Poster un commentaire

Histoire/ Ahmed Nadhif: Le troisième exil Palestinien…à Tunis


bourguiba yasserمن دفاتر مرحلة تونس
هكذا تمّ الدخولُ إلى ثالثة المنافي

ياسر عرفات والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة
أحمد نظيف | كانون الأول 2015

وسط آلاف اللبنانيين الذين شقّوا العتمة نحو مرفأ بيروت، تقدّم موكب ياسر عرفات يرافقه قادة « الحركة الوطنية اللبنانية » إلى رصيف الميناء، مغادراً المدينة بعد 88 يوماً من القتال والحصار. صباح يوم 30 آب / أغسطس، وقبل صعوده إلى ظهر السفينة اليونانية « أتلانتيد »، توقّف أبو عمار للحظات، وقال بصوت عال: « أيّها المجد، لتركع أمام بيروت ». وكان ذلك آخر عهده بها


بعد سنوات من هذا الوداع المرير، وصف عرفات هذه اللحظة بقوله: « حين ألقيت النظرة الأخيرة على المدينة قبل أن أغادرها، بكيتُ.. كانت تلك من اللحظات النادرة في حياتي التي جرت فيها دموعي بهذه الغزارة.. إن حصار بيروت ومغادرتي لها قد فتحا جرحاً عميقاً في قلبي.. نظرت إلى المدينة وأنا على ظهر السفينة، وشعرت كأنني طائر مذبوح يتخبّط في دمه ». قبل رحيل عرفات، كان الفدائيون قد بدأوا بمغادرة بيروت منذ يوم 21 آب / أغسطس ببزاتهم العسكرية وبأسلحتهم الشخصية نحو السودان والجزائر واليمن، إثر توقيع اتفاق وقف إطلاق نار جلبه المبعوث الأميركي فيليب حبيب، يقضي بخروج قوات المقاومة الفلسطينية من لبنان. من جهتها، فضّلت فصائل اليسار الفلسطيني التوجه شرقاً، إلى دمشق، وقررت قيادة « منظمة التحرير الفلسطينية » و « حركة فتح » الاستقرار في تونس، بعيداً عن دول الطوق.
ورغم ذلك الشتات كله، فإن ياسر عرفات، لمّا سأله مراسل « وكالة الأنباء الفلسطينية » طاهر الشيخ: « إلى أين يا أبا عمار؟ »، أجاب بلغة الواثق: « إلى فلسطين ».

لماذا تونس؟ وكيف تونس؟
لماذا وقع اختيار القيادة الفلسطينية على تونس كمقرّ لها، بعيداً عن دائرة الصراع؟ كان سؤالاً ملحّاً يومذاك في الأوساط العربية والفلسطينية، لكن جغرافيا المنطقة كانت تحمل إجابة ضمنية. فقبل سنوات، كانت الثورة الفلسطينية قد خرجت من الأردن في أعقاب أحداث أيلول الأسود، أما مصر فقد خرجت من الصراع بعد توقيع اتفاقية كامب دافيد ودخلت في عزلة قسرية عن محيطها العربي. لم تبق إلا سوريا، التي عرضت على عرفات المجيء إليها، لكن أبا عمار استشعر مبكراً توجّهاً سورياً للهيمنة على القرار الوطني الفلسطيني ورفض عرض حافظ الأسد. ما فسّرته فصائل اليسار والمنشقون عن « فتح » بـ »توجه لدى عرفات نحو التسوية مع العدو ». خلال تلك المرحلة، طرحت العديد من المقترحات حول الوجهة الجديدة لقيادة الثورة، وصل بعضها حد التفكير في استئجار جزيرة يونانية. وكان محمود عباس (أبو مازن) صاحب هذه الفكرة المجنونة، إذ يشير في شهادته التي نشرتها جريدة « الحياة » في العام 1994 إلى ذلك بالقول: « راودتني هذه الفكرة. ويومها، كان الأخ فاروق قدومي – أبو اللطف يستعد للتوجه إلى أثينا. عرضت عليه الفكرة، أيّ أن نستأجر جزيرة ونعيش فيها في انتظار مقرّ آخر. إنها فكرة مجنونة وغير واقعية. ويقول أبو اللطف إنه عرضها على رئيس الوزراء اليوناني فلم يتقبّلها بأي شكل من الأشكال ».
وعن مسألة الابتعاد عن دول الطوق، يفصل أبو مازن موقف عرفات قائلاً: « كان عرفات يرى أن المسألة ليست مسألة جغرافيا وليست مسألة مسافة. أنا هنا ربما أملك قراري وأستطيع أن أفعل ما أريد، لكنني في دمشق لا أستطيع أن أملك قراري. وبالتالي، فحتى لو كنت على الحدود، لا قيمة لذلك ما دمت لا أمتلك قراري. وثبت لاحقاً أن هذا صحيح. القضية ليست قضية بُعد أو قرب، المهم أولاً أن تكون إرادتك حرة تستطيع أن تذهب من تونس في دورية إلى فلسطين لأنك تملك الحرية حيث تقيم، ولا تستطيع أن تذهب من الحدود المباشرة إذا كنت مقيماً فيها ومفتقراً القدرة على القرار ».
في هذه الأثناء، قدمت تونس للقيادة الفلسطينية دعوةً للاستقرار فيها. يكشف أبو مازن في شهادته تفاصيل الدعوة التونسية بقوله: « أرسلت إلى أبي عمار ما مفاده بأن عليه أن يبحث عن مكان غير دمشق. وفي هذا الوقت بالذات، جاءتنا رسالة من الرئيس الحبيب بورقيبة، وكانت من شقين: الأول، شيك بخمسة ملايين دولار مساعدة للفلسطينيين. والثاني، دعوة رسمية من الحكومة التونسية لكلّ القيادات الفلسطينية وكوادرها لكي تأتي إلى تونس إذا رغبت. كان الأمر بمثابة منجاة. أرسلت إلى أبي عمار أقول له: جاءك الفرج وتستطيع أن تذهب أنت وقيادتك إلى تونس. والحقيقة أنها كانت مبادرة تونسية لا يمكن نسيانها ». بيد أن اللواء الفلسطيني المتقاعد أحمد عبد الكريم الحيح (بن بيلا) يؤكد أن « تونس كانت ضمن حُزمة المقترحات التي طرحها المبعوث الأميركي فيليب حبيب، خلال المفاوضات التي مثل الجانب الفلسطيني فيها القيادي الفتحاوي هاني الحسن (أبو طارق) »، مشيراً إلى أن زوجة الرئيس بورقيبة، وسيلة، « كان لها الدور الأكبر في إقناعه باستقبال المنظمة، وكانت في مقدمة الجماهير التونسية التي احتشدت تنتظر قدوم طلائع الفدائيين ».
في شهادته التي أدلى بها في قناة « الجزيرة » منذ سنوات، كشف رئيس الوزراء التونسي الأسبق الراحل محمد مزالي عن تفاصيل لقائه بالرئيس بورقيبة قبل اتخاذ قرار استقبال « منظمة التحرير الفلسطينية »، مشيراً إلى أن بورقيبة قرّر بمفرده ذلك، بدعم من زوجته وسيلة. يقول مزالي: « في سبتمبر 1982، ذهبت كالعادة إلى المنستير (شرق تونس)، فقد كان بورقيبة هناك، واستقبلتني وسيلة لأن وسيلة كانت دائماً تستقبل الوزير الأول، وأي وزير قبل دخوله إلى رئيس الدولة، وتحاول أن تؤثر عليه. فقالت لي: سيستقبلك الرئيس وسيستشيرك في استقبال الفلسطينيين، ومن فضلك أيّد ذلك. وكان معها وزير الداخلية آنذاك، إدريس قيقة، وقال لي إن فرنسا وأميركا تؤيدان ذلك. فدخلنا لبورقيبة، أنا وقيقة، وقلت له: يا سيدي الرئيس، أحسنت الفعل. فنظر إليّ وحدق بي، وقال: ليه أنت موافق؟ قلت له: أنا موافق ومؤيد. قال لي: كويس. ونادى حكم بلعاوي (السفير الفلسطيني) الذي كان في الطابق السفلي، وبشّره بأن تونس ستستقبل الفلسطينيين، ولكن والحق يُقال وسيلة لعبت دوراً إيجابياً في القضية ».
كانت علاقة بورقيبة بالقضية الفلسطينية جدليةً إلى أبعد الحدود. في العام 1965، قام الرجل برحلته الكبرى إلى الشرق، وزار خلالها مصر والأردن ولبنان، وألقى في مدينة أريحا الفلسطينية خطابه الشهير، الذي دعا فيه إلى خطته المرحلية والقبول بقرار تقسيم فلسطين الصادر عام 1948. اعتُبر الخطاب يومذاك خروجاً عن الصف العربي و »لاءاته » الثلاث: « لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو ». وتعرّض بعده بورقيبة إلى حملة تخوين كبيرة قادتها وسائل الإعلام العربية، وخاصة المصرية، معبّرةً عن موقف مصر الناصرية من توجّه بورقيبة « الاستسلامي ». لكن حبل العلاقات بين تونس والفلسطينيين لم ينقطع أبداً، فقد ساهم رئيس الوزراء التونسي الباهي الأدغم في لجنة الوساطة العربية لتوقيع اتفاق المصالحة بين « منظمة التحرير » والملك حسين خلال أحداث أيلول الأسود. كما ربطت الجهات التونسية علاقات أمنية قوية مع جهاز أمن الثورة الموحّد بقيادة صلاح خلف (أبو إياد) الذي ساهم في العام 1974 في حلّ أزمة اختطاف طائرة على يد عناصر تابعة لمنظمة أبو نضال في مطار قرطاج في تونس، كما شارك في الوساطة بين الحكومة التونسية بقيادة الهادي نويرة، و « الاتحاد العام التونسي للشغل » خلال الصراع الذي اندلع بين السلطة والمركزية النقابية في العام 1978.
لكن الخلاف الذي نشب داخل الجسم الفلسطيني حول اختيار تونس كمقرّ لقيادة الثورة لم يكن مقتصراً على الانقسام الفصائلي. فقد وصلت الخلافات إلى جسم حركة « فتح ». هنا، يشير أبو مازن إلى ذلك بالقول: « هناك فريق كان يتصوّر أن الذهاب إلى تونس خطأ. الواقع أنه حصل خلاف شديد بيننا على مسألة مَن يريد أن يأتي إلى تونس. لذلك، تأخّر كثيرون في الوصول إليها ولا أريد الخوض في الأسماء. هناك مَن لم يكن يتصوّر أن تونس يمكن أن تكون مرحلة انطلاقة جديدة للثورة الفلسطينية، رغم البعد الجغرافي عن أرض الوطن ». في المقابل، اقتنعت القيادة التاريخية للحركة بوجاهة الاختيار. يقول أبو مازن في شهادته: « أنا أول مَن وصل إلى تونس قبل أن تصل المقاومة وقبل أن تقرّر الإقامة فيها. قراري اتخذته إثر إحكام الإسرائيليين الطوق على بيروت. شعرتُ بأن الوضع في لبنان انتهى، وأن وجود الثورة الفلسطينية فيه انتهى، وأنها إذا ذهبت إلى دمشق فستنتهي. وبناء عليه، قلت إنني لا أريد أن أبقى في دمشق، ولا أن أكون جزءاً من القيادة إذا قرّرت البقاء فيها. ولذلك، جئت إلى تونس، واستأجرت منزلاً، وطلبت من عائلتي أن تُحضّر نفسها للسفر، ورتبت أموري العائلية على أساس السكن في تونس أياً كانت نتائج الحرب وفي كل الظروف. أما أبو إياد فقد ذهب إلى دمشق. بقي فترة قصيرة ثم غادرها إلى تونس. كان مدركاً مبررات الوجود في تونس، لذلك سارع إلى استئجار منزل له ولعائلته، والشيء نفسه بالنسبة إلى أبو جهاد ».

وصول أبي عمّار إليها.. ثم أبي إياد
منذ الخامس والعشرين من آب/ أغسطس، بدأت دُفعات الفدائيين تصل تباعاً عبر البحر إلى موانئ العاصمة التونسية ومدينة بنزرت شمالاً. خرج أهل بنزرت، كباراً وصغاراً، فجر 28 آب 1982 لاستقبال السفينة اليونانية « سولفرين » التي كانت تحمل على ظهرها ألفاً ومئتي فدائي فلسطيني طاردهم الموت زهاء ثلاثة أشهر في أزقة بيروت ولم يفلح في الإجهاز عليهم. كان ذلك السبت يوماً تاريخياً في حياة بنزرت، فقد زحفت جموع الناس إلى رصيف الميناء تهتف بحياة الفدائي الفلسطيني. في شهادة كان قد نشرها في ذكرى الثلاثين للخروج من بيروت، وصف الكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور لحظة الالتحام قائلاً: « عندما أسمع اسم بنزرت، تعود بي الذاكرة إلى فجر يوم 28 آب 1982، فأستعيد هتافات وقبضات وملامح ألوف التوانسة في ميناء بنزرت، أولئك الذين زحفوا من أنحاء تونس، وظلوا ينتظرون طيلة الليل وصول سفينة الفلسطينيين، ليشدّوا أزرهم، محتفين بهم كأبطال، ملوّحين بعلم فلسطين الذي لن يسقط أبداً، والذي سيرتفع في سماء ميناء حيفا يوماً ما. أهل بنزرت بخاصة، وتونس بعامة، أحيوا فينا الأمل، وقوّوا عزيمتنا، وشدّوا أزرنا، وبملء أفواههم قالوا لنا: لستم وحدكم، وتونس ليست منفى لكم، فاستعدوا لاستئناف المعركة. لقد وجد الفلسطيني المشرد في البحار أهلاً في تونس، في ميناء بنزرت، يفتحون له الأحضان، ويبلسمون جراحه، ويمنحونه مكاناً آمناً يلتقط فيه أنفاسه، ويستعيد فيه قوته، ويلملم فيه أشلاءه ».
بعد أيام، أبحر أبو عمار من بيروت إلى أثينا، ومنها بالطائرة إلى تونس، حيث نزل ضيفاً على الحكومة التونسية، التي منحته قصر الضيافة بضاحية المرسى كي يُقيم فيه. دخل أبو عمار قصره الجديد، وأخذ الشباب والمرافقون ينتشرون داخل الردهات يختارون الغرف والأجنحة للإقامة داخلها. لكن، ما لبث بعد ساعات قليلة من مغادرة فريق البروتكول التونسي أن أعطى أوامره للجميع بالاستعداد للرحيل فوراً نحو معسكر وادي الزرقاء، في غرب العاصمة تونس، هناك حيث يُقيم الفدائيون، فهرع الجميع إلى غرف القصر لجمع شتات أغراضهم المبعثرة. ويروي طاهر المصري، الصحافي في وكالة « وفا »، هذه الحادثة ضاحكاً: « أبو عمار يتمتع بذكاء كبير، لم يكن بوارد أن يقبل على نفسه الإقامة في قصر فخم وهو قائد الثورة المسلحة الخارج لتوّه من حصار صهيوني غير مسبوق في التاريخ. كان يحسب حساباً لكلّ حركة وموقف ويعلم أن أطرافاً فلسطينية وعربية كثيرة تتصيّد له الزلات ». لكن عرفات، ورغم رباطة الجأش البادية عليه ظاهراً، كان يكابد آلام المنفى خلال أيامه الأولى بتونس. إذ يشير أبو مازن إلى ذلك قائلاً: « كان يشعر بنوعٍ من الغربة والتمزّق نتيجة الضغوط التي كان يتعرّض لها من إخوانه، سواء أعضاء قيادة « فتح » أو القيادات الفلسطينية الأخرى. كان هناك من يحمل عليه ويقول له: لقد هربت وابتعدت عن خطوط التماس ولا يمكن أن تكون مناضلاً عن بُعد أربعة آلاف ميل. أصبحت في منفى بعيد. هذا كان يؤلمه كثيراً ».
أما أبو إياد فقد كانت قصة خروجه أشبه بفيلمٍ سينمائي برع في إخراجه مدير مكتبه، أحمد عبد الكريم الحيح. يروي الحيح المعروف في أوساط الثورة بـــ »بن بيلا » قصة الخروج قائلاً: « بعد يومين من خروج أبي عمار من بيروت، قرّر الشهيد أبو إياد الخروج هو أيضاً. كنا في ذلك الوقت نخشى عليه من عملية اغتيال في عرض البحر عن طريق إنزالٍ إسرائيليّ. فأخذت على عاتقي تحضير خطة لتأمين خروجه، وكنت قد وعدته بأن أفرغ فيه رشاشي لو حاول الإسرائيليون اختطافه، عندما عبّر لي عن خشيته من ذلك. فضحك – رحمة الله عليه – ورواها في ما بعد لزوجته وأولاده ». ويضيف بن بيلا: « كانت خطة الخروج تقضي بالإعلان عن ندوة صحافية سيعقدها الأخ أبو إياد في مقرّ اليونسكو ويحضرها مراسلو وكالات الأنباء العالمية في صباح اليوم التالي. قبل الندوة بيوم، أخفينا أبو إياد داخل السفينة التي ستُبحر صباحاً إلى ميناء اللاذقية السوري، فيما تنكّرتُ في مظهر شبيه لأبي إياد وحضرتُ بدلاً منه الندوة الصحافية مجيباً عن أسئلة الصحافيين. فإذا تعرّض لعملية اغتيال، سأتلقى الرصاصات بدلاً منه. أنا فدائي بسيط في هذه الثورة، لكن أبو إياد قائد عظيم خسارته لا تُعوّض. وصلنا سوريا، ومن دمشق عاودنا الدخول إلى لبنان لتفقد القوات الفلسطينية بالبقاع. وفي دمشق، أحسّ أبو إياد أن القيادة السورية تحاول استمالة شقّ من القيادة الفتحاوية، أو ذلك ما استشفه في أعقاب اجتماعٍ جمعه بالرئيس حافظ الأسد. بعدها مباشرة، قرر الشهيد أبو إياد مغادرة دمشق والاستقرار في تونس. وقبلها، كان قد كلّفني بالسفر إلى تونس والجزائر، وإيصال رسائل إلى القيادات الأمنية في البلدين، بصفته رئيس جهاز أمن الثورة الموحّد ».

فدائيّو بيروت… قدّيسو تونس
لم يكن الخروج من بيروت سهلاً. في بيروت، ترك الفدائيون ذكرياتهم، قصص حبّهم، رفاقاً لهم قضوا ومازالت جثثهم تحت أنقاض المدينة المُحطّمة. الشاعر والكاتب السوري هادي دانيال هو واحد من هؤلاء، يروي قصة تعلقه بالمدينة ومرارة الخروج قائلاً: « بما أني غادرتُ دمشقَ إلى بيروت لألتحق بالثورة الفلسطينية سنة 1973، أي قبل عامين من اندلاع الحرب الأهلية، وكنت آنذاك في السابعة عشرة من عمري، فمن الطبيعي أن أعد بيروت ليس فقط ملعب مراهقتي العاطفية والسياسية وفتوتي الإبداعية – إن جاز التعبير – ولكنها أيضاً كانت مهْدي المعرفي وفضائي الحر بالمعنى المطلق للحرية الفردية في ظلالِ بنادق الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. ولذلك، لم أتقبّل فكرة الرحيل عنها. لقد غادرتها مرغماً وعلى أمل العودة القريبة إليها. ولذا، لم يكن في حقيبتي عندما غادرتُها غير بَعْض ملابسي وبعض أوراقي وبعض مجلدات الطبعة المصرية لأعمال دستويفسكي ».
شكّل الاستقبال الشعبي التونسي عزاءً للفدائي الفلسطيني. كان ذلك نابعاً من وجدانية قضية فلسطين عند شعوب المغرب العربي. يقول هادي دانيال في هذا السياق: « لقد تعامل عامة الشعب التونسي – بل حتى الكثير مِن نخبه – مع مقاتلي ومناضلي منظّمة التحرير الفلسطينيّة الوافدين مِن بيروت بانبهار، وكأنهم أبطال تراجيديون هبطوا عليهم من كتاب مقدّس. أما بعض مثقفي اليسار مثلاً، فقد أراد تعليق آماله الرومانسية على أكتافِ هؤلاء الوافدين من بيروت ليستأنفوا المسيرة الثوريّة. وكي نكون مُنصِفين، فإن الإدارة التونسية بجميع مؤسساتها – بما في ذلك المؤسسة الأمنية – كانت شديدة التسامُح مع الضيوف الفلسطينيين، واستجابت لمُتطلبات إقامتهم الطويلة كمُقيمين استثنائيين أو من درجة خاصّة. ومن المؤكّد أيضاً، أن المُجتمع التونسي بفئاته كافة في الأرياف والمدن، وبأحزابه السياسية الحاكمة وغير الحاكمة والمعارضة، وبعامّته ونخبه، كان مُوحداً في التعبير عن إحساسه العاطفيّ ومَوقفه المركّب (القومي، الديني، الإنساني) من الفلسطينيّ الذي حل فجأةً بين ظهرانيه ».
ويؤكد اللواء أحمد الحيح (بن بيلا) ذلك مشيراً بالقول إلى أن المرة الأولى التي شعر فيها بتقدير من رجل أمن عربي في حياته كان ذلك في تونس، حتى أن مراسل « سانداي » البريطانية جاء إلى تونس يومذاك للاشتغال على تحقيقٍ يتصيّد فيه الخلافات التي يمكن أن تحدث بين التونسيين والفلسطينيين، فقال له بن بيلا ساخراً: « نحن نعاني من شدة احترام التوانسة لنا ». وأضاف: « كان شرطي المرور يغضّ الطرف عن تجاوزنا للإشارة الحمراء إكراماً للفدائي الفلسطيني ولفلسطين، وكان البقال والفلاح البسيط لا يقبل مقابل لمشترياتنا.. كان استقبالاً عظيماً لم نشهد مثله في أي دولة عربية ».
فلسطين – أحمد نظيف: هكذا تمّ الدخولُ إلى ثالثة المنافي
(صحيفة « السفير » اللبنانيّة – ملحق »فلسطين » – عدد ديسمبر /كانون الثاني 2015)

http://palestine.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=3442

http://palestine.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=3442/

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :