة  » باعتبارهما علامة على انبجاس « عالم محدث » وظهور واقع بكر لايشكلان حدثا أنيا بل سيرورة ممتدة ’ واندراجا متجددا في التاريخ المتجدد .وتلك اللحظة هي التي نسميها لحظة » الانتقال  » ونضفي عليها صفة ما ’ نعبر بها عن العنصر الغالب عليها ’فنتحدث تارة عن  »الانتقال الاقتصادي  » ونعني به المرور من نمط إنتاج الى نمط إنتاج مغاير’ كالمرور من اقتصاد الدولة الموجه إلى اقتصاد السوق الحر ’ ونتحدّ ث تارة أخرى عن ‘الانتقال الديمقراطي  » ونعني به –إجمالا – المرور من نمط من الحكم اللاديمقراطي ’ سواء كان تسلطياAutoritarisme Aأو ديكتاتوريا’ إلى نمط ديمقراطي ’ على نحو ما شهدته حديثا بعض بلدان جنوب أوروبا كاسبانيا والبرتغال واليونان ’ او بعض بلدان امريكا اللاتينية ’ ثم بعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق .
والأمل معقود على ان يعم المد الديمقراطي الوطن العربي ’ حتى لا تبقى تونس وحيدة ’ كما بقيت وحيدة في مواضع حضارية كثيرة ’ ليس أدناها ريادتها في مجال الأحوال الشخصية والتنظيم الأسري ’او توحيد النظام القضائي ’وإرساء مدرسة الجمهورية على النحو الذي أرسيت عليه منذ سنة 1958’ وهي باقية رغم محاولات وأدها منذ منتصف سبعينات القرن الماضي.وقد كنت نبهت إلى ذلك في إبانه في مقال مطوّل نشرته جريدة  »الرأي  » في بدايات الثمانينات …
و الأكيد أن الفرادة تلك مما يستفز الكثير’ لاسيما من ذوي القربى ’ ويستثير أسباب ردود فعل جلية أو خفية ’ فردية أو جمعية’ واعية بذاتها او غير واعية . وردود الفعل هذه نسميها عادة « الثورة المضادة  ». فاذا كانت الثورة تطلب الحرية فان الثورة المضادة مهما كانت صورها ما يعوق الحرية .ومن صيغها استبدال مطلب الحرية بأي شيء آخر اتفق ’كما شهدنا ذلك في تونس ’ مثل بدائل الهوية ’و » الأسلمة  » و » التعريب » و »الخلافة » او غير ذلك من ذكريات التاريخ البائد ’حتى المطالبة بضروب من التمييز الدالة جهارا بهارا على الانتصار لمبدأ عدم المساواة كالقول بالتكامل بين المرأة والرجل بدل الاعتراف بالمساواة بينهما .
ففكرة الثورة المضادة دالة على جميع القوى الفاعلة في جلاء أو في خفاء ’ ماديا أو معنويا لإبطال انجاز الحرية أو –على الأقل –لإبطاء انجازها. فمما شهدته الثورة التونسية الدعوة الى اسلمة تونس وإعادة فتحها ’ وهي دعوة غير ذات موضوع لأن تونس عامر قلبها بالإيمان بالله منذ أربعة عشر قرنا.والداعون إلى تعريب تونس يتجاهلون أنها عربية الهوى وعربية الحضارة في غير انغلاق على بعد من أبعاد هويتها الانطروبولوجية الممتدة إلى أكثر من مائة قرن قبل المسيح ’ على ما يشهد به معبد القطار .والداعون إلى إحياء لحظة تاريخية من لحظات الصيرورة السياسية العربية والإسلامية يجهلون أنّ تونس-كغيرها من أقطار الوطن العربي – لم تكن في أي يوم من أيام ماضيها –سواء أيام  »الخلافة الأموية » او  »الخلافة العباسية  » ’ وخاصة أيام الاستعمار العثماني او الاستعمار الفرنسي – في وضع ’ أفضل مما هي عليه اليوم’ رغم المصاعب والمحن ’وذلك من جميع الوجوه ’ المادي منها والمعنوي’ وبجميع المقاييس الدولية الموضوعية ’الكيفي منها والكمي ’ مثل المقاييس المعتمدة في برامج الأمم المتحدة لقيس  »النمو » البشري .
وفي هذا الأفق تتجلّى لنا مصاعب انجاز الحرية أي الانتقال بها من المبدأ او المثال  »الأخلاقي –السياسي » إلى المعيش الفردي والجمعي ’  »ممارسة عينية » تمكّن بها الحرية لنفسها في الأرض. وذلك التمكين هو ما نسميه لحظة  »الانتقال الديمقراطي ». .وليس –في الحقيقة –أعسر ولا أدقّ من الاضطلاع بتلك الرسالة .وليس الوطن أحوج الى التقاء إرادات أبنائه مما هو في تلك اللحظة الهشة ’وهو ما يفسر ضرورة الحوار: حوار التونسي مع ماضية وحاضره ومستقبله ’ دون بتر ’ وحوار التونسي مع التونسي دون تحفظ ’ وحوار التونسي مع العالم’ يأخذ عنه دون خوف ’ ويغدق عليه دون منّ. وفوق ذلك كله ’فانّ الحوار من أكد ضرورات البناء الديمقراطي حيثما كان .
ولعل هيرودوت كان أوّل من نبّه على حقيقة لا ريب فيها ’ حيث بيّن -وهو ينقل ’على ما يبدو ’ المحاورة الفارسية الشهيرة بين الإبطال السبعة الذين قضوا على استبداد المجوس ووضعوا الحجر الأساسي للإمبراطورية الفارسية’ وفي مقدمتهم كبيرهم داريوس Darius – ’بيّن ان عيب الديمقراطية الكبير بالمقارنة مع حكم الأقلية من الأشراف و حكم الفرد ’ أنها تتيح الفرصة لنفي ذاتها .وبالتالي كان أروع ما في الديمقراطية ’ يمكن أن يكون سببا في ظهور الديكتاتوريات’ وهي تلك التي تجمع في يد وا حدة سلطة وضع القوانين وسلطة تنفيذها , وأبشعها تلك التي تدّعي وصلا  »بالحاكمية الإلهية » ’بدعة مسيحية ’نقلها العرب وسموها  »الخلافة »
والى مثل ذلك ذهب مونتاسكيو في الفصل الثالث من الكتاب الثالث من مؤلفه  » في روح القوانين  » حيث بيّن –محتذيا حذو ارسطو أنّه لئن كان للحكم الاستبدادي عصاه الغليظة ليفرض الخضوع للقانون ’ أو الرجوع إليه بعد تراخ عارض عنه ’ فليس للديمقراطية الا  »فضائل » مواطنيها لتوجد ’ولتبقى ’ ولتعزز .
وتلك هي أم مصاعب ما نسمّية  » الانتقال الديمقراطي . »ويقيني أن تونس اختارت في ذلك أقوم المسالك وأصعبها معا ’ لأنها انحازت إلى الحرية ’ ولأنها تخيرت الحرية سبيلا إلى الحرية.وهي لم تختر لنفسها فحسب ’ ولكنها اختارت لامتها . لذلك كانت ثورة تونس بداية تحول عظيم في الحضارة العربية والاسلامية لم يشهد التاريخ له مثيلا في أي عهد من عهودها ’ وان لم ترد ذلك ’ ولم تسع له بحكم احترامها لحق الشعوب في تقرير مصيرها ولمبدأ عدم التدخل في شؤون الغير’الا في ما كان موضع تندر يوم أدارت الحكومة التونسية ظهرها للشعب السوري , في غباء مضحك مبك معا.
***II***
ايتها السيدات الكريمات ،
ايها السادة الكرام
يحسن التذكير بأنّ فكرة الانتقال الديمقراطي من المفاهيم المستحدثة في علم الاجتماع السياسي ’وقد ذهب البعض الى أن جعل منه فنا قائم الذات من علم الاجتماع العام وسماه  »علم الانتقال الانتقال’’’Transitologie.ويبدو انه لنا أن نخلص من مختلف توصيفات عمليات الانتقال التي تمت في بلدان عديدة أوروبية ’ وأمريكية وافريقية ’إلى أن نضفي على هذه العملية ثلاثة محددات déterminations أساسية ’ هي التزامن ’ والآنية ’والعرضيةSimultanéité /instantanéité /contingence .
– فالمحدد الأول نعني به أنّ المواطنين يقومون نساء ورجالا ’ قومة شخص واحد للمطالبة بما يعتبره الجميع » الحقوق المهدورة  » .وتحدث عندها ما يشبه المباراة العامة لفضح سوءات النظام القديم وبسط المطالب المشروعة .ومهما كانت مواقفنا من هذه المطالب المتزامنة ’ فإنها دالة بشكل ما على أن النظام القديم سيء –كليا او جزئيا- ولو لم يكن كذلك لما قامت الثورة لإلغائه حتى لو جندت ضده قوى الأرض مجتمعة …
– واما المحدد الثاني وهو الآنية’ فنعني به أن المطالبة بالحقوق تكون على غاية من الإلحاح والتأكد من ناحية ’والرغبة في سرعة الإنجاز من ناحية أخرى ’ حتى لكأنّ الصبر قد نفذ ’أو حتى لكأنّ هذا الصبر لم يكن بالأمس إلا للحظة المطالبة تلك .ويغلب على الملاحظ الاعتقاد ان الناس يخشون ضياع الفرصة النادرة لتحقيق الأماني الغوالي في الرفاه وفرحة الحياة ’ اليوم وليس غدا …
ولا ريب ان هذين المحددين ’التزامن والتأكد العاجل’ مما يرهق ايّ حكومة تحملت على أي وجه كان ’ قيادة الثورة’ ’ولا ريب أن هذين المحدّدين مما يرهق أي مسؤول مهما كانت حكمته النظرية وخبرته العملية .
والحق أنّ مطالب الثورة التونسية كانت عادلة في جوهرها ’ضرورية في سياقها مثل العفو العام موضوع الامر عدد 1 لسنة 2011 المؤرخ في 19 فيفقري 2011 وما تضمنه من تعويضات لضحايا مظالم العهد السابق .غير انه كان يمكن مزيد التروي في اتخاذ تلك الإجراءات حتى لا ينتفع بها من رفع السلاح في وجه الدولة ’ وحتى لا تستغل في اتجاهات أفضت اليوم الى مصاعب عاتية ’ من ذلك ان بعض المنتفعين بالعفو العام استسخروا كرم الثورة لتحطيم مؤسسات الدولة وترويع التونسيين . وفي ذلك ما يشير الى محدودية المقاربة  »القانونية » التي تمّت بها مباشرة متطلبات العهد الثوري ’ من ذلك أنه ثمّة من انتفع باجراء صحيح ’ لكن لانستبعد أن يعود على الكثيرين بمضار لم تقدّر عقباها . فقد يكون في تسمية مواطن في رتبة استاذ غير مؤهل جبر لضررما ’ ما كان له أن يكون’ ’ولكنّ الأكيد أنّ فيه إضرارا بآلاف المواطنين ممن سينكبون بالتّتلمذ عليه ’ فنكون عندها تلافينا حيفا بحيف أضرّ وأشمل . وكان يمكن أيضا أن تكون التعويضات المالية –بصرف النظر عن قيمتها أخلاقيا ووطنيا وسياسيا – موضوع مصالحة بين المواطن والدولة ’ تتولى أمرها لجنة وطنية محايدة تنصف الطرفين .وغير ذلك كثيرمن مساوئ المباشرة  »القانونجية »Juridisme للبركان الثوري باعتباره خروجا عن فكرة القانونية وانتصارا للشرعية Légalité/légitimité كما يقوا ماكس فيبر Max Weber .
وعن هذه المصاعب المتراكمة يترتب المحدد الثالث لمسار الانتقال الديمقراطي . وهو العرضية .ونعني بذلك انّ مستحثات الميل إلى الايمان بحظوظ نجاح ذلك المسار ’ تصبح في الوعي الجمعي لا تقل أهمية عن دواعي توقع فشله .وعندها يعمّ الإحساس بأن كل شيء ممكن …وكل المخاطر جائزة .وقد بلغ هذا الإحساس في تونس منتهاه زمن حكم الترويكا ’ ولاسيما بعد ما شاع عن حجم  »التعويضات » ’ في زمن تناقص فيه الإنتاج الوطني ’ وخامر الكثير –عن حق أو عن غير حق – إمكان عجز الدولة عن دفع مرتبات موظفيها فضلا عن تزيايد البطالة ’ وتنامي غلاء المعيشة الخ …
وفي الاطار ذاته وقعت في نفس التونسي أسوء الوقع محاولة إدراج ما سماه البعض  »الشريعة » في الدستور ’ورفَض النص صراحة على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ’ باعتبارها شرطا أساسيا من شروط المواطنة’فكرة في الاذهان ’ ’وقيمة في الوجدان ’ومراسا في الواقع …وإذا أضفنا إلى ذلك مأساة الاعتداء على العلم الوطني بكلية منوبة ’ ومهزلة التفريط في جامع الزيتونة المعمور ’ وتكرر الاعتداءات على مقرات الاتحاد العام التونسي للشغل ’ وظهور قوى الإرهاب في مواضع عديدة من البلاد ’ يدعمهم دعاة الحمق والتخلف بيننا ’ذلك الرهط من آدميي عصور الظلمات ’ وقد استوردهم من حكمونا ’ بعرق جبيننا ليهينوننا في عقر دارنا’ فضلا عن عنف ما سمّي  » لجان حماية الثورة  »’ والاعتداءات المتكررة على المواطنين المسالمين ’ كما في أحداث 9 أفريل 2012 او أحداث سليانة…وغير ذلك ممّا لاحصر له …
ولا غرابة والحال تلك أن يعم اليأس النفوس ’وتستبد الوحشة بالصدور ’ويستولي الإحساس بتفاهة الوجود ’ويتوقف نبض الحياة ’ فينتشر ساعتئذ الانتحار بجميع أشكاله ’ سواء بالانسحاب من الحياة ’ او بسحب الحياة من الآخرين ’ او بهما معا عبر العمليات الإرهابية الانتحارية .
***III***
سيداتي
سادتي
لاريب عندي أن ذلك الوضع المتردّي الذي أفضى اليه حكم الترويكا ’ هو الذي حض التونسي على فتح سبيل غير مطروقة ’ هي سبيل الحوار الوطني .وتلك هي اللحظة التاريخية التي غلب فيها الوطني على السياسي ’والحساب الصحيح على المخاطرة الفجة ’ لاسيما وقد بان لكل ذي بصيرة ’ان المجتمع التونسي يرفض كل الدروب التائهة التي حاول البعض الزج به فيها .وستذكر تونس على مر السنين انها قالت لا بصوت قوي عال للاغتيال السياسي والاعتداء الاثم على قواتنا المسلحة الباسلة .وقد ذهب ضحية هذا التمشي الاخرق ’ الشهداء الثلاثة شكري بلعيد ’والحاج محمد البراهمي ولطفي نقض وثلة من شهداء الجيش والامن الوطني والديوانة… وستذكر تونس على الدوام » اعتصام الرحيل » الذي أبان للحاكمين يومئذ انه لا مستقبل لنمط حكمهم فيهم . وسيفخر التونسيون على الدوام ان الدستور الذي كلفهم غاليا –دون وجه حق- قد كتبته في الحقيقة قوات المجتمع المدني الحازم اليقظ .
واذا قدرنا المخاطر التي تجاوزناها بفضل الحوار الذي رعاه الرباعي الوطني ’الاتحاد العام التونسي للشغل ’والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ’أدركنا أن الحوار لم يكن ضربا من تقنيات المغالطة ’ كما هو عند ذاك الذي قال لصاحبه وهو يحاوره: » انأ أكثر منك مالا وأعزّ نفرا » ’ولا هو للزينة والتظاهر أو من تقنيات تمييع القضايا وربح الوقت ’بل هو من أهم تقنيات ربح معركة الانتقال الديمقراطي ’ومن اجدى ما يمكن ان يعدّ به شعب للحياة الديمقراطية .والتونسيون يقدرون ذلك حق قدره ’ وقد تبعهم العالم فيه حين منحهم جائزة نوبل للسلام .
ذلك منهج لاخلاف على سلامته ’وذاك مبدا صحيح ليس أفضل منه’ و تلك جدوى لا مزايدة عليها .ومع ذلك كله ’ لا أراني أبالغ اليوم ان ذهبت –في مرارة يقتضيها التزام الحقيقة رغم اختلاف الظروف – إننا أصبحنا -بحكم عوامل مؤلمة نرجو البرء منها في أقرب وقت ممكن- في وضع شبيه بذاك الذي خلنا أننا تركناه وراءنا .وما يخشاه التونسي اليوم أن يفيض صدر المكبوت من جديد …فهل من مدّكر؟
غير أن ما يحمل حقا على الإيمان بنجاح مسار الانتقال الديمقراطي رغم المصاعب المتزايدة ’ وتفاقم مظاهر الإرهاب ’ ان المنهج التوافقي الذي اهتدى له التونسيون حواريا ’ منهج محصن من الزيغ بفضل ثلاثة عوامل متضافرة :
-أولها ان الثورة التونسية رسمت برنامجا لن تحيد عنه عبّرت عنه بشعار : » شغل ’ حرية ’كرامة وطنية » كخير ما يكون التعبير . فالمطالبة بالشغل تقتضي بلورة أنموذج اقتصادي لا يكون فيه المواطن عالة على أحد ’ ولا ينتظر الصدقة أو » الإعانة  » من أحد ’ بل يصبح في وضع تكون حاجة كل مواطن الى غيره على قدر حاجة غيره إليه .وهو ما نسميه الاستقلال بما هو شرط أساسي يقتضيه المطلب الثاني وهو الحرية . وطبيعي أن يلقي هذا المطمع المشروع مسؤولية ثقيلة على الفاعلين الاساسيين في هذا المجال ’الاتحداد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري .ولا ريب أن مستقبل تونس وطنا وثورة متوقف على نجاعة الحوار بين هذه القوى المنتجة الثلاثة .
– وثانيها أنه لئن كانت تلك الحرية واحدة ’ فهي متعددة الجوانب متكثرة الآفاق .فهي فكرية وعقدية وسياسية واقتصادية وصحية وفردية وجماعية بحيث تشمل جميع أوجه الحياة البشرية .وبديهي آن الخصاصة والبطالة تبعية محض ’ وبالتالي شر محض .
ولما كانت العدالة ما به تتمّة الحرية ’ فضلا عن أنّه لا معنى للعدالة أصلا ألا بالمساواة في الحقوق والواجبات ’ كان مطلب الحرية الموضع الذي عنده تلتقي القيم الأخلاقية والمدنية والسياسية التي تكون بها الشعوب شعوبا ’ تحتل ّ مواقعها بشرف تحت شمس الله .
-ومتى كان الفرد مستقلا بمعاشه ’ حرا في جميع وجوه حياته ’ كان مواطنا لا سبيل الى السيادة الوطنية الا به .فعز الأوطان بعز أبنائها وعز المواطن من عز الوطن.
ذلك من أبعد دروس الثورة التونسية معنى .فالتونسيون وحدهم المسؤولون عن بلدهم ولا احد سواهم يمكن التعويل عليه في الاضطلاع بتلك الرسالة .وهم وحدهم حماة أرضهم وحماة أنفسهم .والتعويل على الأشقاء والأصدقاء إنّما يكون من منطلق السيادة الوطنية الكاملة وببادرة منها .وليس لأيّ كان عذر في ما قد يؤول إليه الوطن من أوضاع لا نرضاها له البتة .فالأشقاء في سوريا مسئولون عما ألت إليه أوضاع سوريا الشهيدة .والأشقاء في العراق ’ارض إبراهيم الخليل ’أب الأنبياء’ ديست ودنّست بسبب من الأشقّاء العراقيين أنفسهم .واليمن السعيد إنما شقي بعد ان كان نفس الرحمان يأتي من قبله ’ بما لحقه من إهمال أبنائه …ومصاعب إخواننا في ليبيا اظهر من أن تخفى بعد ان بليت السرائر وظهرت الضمائر .
ولا قيمة للتخفي وراء  »المؤامرات الخارجية » و » التحالفات المشبوهة  » و »الامبريالية الشيطانية  » حين يمس الوطن سوء ’لا لأنّي أنكر ذلك كله أو أنزه الاستعماريين ’ وانّما لاني أعتقد أنه ما كان لأحد أن يستعمرنا لو لم نكن بفعلنا قابلين للاستعما ر.والحق انه لئن كان من المهم أن يتحوّط الوطنيون مما يحاك ضدّ وطنهم ’فانّ الأهمّ ما يفعلونه بما يراد لهم من سوء ’ حتى إذا مكر بهم خصومهم واعداؤهم كانوا خيرا مكرا …,ولكن انّئ يكون لهم ذلك ’ وهم اشياع تتعاورهم الطوائف الدينية والقبائل العرقية ,’ و »الرغيف الاعفر » والانتماءات الحزبية ’ ولا سيما الولاء لغير الوطن .لذلك كانت الوحدة الوطنية اليوم من أشد الواجبات الأخلاقية والسياسية تأكدا.
ومن المعلوم أنّ تلك القيم الثلاثة التي طالبت بها ثورة تونس ’  »الشغل والحرية والكرامة الوطنية  » ’ تحوّلت عندنا الى مطالب رفعها أبناء مدرسة الجمهورية ’ وفي ذلك معان لطيفة عزيزه:اوّلها معنى المجاهدة لامضا ء القيمة المتعالية في الواقع المعيش ’وثانيها معنى النضال من أجل الارتقاء بالحياة اليومية الى مصاف القيمة النبيلة وهو ما يسمى التقدم .وثالثها فيه اشارة تشبه العتاب على ما يلقى معلم مدرسة الجمهورية وقد عمل بايمان الانبياء من الاهمال و عرف كيف يربي أجيال تونس على العقلانية في التفكير’ والواقعية في الموقف ’ والطموح في النظر المستقبلي .
وهذه العوامل مجتمعة تلقائيا تجعل من شباب مدرسة الجمهورية مفجر الثورة أمس ’ خير ضامن لتواصلها اليوم حتى تبلغ مقاصدها المرسومة ’ باعتبارها ثورة حضارية شاملة ’ اقتصادية وسياسية وفكرية ووطنية ’ لم تشهد الحضارة العربية والإسلامية نظيرا لها في اي مرحلة من مراحلها.فما شهدنا يوما شبابا مثقفا يصرخ باعلى الصوت على رؤوس الملأ  »السلطة ملك الشعب  »! وهل خيار أبعد عمقا من ذاك لحل مشكلة الحاكمية من ناحية ’ وكنس ما تربى عليه العربي المسلم قرونا ’ثقافة  »اصلح الله الامير » ’ من ناحية أخرى ؟
– واما العامل الثاني المؤتمن اليوم على مسار الانتقال الديمقراطي فهو المجتمع المدني بجميع مكوناته ’ وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل ’ وقد علمه حشاد كيف يجمع على الدوام بين المهني والوطني ’ وكيف يتعامل مع الوقائع والقيم ’منذ أيام النضال ضد المستعمر .لذلك كان الاتحاد العام التونسي للشغل مطالبا –بحكم ثقل الامانة الوطنية التي حملته اياها تونس اليوم – بتحسين مواقعه الاجتماعية ’ ومناهج ضبط أولوياته ’ وبمزيد ترشيد عمل بعض مناضليه ’ ولا سيما الشبان منهم . ولا ريب ان تونس ستكون اليوم اسعد بإحكام تنظيم العمل النقابي اذا لم يتيسر –في هذه الظروف الصعبة – توحيده وهي ظروف لاتقلّ خطورة عن أيام مقاومة الاستعمار الأجنبي .
– واما العامل الثالث الدافع الى الايمان بنجاح التحول الديمقراطي ’ فهو الدولة الوطنية .وبصرف النظر عن الكثير من الهذيان ’ فان دولة الاستقلال أنجزت الكثير ولكن ما بقي عليها إنجازه أكثر واخطر. ومن اهم إنجازاتها في تونس ثورة شباب مدرسة الجمهورية ’ باعتبارها اعترافا عيانيا بما انجزت ’ ورفضا جليا لما عجزت عن إنجازه .
وباعتبار مطالب الثورة الثلاثة ’ فان المطلوب اليوم ان تتحول الدولة الوطنية يسيرا يسيرا الى دولة وطنية ديمقراطية ’ وهو ما يسميه البعض في مجرى التقاليد الفرنسة –دون داع لذلك –  »الجمهورية الثانية  » .واعتقادي انه لن تهدأ الثورة الا بتربع الحرية على جميع مؤسّاسات الدولة .ولما كانت القوات المسلحة وفي طليعتها الجيش الوطني من أهمّ أركان دولة الاستقلال ’ كان للتونسي ان يطمئن الى ان وطنه في أيد أمينة ’هي في أمسّ الحاجة الى مزيد رعايتها بما هي جديرة به ’ ماديا وقانونيا واجتماعيا .وليس ادل على ما نذهب اليه مما جرى في بن قردان منذ أيام حيث لمسنا الالتحام الكامل بين المواطن والجندي في الدفاع عن الوطن ’ في زمن استشراء الإرهاب .
ولئن كان من حق التونسي ان يعول على قواه الثورية الذاتية التي ربتها مدرسة الجمهورية فأحسنت تربيتها’ رغم قدم التآمر ضدها ,وهو ماكنّا نبهنا إليه منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي في جريدة  »الرأي » ’ وان كان للتونسي كذلك أن يعول على حيوية المجتمع المدني بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة ’وعلى القوات المسلحة مسنودة بالمواطنين فان ذلك كله –على أهميته- لا يعفيه من نقد ما لا يمكن السكوت عنه ان أراد ان يكون غده أفضل من يومه ’ وان تبقى للحوار وظائفه الأخلاقية والسياسية والمنهجية .
ومن شروط ذلك أن نتعاون اكثر ونتصارح بحق .كان الحوار مذهبنا امس ’ ونحن اليوم أحوج ما نكون اليه بحكم تعثر المسيرة الوطنية مجددا .فلا اقصاء ولا الغاء ’ولا دجل ولا استغباء .فالوطن يتسع للجميع ’ فضلا عن أنه لا مجال اطلاقا في تونس اليوم لمغامرة نابوليونية ’ مثل مغامرة 18 برومار 1799.
غير أن من أهمّ شروط الحوار مهما كان موضوعه ’ انما هو » الوضوح والتميّز  » في التعبير عن الموقف .لذلك كان من أول ما ينبغي الاحتراس منه ’ الخلط في المفاهيم حتى لا تستفحل ظاهرة البلبلة الفكرية التي تفاقم أمرها في البلاد .فظلمة الفكرة بسبب رخاوة اللفظ ’ أيسر السبل الى ظلم الفعل .فقد ان الأوان مثلا للفصل البيّن بين الوفاق السياسي الذي لابد منه في جميع النظم الديمقراطية ’ وبين التواطؤ السياسي المؤذن بخراب الأوطان .فالوفاق لا يقوم الا على ركن وثيق هو الايمان بالحرية في جميع أبعادها ’ بحيث لا يكون –عند جميع المتوافقين -فوق الحرية فوق ’ ولا تحت الحرية تحت’ ولا وصية على الضمائر ’ ولا استئثار –زيفا- بالدفاع عن قيمة حضارية او دينية.
وبالتالي فان الديمقراطية- باعتبارها الصورة الاجتماعية لفكرة الحرية – ليست مسالة حساب أصوات تتحدد به الأغلبية والأقلية ’ وترتسم معالم التحالفات ’ بل هي قبل كل شيء وبعد كل شيء ’ مسالة نظام قيمي’ الحرية تاجه’ والحقيقة الموضوعية قيادته ’ بما يقتضيانه من المساواة والعدل .والمباراة الانتخابية للفوز بصوت المواطن ’ لا تكون أبدا إلا من اجل التباري في انجاز الحرية …وما خلا ذلك فخيانة مؤتمن وغدر بالوطن .ورئيس الدولة هو المسؤول الاول –اخلاقيا وسياسيا أن لم يكن دستوريا – في جميع الحالات ’عن سلامة الوطن وصحة المسيرة الوطنية الشاملة.
واذا سلمنا بذلك كان علينا ان نتساءل عن الحقيقة النظرية والجدوى العملية مما يروج له البعض من ضروب المقالات والمواقف التي لا يتعدّى معناها –في اغلب الاحيان – الاعتقاد الساذج أن « ليست لنا عقول » ’من ذلك ما يجريه البعض من فوراق بين  »التطرف » و  »التشدد » و »الاعتدال  »و »الوسطية » في الدين .فهل يستقيم لعاقل ان يصدق أنّه من مظاهر » الوسطية  » استعداء أقطاب الامبريالية العالمية على الشعب السوري ’ من فوق منبر خطبة الجمعة ؟ وماذا يعني عندها  »الإسلام المعتدل؟ » .وما يمكن أن كون الفرق بين  »المتشدد دينيا » و » التكفيري » و »الارهابي  » ؟ ثمّ ما معنى التمييز بين السلفية الجهادية ’ والسلفية العلمية ’ والسلفية الجامية الخ ؟ وما الفرق بين حزب ذي خلفية دينية ’ وحزب ديني ؟ وما معاني  »الفصل بين الدعوي والسياسي » ؟ اليس من معاني ذلك كله المراهنة على استغباء التونسي زيادة عن اللزوم ؟ قد يغفر المرء لغير التونسي جهله بما أنجزت مدرسة الجمهورية ’ ولكن يعسر عليه أن يفهم صدور ذلك عمّن يدعي الانتماء لهذا الوطن !أليست تلك التّمييزات وتلك الفويرقات ’ مجرد أسماء جعلت تقنيات للتستر عن برامج حقيقية معادية لقيام الدولة الوطنية الديمقراطية ؟ ألا تشكل تلك التقنيات بؤرة دلالية تلتقي عندها جميع ضروب الاستغلال السياسي للإسلام ولغير الإسلام من  »الملة الإبراهيمية  ».
والحق أنّ الكذب في السياسة عامة مرتع وخم . وانّه لأشدّ ضررا عندما يصدر عمّن رشح نفسه ليكون من  »حزب الله » ’ وعمن ادعى بالإسلام وصلا ’ اذ فيه فساد الدين والخلق معا. .الم يقم الإسلام على مبدأ خلقي متعال هو الانتصار للحق بالحق؟ الم يبعث الرسول العربي  »ليتمم مكارم الأخلاق »؟ أليس من معاني ذلك انه لن يكون اهلا لمحبة الله ورضاه من اتخذ المراوغة سبيلا الى الحكم ؟وهل أضل ممن ادعى على الله وعلى الناس كذبا؟
ولمّا كان ذلك كذلك وجب ان نتساءل :إلى متى –على سبيل المثال – سيتواصل استبلاه التونسي وتزييف تاريخه القريب والبعيد؟ هل صحيح ان التطرف في تونس انتشر لانحسار التعليم الديني ؟ أم يتعلق الامر بزيف أساسي غايته البعيدة مراودة هوس ما سماه البعض  »اعادة فتح تونس » في مجرى الإصرار  » المعلن –الخفي » ’ على الإعداد لقيام  »خلافة اخر الزمان  » ؟ واخطر ما في هذا الوهم العنيد ’ انه قد يهدد من جديد وحدة النظام التربوي التونسي بطرق فيها من الالتواء على قدر ما فيها من الدهاء ؟ فهل صحيح ما يروجه الإسلام السياسي عامة ’بوسطه ويمينه ويساره’ أن خلاص تونس انّما يكون بإعادة نشر المالكية على الطريقة الاشعرية ؟ فمتى كان التونسي يسمع بالأشعرية ويعباّ بها ؟ ومتى كان يعنيه إشكال الفصل في اختلاف المذاهب والملل والنحل ؟ وهل عصم الازهر -وهو دولة في الدولة – مصر من انتشار الإرهاب والتطرف فيها؟وما قيمة الشيخ المعمم الأزهري في عين الارهابي المصري او غير المصري؟ هل من تيار سياسي إسلامي أخذ برأي شيخ الأزهر المرحوم محمد سيد الطنطاوي الذي ذهب في اجتهاده الى أن فوائد البنوك المحددة سلفا مباحة شرعا ولاتعدّ من الربا ؟ وما يمكن ان تكون قيمة الشيخ الزيتوني او الفاسي او الجزائري عند الإسلام السياسي بجميع اطيافه اذا ما حرّم  »جهاد النكاح » أو إرهاب الآمنين وقتلهم ؟ وهل حفظ  » جامع القرويين » على المغرب اعتدال شعبه الذي خاض به محمد الخامس رحمه الله معركة التحرر الوطني ؟ وهل حفظ عليه سماحة عقيدته وبراءة تدينه ؟وهل في السعودية  »علمانية  » على الطريقة  »الغربية  »’ استفزت بعض الشباب السعودي اذ مست عقيدته قفام يدعوا الى الجهاد غيرة على دينه ؟ وهل في اليمن ما يشبه مجلة الأحوال الشخصية التونسية التي تمنع –في ما تمنع-  »التفخيذ » وزواج الفتاة قبل سن معيّن ’ وتقن الطلاق ’ حتى تحرق ارضه ’ ويدمّر عمرانه؟.
لن يستطيع الزيتوني بتونس ولا الازهري بمصر ولا الفاسي بالمغرب ان يقف حاجزا دون الاسلام السياسي .ولن يكون ثمة فوارق حقيقية دائمة بين  »التطرف أو التشدد الديني  »  » من ناحية والوسطية أو والاعتدال » في الدين من ناحية أخرى مالم نضع حدا للخلط بين  »الدين  » و »السياسة ».
ولقد أن الوان لنعترف بأنّ تونس -على ما تلقاه من غدر قلة فليلة من أبنائها – اقل من جميع الدول العربية والإسلامية تعرضا لماسي جميع أشكال الاستغلال السياسي للدين ؟ وأنّ طريقتها في التدين من أسلم الطرق وأزكاها ؟ الم تكره تونس نابتة الاسلام السياسي على محاولة التأقلم مع خصائصها فغدا يسعى –والعهدة عليه- الى  »التتونس » بعد أن كان يحلم  »باسلمة تونس  »؟
الا تدعو الحقيقة الموضوعية إلى الاعتراف بان الاختيارات الأوّلية التي ارتضتها دولة الاستقلال لتونس هي الأسلم مبدأ ’ والأنجع نتيجة؟ لا ريب ان من ابنائنا من تاهت به السبل ولا بد لنا من محاسبتهم على خيانتهم .ولكن الواجب يقضي ايضا بمحاسبة أنفسنا على أن تركناهم نهبا للقناصة والمتاجرين بدماء الابرياء .وعلينا باستئصال أسباب الشر ليسلم البشر .
ورغم تلك الخيانة وذلك التقصير ’فانّ أوضاعنا العامة أفضل بكثير من جميع الوجوه من أوضاع اخواننا الذين كانت لهم اختيارات غير اختياراتنا .ولا ريب كذلك ان تونس لجميع ابنائها مالم يكن لهم ولاء الا لها ولها وحدها .وذلك يقتضي الإقلاع عن تقزيم الذات الوطنية باسم انتماءات وهمية أرحب ’ يعد اهلها بانفلاق أصباح الجنان ! والحق ان العود الصادق الى أحضان الوطن يقتضي ضربا من التوبة العقلية عن مسارات  »فكرية » لم تجن منها الأمة الا الخراب.
وليس يكفي في هذا السياق مثلا الاعتراف بان الحجاب ليس  »فريضة إسلامية  » كما اعترف بذلك كبير سدنة  » الاسلام السياسي » في حديث له بالتلفزة الوطنية التونسية يوم جاءنا ليعلمنا بأن الثورة التونسية خرجت من  »تحت إبطه »’ ’ بل يجب بيان خطا جميع المقدّمات التي اعتمدت بالأمس للتمويه بان الحجاب فرض ديني .ولا يكفي كذلك مجرد قبول المساواة بين المرأة والرجل ’ بل يجب إعادة النظر في المسار  »الفكري » الذي كان يستخدم بخبث في الدفاع عن العكس ؟ وهل في الاعتراف بهذه الحقائق ما يوجب التردد أو عقد المؤتمرات أو توفير الأموال ؟ وما لم يكن ذلك هو  »أوّليات المراجعة » و »تصحيح المسار  » كان من  »كلام الليل يمحوه النهار » !
ولئن فضلنا الوضوح على التورية ’ والإفصاح عن الإشارة ’ فلآن ما نخشاه على الثورة التونسية اليوم أن يزج بها في طرق تائهة تبحث فيها عن حلول مستحيلة لمشاكلها الحقيقية.فمشاكل التونسيين تحتاج إلى مواقف سياسية شجاعة متبصرة لاسبيل لها الا بالحوار الوطني المسؤول . وليس لها إلا الحلول السياسية الحوارية …ومطالب لحظة الانتقال الديمقراطي انما هي الشغل والحرية والكرامة الوطنية .وان لم تكن تلك المطالب كافية بذاتها ’ فهي مما لابدّ منه ’ ليكون لما سواها معنى وليكون للجدّ في طلبه جدوى.
حمادي بن جاءبالله
تونس سوسة 18-19 أفريل 2016
ضرورة الحوار في الطور الثالث اعدا الثورة المرور التمكين

2 commentaires sur “Hamadi Jaballah: Le dialogue pour la consécration de la transition démocratique

  1. démocratie participative et non représentative j’espère – sinon c’est un leurre –

  2. Bonjour,

    Merci mais on n’arrive plus à lire les articles.

    Bonne journée.

    Date: Tue, 3 May 2016 07:40:59 +0000
    To: rafla81@hotmail.com

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :