1 commentaire

Hadi Daniel: les illusions du printemps أوهام الربيع العربي arabe 1/2


hadi

هكذا تحدث هادي دانيال عن أوهام الربيع العربي و عن المثقف النقدي و القطيعي

الجزء الاول

*منذ اللحظة الأولى لانطلاق هذا « الربيع العربي » أعلن هادي دانيال العداء تجاه هذا « الربيع »، و هو الذي ظل ينادي طيلة الأربعين سنة الماضية – أي منذ تورطه في مهنة الكتابة – بالثورة الوطنية الديمقراطية و بتغيير الأنظمة الرجعية المتسلطة على مقدرات الوطن و على فكر المواطن ، كيف تفسِّر هذه المُفارَقة؟.
حاوره أحمــــــد النظيف:14-01-2013

هكذا تحدث هادي دانيال عن أوهام الربيع العربي و عن المثقف النقدي و القطيعي

 )الجزء الاول(

حاوره أحمــــــد النظيف

أزعم أنني أعرف هادي دانيال جيدا و أزعم كذلك انه صريح أبدا و دوما و لكن  لا أستطيع الادعاء بأني توقعت أن يكون بكل هذه الصراحة و بكل هذه الشجاعة كي يتحدث عن ما نعيشه من ردة فكرية و ثقافية فالرجل قد سمى الأشياء بأسمائها دون دبلوماسية أو مخاتلة , قصد جوهر الحقيقة مباشرة  وهو الذي تفرغ طيلة حياته للقتال خلف خطوط العدو , مسلّحاً بالبندقية و الشعر , يقاتل على كل الجبهات , مثقفو ما بعد الانهيار والاحتلال أصحاب فكرة التأويل الليبرالي التاريخي لماركس و التي تنتهي بسياسة تطالب بتمدين العالم المتخلّف، ولو عن طريق الاستعمار و بياطرة الثقافة الوهابية القروسطية و حوانيت المعارضة في المنافي الباردة و غيرها من أمراض هذا الوطن العربي الجريح .

في هذا الجزء الأول من حديثه الشامل يدافع دانيال عن أطروحته الفريدة حول « الربيع العربي  » متحدثا في ذات السياق عن أزمة المثقف العربي و انتشار نموذج المثقف القطيعي أو « تقني المعرفة » كما يسميه على نحو سرطاني .

*منذ اللحظة الأولى لانطلاق هذا « الربيع العربي » أعلن هادي دانيال العداء تجاه هذا « الربيع »، و هو الذي ظل ينادي طيلة الأربعين سنة الماضية – أي منذ تورطه في مهنة الكتابة – بالثورة الوطنية الديمقراطية و بتغيير الأنظمة الرجعية المتسلطة على مقدرات الوطن و على فكر المواطن ، كيف تفسِّر هذه المُفارَقة؟.

+ صحيح أنني منذ بدايات تشكّل وعيي السياسي في سبعينات القرن الماضي كنت أناضل – وليس فقط أنادي – من أجل تغيير وطني ديمقراطي يشمل جميع الدول العربية الخاضعة لأنظمة تخدم مصالح الغرب الصهيو أمريكي (على رأسها أنظمة البترودولار الخليجي) ، و يتبنى مشروعا قوميّاً علمانياً ذا آليات ناجعة من أجل تحرير فلسطين واسترجاع حقوق شعبها ودحر المشروع الصهيوني نهائيا. وقد بدأت هذه التجربة في بيروت عندما كانت حاضنة الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها ومؤسساتها ، مثلما كانت في الوقت ذاته حاضنة حركات تحرر وطني وقومي عربية وإقليمية ودولية مختلفة . ومن حسن حظي ربما أنني كنت في مواقع إعلامية جعلتني على تماس مباشر أو غير مباشر بهذه التجارب النضالية المتنوعة لقوى تمثل إرادات وطموحات مختلفة على مستوى القارات الأربع ، لأنني لم ألتق في ذلك الزمان والمكان مناضلين إستراليين. هذا كله رفد تجربتي الفكرية و الثقافية والإبداعية وما يفترضه كوني شاعرا من رهافة حسّ ، ليتكوّن عندي ما أدّعيهِ مِن حدْس سياسي يدعمه إحاطتي بمنهج تحليل علمي ، يجعلنا ، أنا ومَن قُدِّرَ له ما قُدِّرَ لي ، نرى ما قد لا يراه غيرنا مِنَ الذين جَرَفَهم ما أسمّيه الوعي القطيعيّ.

فأنا موجود في تونس منذ 1982 ، وعلى اطلاع ومتابعة لصيقين بحركة واقعها وتوجهاته في وجوهه السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، وعلى دراية بواقع القوى الحية السياسية والفكرية والنقابية والحقوقية وبرامجها النضالية ومدى وطنية واستقلالية بعضها وتبعية أبعاضها إما للنظام الحاكم وإما لقوى دولية خارجية تستقوي بسفاراتها أو منظماتها وجمعياتها ومؤسساتها (المدنية ؟) على هذا النظام. وكان النظام في عهديه « البورقيبي » و »النوفمبري » اللذين عرفتهما ، ينظر إليّ بعَيْنٍ غير راضية إن لم أقل ساخطة ، وغَمَرني بباقةٍ مِن فضائله القمعية بدءا بقرار ترحيلٍ حال الرئيس الراحل ياسر عرفات دون تنفيذه ، وصولا إلى منع أحد كتبي الشعرية ، مرورا بمختلف الترّهات التي يمكن تخيّلها بما في ذلك التدخّل في حياتي الشخصية ، ويُفْتَرَضُ أنّ أرشيفَ وزارة الداخلية التونسية يحتفظ بتفاصيل رُبَّما مُسِحَتْ مِن ذاكرتي بهذا الشأن. لا أقولُ هذا الآن تظَلُّماً أو تَقَرُّباً مِن العَهْدِ الما بَعْد نوفمبري ، عَهدِ الترويكا بأمر أمريكا ، بل أسوق ذلك للتدليل على أنني كنتُ معنياً ، حتى على الصعيد الشخصيّ ، بحدوث تغيير وطني ديمقراطيّ في تونس ، وقد احتفيتُ بوهم هذا التغيير في الأيام الأولى كما تشهد مجموعتي الشعريّة « خريفٌ مِن أجلِ حطّابيّ السماء  » فقصيدتاي « قطرة السيل ، نجمة الليل » التي كتبتها في 18/1/2011 و »بيان الناس » التي كتبتها في 21/1/ 2011 تحتفيان بما شهده الشارعُ التونسيّ من انفجار ظاهر وقصر قرطاج من اضطراب وأحداثٍ شكسبيريّة ، لتبدأ رؤيتي إلى أحداث تونس أكثر حذَراً وتطيُّراً مع قصيدة « تطيُّر » التي كتبتها يوم 28/1/2011 ونشرتُها في مجلة الآداب اللبنانية مع أول فصل من كتابي  » ثورات الفوضى الخلاقة:سلال فارغة »الذي كان أول كتاب يمْثُل مؤلفه وناشره أمام القضاء في العهد الما بعد نوفمبري.

لقد بدأ الضبابُ والغُبار ينقَشِعانِ أمام بصيرتي السياسية بتضافُر عدة عوامِل بينها أنّ ما حَصَلَ لم تخطط له وتنفذه أي من القوى التونسية الحية الحزبية أو النقابية ، ولم تدّعِ لاحقاً حتى الآن أي قوة أنّها تقف وراء ذلك ، وتعددت الروايات عن التفاصيل البارزة في الأحداث كالقناصة ، وإطلاق سراح المساجين من ذوي السوابق الإجرامية ليعيثوا فسادا ونهبا وحرقا في أدوات الإنتاج من مؤسسات ومصانع وشركات القطاعين العام والخاص في ظل شيطنةٍ مُسبقة لأجهزة الأمن وتحييد متعمَّد للجيش وتضخيم لدور المدوّنين في الشبكة العنكبوتية تماما كما تنصّ عليه توصيات « جين شارب » ، مما أضرمَ في ذاكرتي على الفور سيناريوهات الثورات البرتقالية في أوربا الشرقية ودور المخابرات الأمريكية في التخطيط لها وفي تنفيذها ، ليدعم ذلك توافد المسؤولين الأمريكيين إلى تونس للإحاطة بهذه الأحداث وتوجيهها ، ومن ثمّ توافد رموز المشهد السياسي التونسي الجديد إلى واشنطن لتقديم التعهدات وتلقّي التوجيهات والإملاءات.

وما أن بدأ السيناريو التونسي يُسْتَنْسَخ في مصر حتى تأكّد لي أنّ ما تشهده المنطقة ليس ثورات شعبية وطنية ديمقراطية ، بل هي حراكات مُوَجَّهة مِن الخارج لخدمة مخطط وأجندات خارجية ، ذلك أنّه من الكوميديا السوداء أنّ الاستنساخ شمل حتى تفاصيل صغيرة نسبيا كالقناصة وإطلاق النار من سيارات الإسعاف ، ناهيك عن أن توصيات الأمريكي جين شارب التي عرفتها حراكات أوربا الشرقية البرتقالية كانت إنجيل المدوّنين « الثوار » في تونس ومصر ، هؤلاء الذين سلّموا راية الفوضى الخلاقة لحركات الإسلام السياسي مثلما تسلّم هنري ليفي الراية من جين شارب ليستأنف تنفيذ هذه المؤامرة الجهنمية في ليبيا وسورية والجزائر لاحقاً.

وكما بات واضحاً لي منذ البداية كمناضل ، بوصلته السياسية هي القضية الفلسطينية ، فإنّ « ربيعك العربي » جاء في تونس ومصر وليبيا بأنظمةِ إسلام سياسي تحافظ اقتصاديا على سياسة إقتصاد السوق والبنك الدولي ، وسياسيا حافظت على إتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل مضافاً إليها الرسالة الحميمية التي أزجلها « محمد مرسي  » إلى صديقه العزيز  » شيمون بيريز » ، وتونسيا حرصت حركة النهضة في المجلس التأسيسي على الالتزام بوعد رئيسها راشد الغنوشي للدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية بأن لايتضمّن الدستور التونسي الجديد أي إشارة تسيء إلى إسرائيل والصهيونية ، رغم إرادة أغلبية الشعب التونسي في أن يتضمن الدستور الجديد بنداً يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني ، فبماذا يختلف إذن نظام مرسي عن نظام مبارك ونظام 7نوفمبر عن نظام 23 أكتوبر في تونس؟، وفي هذا السياق ماذا قدم هذا « الربيع » المزعوم للقضية الفلسطينية غير إخراج حركة حماس علنا من محور المقاومة والممانعة إلى محور تركيا الأطلسية وقطر القاعدة الأمريكية والسعودية المرجعية الوهابية ومصر قلعة الإخوان المسلمين الجديدة؟ .

إذن يا صديقي ليس في الأمر مفارقة ، كما أراد سؤالك أن يشيع ، لأن ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن تحت مسمى الربيع العربي ليست ثورات وطنية ديمقراطية كالتي ننادي بها ونناضل من أجلها بل هي حراكات مشبوهة لتعميم فوضى خلاقة تمهّد لإقامة الشرق الأوسط الكبير من الباكستان إلى مراكش ، وفقا لخطة برنارد لويس، يقوم على تقسيم الدول الوطنية الحالية على أسس عرقية ودينية وطائفية وعشائرية إلى دويلات فاشلة تدور في فلك « دولة إسرائيل اليهودية الكبرى » ، وتفضي في السياق إلى تصفية القضية الفلسطينية ، كما فصّلتُ ذلك في كتابي « الربيع العربي يتمخّضُ عن خريف إسلامي » بغيوم صهيونيّة ».

*ألا تعتقد أن تشخيصك لهذا الزلزال السياسي الذي هز المنطقة فيه الكثير من التحامل و الذاتية و التسرُّع و المجازفة بإطلاق الأحكام المسبقة في حين أن الثورات ما تزال تتحسس خطاها الأولى و الربيع لم يطفئ شمعته الثانية بعد؟.

+ كما سبق وأن أشرتُ ما نشهدُهُ ليس ثورات ، ولا أحد يعتبر هذه الأحداث الدامية « ثورات » غير الذين ركبوها ولم يساهموا فيها أصلا كحركة النهضة ، فحتى مَن يدّعونَ الثقافةَ والتفكير مِن المطبّلين لأكذوبة « الربيع العربي » يعترفون بأنّ حراكاته ليست ثورات ويصفونها بالانتفاضات ، وأنا طبعا لا أعتبرها حتى انتفاضات ، لأنّ هذه الحراكات تمّت أصلا من أجل إيصال الإسلاميين إلى سدّة الحكم ، ليس حبا بالإسلام والمسلمين والإسلاميين ، إنما لأن الجهات والدوائر الصهيوأمريكية تدرك جيّدا أنّ الإسلاميين يمثّلون في مجتمعاتنا العربية عنصر اضطراب وتجزيء وانقسام ، وهذا مطلوب لتعميم وإدامة الفوضى الخلاقة في الدول المستهدَفة إلى أن يتمّ إعادة تقسيمها وصياغتها جغراسياسيا من جديد وفقا لخرائط برنارد لويس.

وبهذا الصدد لنتأمّل ماحدث في السودان : تمّ اتهام الرئيس حسن البشير من قِبَلِ المحكمة الجنائية الدولية ، ثمّ تمّت مساومته ، بأن يُعلن تطبيق الشريعة في السودان مقابل أن تسكت المحكمةُ الدولية عن المطالبة بأن يمْثُلَ في قفصها ، وعندما استجاب عمر حسن البشير وأعلن تطبيق الشريعة أعلن جنوب السودان ذو الأغلبية السكانية المسيحية واللادينية انفصاله عن السودان الأم ، وسرعان ما اعترفت به الأمم المتحدة دولةً عضوا فيها بينما يناضل الشعب الفلسطيني منذ 65 سنة للوصول إلى هذا الاعتراف من الأمم المتحدة ، دون طائل. بل إنّ عمر البشير وأيضاً مُقابل أن يبقى في سدّة حكم الخرطوم شارك الطغاة الدوليين في تدمير ليبيا كما تباهى هو بعد سقوط نظام القذافي بقاذفات الحلف الأطلسي. وللعلم فإنّ ملفّ البشير جرى تحريكه ثانية بعد انفصال السودان لابتزازه مرة أخرى في مسألة أخرى مشابهة وهي انفصال دارفور . وهذا كله ينسجم تماما مع خرائط برنارد لويس التقسيمية.

ونلاحظ في هذا السياق كيف أنّ أوثق العلاقات نشأت فورا بين دولة جنوب السودان الجديدة والكيان الصهيوني. هذا هو دور السودان الحاضنة الأكبر لحركات الإسلام السياسي ورموزها ، والذي سبق لرمزه الإسلاميّ « حسن الترابي » أن باع الرفيق « كارلوس » أبرز المناضلين الأمميين من أجل فلسطين للمخابرات الفرنسية، فما بالك بالدور المرتقب من مصر المرسي وتونس الغنوشي؟.

هل تعلم أنَّ الحرب الأخيرة على غزة وإطلاق الصواريخ (الإيرانية والسورية ) على تل أبيب وباقي المستوطنات الصهيونية كانت غطاء عسكريّا لانسحاب حركة حماس من محور الممانعة والمقاومة وانخراطها في خطة صهيونية أمريكية خليجية تركية لتصفية القضية الفلسطينية تقضي بإلحاق قطاع غزة بمصر بعد أن يُضاف إليه جزء من سيناء لاستيعاب الكثافة السكانية في ظلّ وهم الخلافة الإسلامية التي تخامر النزوعات الفرعونية عند الاخوان المسلمين ومحمد مرسي ، ومن ناحية ثانية إلحاق الضفة الغربية بدون القدس إلى الأردن ، ومن المؤسف أنّ مناضلا فلسطينيّاً مثل فاروق قدّومي سوَّقَ لأردنةِ شرقيّ فلسطين (الضفة الغربية لنهر الأردن) في حوار له مؤخرا مع صحيفة « الشروق » التونسية؟.

وربما تُفاجأ إذا قلتُ لكَ أنّ الانجاز الذي تمكن منه الرئيس محمود عباس بالاعتراف بالدولة الفلسطينية غير العضو على حدود 1967 في الأمم المتحدة ، والذي أراد خالد مشعل النيلَ منه حين وصفه بالانجاز الصغير ، وجّه ضربةً سياسية قاصمة إلى هذه المؤامرة السياسية التي انخرط فيها الإسلام السياسي ضد القضية الفلسطينية؟.

وبعد قرابة العامين ، سمّيت أحداث تونس بثورة الشباب ، ففرّ الشباب منها إلى لمبيدوزا وَمَن بقيَ منهم ازدادت مُعاناته وإن احتَجَّ اتُّهِمَ بنفاد الصبر والتهوّرِ وإن واصلَ الاحتجاجَ التَحَقَ بالجرحى الذينَ مازاوا ينتظرون مَن يعالجهم، واعتلى العجائزُ مَنابرَها وتسلّموا دفّةَ الحكم فيها حكومة إثر أخرى. وسُمِّيَتْ ثورة العاطلين العمل من ذوي الشهادات العليا ، فتضاعفتْ نسبةُ العاطلين عن العمل ، وسُمِّيَتْ ثورة الجّهات المحرومة فازدادت الجهات المحرومةُ حُرماناً وإن رفعت صوتها مطالبة بحظّها المُفتَرَض من التنمية الموعودة اعتُبِرَت مُتآمرةً على الثورة وجُوبه أبناؤها بالرصاص المطاطيّ ثُمّ انحطّتْ مكانتُهم أكثر في نظَر حكومة النهضة ومراجعها القَطَريّة فتمَّ رشُّهم بالخرطوش الذي تُصطادُ به الخنازيرُ البريّة.

وفي المقابل ينعم أعضاء السلطة وأنصارها بالامتيازات داخل مؤسسات الدولة وخارجها ، بينما يزداد فقراء عامة الناس فقرا . فأيّ كرامة مع البطالة والخصاصة والتمايز والتمييز ناهيك عن النزعة الانتقامية التي تدعو إلى الاستئصال والعقاب الجماعي ؟ ناهيكَ عن تحوُّلِ تُونس إلى « منجمٍ  » لاستخراج وتصدير الإرهابيين إلى سورية ومالي وغيرهما من الأمصار؟.والأمر في مصر ليس أفضل ، والشعب المصري عاد إلى ساحة التحرير ليقول رأيه المرّ.

ولكن الأفظع والأشنع هو كيفيّة تجسُّد هذا « الربيع العربيّ » المزعوم في ليبيا ، حيث استقدم قوات الحلف الأطلسي وجيوش المشيخات والممالك العربية كقطر والأردن والمغرب كي يدمّرها شبرا شبرا و « زنقة زنقة » ، وبإشراف الصهيوني الفرنسي هنري ليفي ، وبما أن الشعب الليبي يعتنق دينا واحدا ومذهبا واحدا تقريبا فقد شحنوا فيه النزعة القبلية العشائرية وهيّأوه للتكيّف مع قرار تقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات وفق خرائط برنارد لويس. وهاهُم يحاولون منذ حوالي العامين تدمير سورية وشنّ حرب إبادية على شعبها إدراكاً منهم أنّها مركز الجملة العصبية لهذه الأمة ، وعاصمة ليس محور مقاومة العدو الصهيوني في المنطقة فقط ، بل عاصمة محور مقاومة الهيمنة الإمبريالية الأمريكية على مستوى العالم ، ذلك أنّ دمشق هي سرّة الكوكب الأرضيّ كما يعتقد السوريون.

فإذا كانت هذه « الثورات » المزعومة قد ألحقت كلّ هذا الخراب الشامل بالدول والشعوب التي استهدفتها ، فهل علينا أن ننتظر فناء هذه الدول والشعوب حتى ننبّه إلى أنّ هذا « الربيع العربي » ليس أكثر من حصان طروادة مصنوع من بلّور شفيف للذين يُبصرون؟.

– *المثقفون في التصور القرامشي هم الشريحة التي تدافع فكرا و قولا عن مصالح الجماهير و الأمة و الشعب  » هم الطليعة و النخبة التي يسترشد بها العامة و بقية الطبقات و الشرائح  » كيف تنظر إلى استقالة المثقف العربي اليوم من هذه المهمة في سياقات الارتداد الفكري و الأخلاقي فالبعض يستجدي الاستعمار للعودة إلى الأوطان و البعض الأخر يتنكر لأفكاره كأن يصبح أحد رواد الفكر العقلاني التنويري في ذات الخندق مع العرعور و فقهاء إطلاق اللحى و حف الشوارب و رضاع الكبير؟.

+ أوّلاً يجب أن نعترف أنّ المشهد الثقافي العربي المعاصر ، وخاصة في العقود الستة الماضية لم يعرف عددا كبيرا من المثقفين العضويين حسب توصيف قرامشي ، ولكن بالتأكيد لم نفتقدهم تماما ، فأنا يمكن أن أسمي مثلا اللبنانيين « حسين مروة » و »مهدي عامل » والفلسطينيين  » غسان كنفاني » و »إميل حبيبي » و »توفيق زياد » و  » رشاد أبو شاور » والسوريين  » سعد الله ونوس  » و »ممدوح عدوان » و »أنطون مقدسي »و »حيدر حيدر  » و » أسامة الهندي » والسعوديين « عبد الرحمن منيف »و »ناصر السعيد » والعراقي »سعدي يوسف »والتونسيين « مصطفى الكيلاني » و « سليم دولة » ومن السودان « جيلي عبد الرحمن »وغيرهم من مصر والجزائر والمغرب ، ولكن أغلب المثقفين العرب تَمَرَّغَ بين بلاط السلطة وبلاط المعارضة التي هي مشروع لإعادة إنتاج السلطة. وربّما تستغرب أن أقول لك إنّ معظم المحسوبين على الثقافة العربية هم تقنيّوا معرفة وليسوا مثقفين إذا اتفقنا على أن الثقافة وعيٌ فاعلٌ سلوكياً وليس تراكماً كميّاً للمعارف ، وبالتالي فإنّ هؤلاء يوظّفون تقنياتهم المعرفية لمن يدفع لهم من السلطة أو المعارضة التي بعضها بات أكثر سخاء من بعض الأنظمة .

وهنا لابدّ أن نلاحظ أنّ ظاهرة شراء ذمم المثقفين دشَّنها نظامان قوميّان ( بترودولاريّان) هما نظام البعث في العراق ونظام القذافي في ليبيا ، اللذان ساهما كثيرا في إفساد الشرائح الثقافية المصرية واللبنانية والتونسية بخاصة، والعربية بعامة ، لتنسج على منوالهما ولكن بسخاء أقلّ وتوظيف وابتزاز أخطر وأقذر أنظمةُ البترودولار الخليجي .

ومن الكوميديا السوداء أنّ معظم المثقفين الذين أدمنوا البترودولار العراقي (خاصة في الحرب العراقية – الإيرانية) أو الليبي كانوا الأكثر حدَّةً في العَداء للعراق بعدَ الحصار عليه وحرمانه من بيع النفط ، وإظهار الولاء الخانع لخصوم العراق من الخليجيين الذين يدفعون. كما أن مثقفين راكموا ثروات من تزلُّفِهِم للقذافي سرعان ماتنكّروا له حتى قبل أن يصرفوا آخر عطاياه لهم ، وبدأوا ينخرطون في جوقات الشماتة في مآله التراجيديّ.

ولن يبهجنا أكثر الحديث عن أيقونات يسار سبعينات وثمانينات القرن المنصرم ، فالشاعر العراقي « مظفّر النواب » حَذَفَ مِن قصيدته « وتريّات ليليّة » إشارته في مَقطَع مِنها إلى « أخْذِ الجزْيةِ في القرن العشرين » بَعد أن ضمّه العقيد القذافي إلى بلاط « ملك ملوك أفريقيا » ، وظَهَرَ هذا الشيوعي العريق على قناة « الحرّة » الأمريكيّة « شيعيّاً » مُغْتَبطاً بكونه « ينتخبُ لأوّل مرّة » حكّاماً جُدُداً للعراق »الديمقراطي » في ظل الإحتلالِ الأمريكي.

أمّا الشاعر المصري « أحمد فؤاد نجم » الذي كان مع رفيق دربه الراحل « الشيخ إمام » يتلقّيان الأموالَ مِن الفلسطيني ربيب المخابرات العربية « صبري البنّا » مقابل شَتْم الرئيس الراحل الشهيد « ياسر عرفات » ، فقد جَرَفَهُ الوعيُ القطيعيُّ إلى جوقةِ إنشاد مدائح « ثورات الفوضى الخلاقة » والتهجُّم على الرئيس السوري « بشار الأسد » الذي كان « نجْمُ » نفسُه قد امتدَحَهُ كرمز للمانعة والمقاومة بقصيدةٍ عصماء ألقاها مراراً أمام الجمهور السوري قبْلَ اندلاع الأزمة السورية وأعادت قناة « الإخبارية » السورية بثّها مِراراً في فترتِها التجريبية.

وما أكثر المثقفين المصريين الذين ارتزَقوا باسم رفْضِ اتفاقيات « كامب ديفيد » في عهدَيّ « السادات  » وَخَلَفِهِ « مبارك » مِن أموال البترودولار القومي في العراق وليبيا بخاصة ، ولنا في الروائي « جمال الغيطاني » الذي حَبَّرَ آلاف الصفحات في تمجيد الجيش العراقي وبينها كتابه « حراس البوابة الشرقية » في الحرب العراقية – الإيرانية لينقلِبَ على هذا الجيش وقائدِه بَعْدَ غَزْوِ الكويت فاتحا صحيفة « أخبار الأدب » للهجوم على بغداد تحدُوه في ذلك ماليّاً الأميرةُ الشاعرة « سعاد الصباح » التي كانت بدورها تُزَخْرِفُ بساطير جنود وضباط الجيش العراقي بقوافي المَدِيحِ مُشيرةً في إحدى « قصائدها » إلى أنها « تزوّجتْ مليونَ نخلةٍ عراقية » ، وحينَ عاد الشاعر الراحل محمود درويش من معرض القاهرة ليحضر مؤتمر اتحاد الكتاب و الأدباء العرب أواخر 1990 في تونس، سُئلَ كيف وجَدَ « سعاد الصبّاح » التي كانت ضيفاً على معرض القاهرة أيضا ، أجاب ساخرا « كانت عمبتكلِّع نَخل ».

أمّا الراحل « يوسف إدريس » الرائد النوعيّ لفنّ القصة القصيرة العربية ، الذي رَفَضَ أن يقتَسِمَ القيمةَ المالية ل »جائزة صدام حسين للآداب » مع الكاتب الفلسطيني الراحل « جبرا ابراهيم جبرا » ، فتمَّ مَنْحُ القيمة المالية كاملةً وقدرها مئة ألف دولار لكلّ منهما ، فقد عَدّ ،أي إدريس، على التلفزيون العراقي جائزةَ صدام  » أهمّ من جائزة نوبل للآداب » ، ليعترضَ لاحقاً موكبَ الرئيسين « حسني مبارك » و »حافظ الأسد » ، في زيارة أدّاها آنذاك الرئيس السوري الراحل إلى مصر، ويلحّ عليهما بأن « يشرّفاه بتناول الشاي في الفيللا التي بناها بأموال صدّام  » كما قال متهكما ، حسب صحف تلك الأيام.

ومِن المثقفين الذين ينسبون أنفسهم إلى الفكر القومي الناصري نذكر الناقد الأدبي السوري « خلدون الشمعة » الذي عرفتُهُ في سبعينات القرن الماضي سكرتيرا لتحرير مجلة « المعرفة » التي تصدرها وزارة الثقافة السورية ورئيسا للقسم الثقافي بجريدة « البعث » السورية في آن معا. لأفاجأ به في ثمانينات ذلك القرن رئيساً لتحرير مجلة « الدستور » الأسبوعية التي كانت تصدر في لندن بتمويلٍ عراقيّ ،وما أن تَمَّ فرْضُ الحصار الجائر على العراق ، الأمر الذي استدعى إغلاق مجلة « الدستور » حتى انتقل رئيسُ تحريرها القومي « الشمعة » إلى الكتابة في مجلة « المجلة » السعوديّة التي تنفث سمّاُ زعافاً ضد العراق وشعبه ونظامه، فانتقل هذا « الخلدون » بسرعة البرق من خندقٍ إلى خندَقٍ مُضادّ سياسياً ، بوصلتُه في ذلك الوقوفُ مع مَن يدفَع، وفي الوقت نفسِهِ طَلبَ مِن مُواطِنِهِ المفكر « مُطاع صَفَدي » أن يتوسَّطَ له عند العراقيين عساهم يقتطعونَ له مِن عائدات « النفط مقابل الغذاء » الأقساطَ التي لم يدفعها بعد مِن ثَمَنِ منزله الذي اشتراه في عاصمة الضباب، بينما المثقفون العراقيون ، وأنا شاهد على ذلك كانوا بالكاد قادرين على تأمين الحليب لأطفالهم.

ومِنَ المُثقّفين القوميين نُشير إلى التونسي « عفيف البوني » الذي كان لفترة على رأس الأمانة العامة لحزب البعث – الجناح العراقي في تونس ، ليتحَوَّل مع « السابع من نوفمبر » ويؤلّف كتابا في ذلك ، فيُكافأ بتعيينه مديرا لمجلة « الحياة الثقافية » ، وبعد خَلْع الرئيس زين العابدين بن علي وإطاحة نظامه في 14 جانفي / كانون الثاني 2011 ، لم يكتَفِ بالركوبِ « الإستراتيجي  » على « الثورة التونسية » بل رافَقَ صديقه  » عبدالله التركماني » للتظاهُر « الثوري » أمامَ السفارة السورية في تونس ، قبْلَ إغلاقِها.

ومِن رموز التهافُت السياسي بين مثقفي تونس نذكر « أبا يعرب المرزوقي » الذي نَشَرَ في تسعيناتِ القرن الفائت بصحيفة « القدس العربي » اللندنية مقالا يقوم على فكرة تبنّاها نظامُ زين العابدين لفترة ، وربما يسعى أبو يعرب في خدمتها الآن أيضا ، وخلاصتها أنه على العرب كي يجدوا لهم مكاناً على الخارطة السياسية الدولية في المَدِّ العَولَمِيّ أن يسعوا إلى تكييف مصالحهم مع المصالح الأمريكية . ولكن بعد انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية على العدو الصهيوني في سنة 2000 وسنة 2006 ، صار أبويعرب ينشر مؤلفاته في دار نشر سورية موالية لسياسة النظام السوري هي دار الفرقد ، وبات يُلبّي دعوات مؤسسات رسمية لإلقاء محاضرات حول ثقافة المقاومة والممانعة بملتقيات في شمال سورية ، ولكن بعد أحداث تونس مباشرة واصطفافه إلى جانب حركة النهضة وترشُّحهِ ألى المجلس التأسيسي على قوائمها وانخراطه في حكومتها ، ظَهَرَ على قناة « الجزيرة » القطَريّة ، لينتقِدَ بشراسة نظامَ دمشقَ نفسَهُ إيّاه ، ويحاوِل أن ينفي عنه صِفتَيّ الممانعة والمقاومة، وكأنّ « أبا يعرُب » المرزوقي الذي كان يعدُّ نفسَهُ مُخْتَصّاً في « الخلدونيات » لم يَبْقَ عندَهُ مِن هذا الاختصاص غير أن يقتفي « ابنَ خلدون » في مرافقتِهِ « تيمور لنك » في غَزو دمشق .. خاصة وأن التاريخ « يعيد نفسه… ».

ومِنَ المثقفين الذين يمكننا عَدَّهم مَرجعيّةً لِمَن يستثمرون الآن في كرنفال الإرتزاق السياسي انتماءهم المذهبيَّ التقليدي المتوارث إلى أقليات طائفية معيَّنة في سورية ، نذكر الشاعر الراحل الدكتور « أحمد سليمان الأحمد » ، شقيق الشاعر الكبير بدوي الجبل (للأسف) ، فبعدَ أن استخدَمَه القائد السابق لما كان يُسمّى « سرايا الدفاع » و »العديل » الحالي لِمَن يُسمى « خادم الحرمين » ، على رأس ما كان يُسمى « رابطة الخريجين الجامعيين  » أو شيء من هذا القبيل ، حَمَل « الدكتور أحمد » اسمَ عائلته وموقعَها المذهبيَّ الخاص على كتفه برفقة زوجه البلغاريّة الحيزبون بين ليبيا والعراق ، لتُغدقَ عليه بغدادُ بعد طرابلس ، الأموالَ الطائلة ليس مقابلَ قصائده التي يهجو بها نظامَ دمشقَ ويمتدِح نظامَ بغدادَ فحسب، بل خُصِّصَت له ميزانيّة حزبٍ سياسي وهميّ (هو مؤسِّسُه وقائدُه ومكتبُه السياسي وقاعدتُه لأنه لم ينجب أبناء أوبناتاً وزوجته ليست مواطنة سورية أو حتى عربية) يُصدِرُ باسمه البيانات التحريضيّة مُخاطباً في ذلك أبناءَ الطائفة التي ينتمي إليها.

وعلى منوال الدكتور أحمد سليمان الأحمد ينسج الآنَ ذلك السياسي أو المثقف أو الفنان أو الكاتبة أو الفنانة الذينَ يستثمرونَ انتماءاتهم إلى أقليات طائفية في سورية مُقابلَ أن يُلقى إليهم بفُتات الأموال التي أغرقتْ بها قطَرُ والسعودية وغيرهما من الدول المعادية لبلادنا « مجلسَ اسطنبول » و »ائتلافَ الدوحة » وسواهما من مَعالِف المرتزِقة على حساب دمِ الشعب السوري ومعاناته التراجيديّة.

وكعيّنةٍ من هؤلاء « الأحمديين » الجُّدُد أتوقّف عند الفنان التشكيلي « حبيب الراعي » الذي أرسلَتْه وزارةُ الإعلام السورية في بعثةٍ دراسية رسمية إلى تونس لنيل شهادتيّ الماجستير والدكتوراه في الفنون الجميلة من جامعاتها.وقد تعَرَّفْتُ عليهِ عن طريق السفارة السورية التي كان مُرتبطاً بها مثَلُهُ مَثَلُ بقية الطلبة السوريين الذين يدرسون بموجب بعثة رسمية ، ورغم أنه كان قريبا مني في تونس على قاعدة الاهتمام الإبداعي المُشترك ، فإنني لم أعرف عنه انشِغالاً بالشأن السياسي أو بأيّ شأن عام، كما لم يُعرَفْ عنه أيّ تمرُّد على سلطة السفير السوري الذي كان معروفاً بنفاجته وتدخُّله الفظّ في شأن الجالية السورية ، بينما اصطدمتُ شخصياً بهذا السفير خاصّة عندما كان يستقوي بالسلطات التونسية لمنعِ دعوة أومشاركة هذا الفنان السوري أو ذاك القادم من سورية أو من خارجها إلى المهرجانات الثقافية والفنية التونسية. وكان موقفي هذا ضد هذا السفير مُعلَناً عبر الصحافة التونسية والعربية خاصة حين تصدّى لمشاركة أشرطة سينمائية سورية في دورات متتالية من مهرجان « أيام قرطاج السينمائية » للمخرج الراحل « عمر أمير الاي » والمخرجة »هالة العبد الله » والممثلة والمخرجة « ريم علي ».وقد فاتحتُ بأمر سلوكات هذا السفير التي لا تليق بمكانةِ سورية الحضارية والثقافية والفنية السيدة الدكتورة « نجاح العطار » بصفتها نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية ، عندما حضرتْ إلى تونس ممثِّلةً بلادنا في احتفالية « القيروان عاصمة الثقافة الاسلامية » ، هذه الاحتفالية التي ، بالمناسبة حضرَها « ذو الإبط الثوريّ الخَصْب مُسيلمةُ القرضاوي » واستقبله زين العابدين في قصر قرطاج ، وخرج من القصر يشيد بما يحيط به الرئيس الدين الإسلامي من رعاية .

إذَن ربّما شجّعتْ علاقتي السيئة بالسفير ، وكوني غبتُ ثلاثينَ عاما عن سورية قبل أن أزورها لأول مرة عام 2004 ، « حبيبَ الراعي » على مخاطبتي من الأردن بعد اندلاع الأزمة في سورية ، ودعوتي إلى خندقهِ الجديد ، مُستَغرباً أنني وأنا الذي لم أفد يوما من الدولة السورية أن أقف الآن إلى جانبها بدون مقابل ، واصفا ذلك « بالغباء ».وحين استقصيتُ عند أصدقاء مشترَكين بشأن سبب هذا التحوّل المفاجئ عند « الراعي » ، تبيّن لي أنّه بعْدَ حصوله على شهادة الدكتوراه ، أنهى « خدمة العَلَم » في مؤسسة « الإعلان » التابعة لوزارة الإعلام ، وبعد ذلك أراد صاحبُنا أن يُعَيَّنَ أستاذاً في كليّة الفنون الجميلة بدمشق التابعة حكماً لوزارة التعليم العالي . وقد سعى عند صديق مُشترَك قريب من السيد نائب رئيس الجمهورية الأستاذ فاروق الشرع من أجل ذلك ، وبعد إلحاح فاتح السيدُ الشرع وزيرَ التعليم العالي بأمر إمكانية تعيين الدكتور الراعي أستاذا في كلية الفنون الجميلة ، فاعتذَرَ الوزيرُ بأن ذلك يخالف القوانين ، ذلك أنّ كلّ متخرج من بعثةٍ يعود كي يعمل في مؤسسات الوزارة التي أوفدتْه للدراسة في الخارج ، واستثناء « الراعي » سيخلق فوضى في الوزارة لأن ثمة آلاف لم تُلَبَّ رغباتُهُم في حالاتٍ مُماثلة .لذلك دبّر هذا الفنان « الدكتور » أمره خارج سورية ، وتمَّ تعيينُهُ في جامعة أردنية أستاذاً لمادة الفنون الجميلة.وفي مناخ مُعادٍ للدولة السورية أراد أن يُعزِّز موقعه في مؤسسة ملكية أردنية بهذا « الإستثوار » المفاجئ.

هكذا إذن نشأت نقمتُهُ على الدولة السورية التي أرسلتْهُ في بعثة لسنوات على حسابها ، لأنه أرادَ أن يفرضَ سلوكاً فاسِداً وحينَ لَم يُسْتَجَبْ عمل بالمثل القائل « نكاية بالطهارة نتوضأ بالنجاسة » . وهذا لا يعني طبعاً أننا ننزّه مؤسسات الدولة عن الفساد تنزيها تاما ، ولكن في حالة « الراعي » هذا ما حصل ، ولنقل إنه كان سيّئ الحظ ، فهل يبرر له ذلك أن يقف في الخندق المعادي لبلاده وشعبه انتقاما ؟ . وللأسف فإنّ مَن يظهرونَ علينا الآنَ على القنوات الفضائية بملاءات « الطهرانية الثورية » مُعظمُهم مِن « فرسان الفساد » ، وعندما اصطدموا بما يحدّ من جشعهم في هذا المجال استغلوا الظرف الذي تمر به الدولة ليعلنوا عصيانهم عليها ورَمْيها بما هو متأصِّل فيهم ، بل ويسعون إلى محاولة غسْل أيديهم الآثمة بدماء شعبنا ، طمعاً بنصيبهم من السحت الحرام وطنيا وأخلاقياً ، ليستثمر مَن أشرنا إليهم في هذا السياق انحدارَهم من عائلات تنتمي إلى هذه الطائفة أو تلك من الطوائف التي تستهدفها عمليات القتل التكفيري الوهابي مِن جهة ومُحاولات زَخْرَفَة خناجر القَتَلة في الجهة الموازية.

إذن نستخلص من كل ما أوردناه أيضا أن المثقف الحقيقي أو « العضوي » لم ولن يكون هامشا للسياسي أو الديني لأنّ وجوده يتحقق ليس فقط بفكّ أي شكل من أشكال الإرتباط بهما بل وبمقاومتهما مقاومة ضارية كلما حاولا اعتراض حرية هذا المثقف في التفكير والتعبير أو في الخلق الإبداعي. وبما أنّ السياسي والديني يسعيان دائما إلى فرض سلطتهما إن كانا في الحكم أو في المعارضة فهما يوظفان من أسميه « تقنيَّ معرفة » وينسب نفسه أو ينسبه من يوظّفه إلى شريحة المثقفين افتراء. تقنيّ المعرفة هذا هو السائد عربيا منذ عقود ولذا يوظّف معارفه في خدمة من يدفع إعتقادا منه أن هذه المعارف سلعة يقدمها لمن يدفع ثمنها ، ولذا نجد هذا النوع في بلاط السلطان و « بلاط » المعارضة ، أكان هذا السلطان و هذه المعارضة سياسيين أو دينيين.

* تعيش بعضُ دول الربيع العربي موجات من الغضب الشعبي ذات دوافع إجتماعية واقتصادية خاصة ، حيث وصل الإسلام السياسي إلى السلطة . كيف تُفسِّر هذا الفشل الكبير في معالجة الكثير مِن القضايا المعيشية للمواطن وتنكُّر القوى الإسلامية لملفّات كانت تزايد بها على الأنظمة الآفِلة (بن علي-مبارك) كقضيّة تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني وقضايا الحريّات والإرتهان الإقتِصادي لدوائر النهب العالمي؟.

+ باتَ واضحاً لدى كلّ مُراقِب موضوعي أنّ المخابرات الأمريكيّة وأداتها الأشدّ حماسة وولاءً شَرِساً للمشروع الصهيو أمريكي المتعلّق بما يُسمّى « الشرق الأوسط الكبير « ، أعني هُنا مَشْيَخَةَ قَطَر، كانت تؤدّي دوراً مالياً وسياسياً وإعلامياً في أحداث تونس التي اختارَتْ التلطِّي خَلْفَ إقدام الشاب  » محمّد البوعزيزي » على حَرْقِ جَسَدِهِ ، وفي استنساخِ هذه الأحداثِ التي أوْدَتْ بنظام زين العابدين بن علي ، وفَرْضِها على مصر . والوثائقُ تتراكمُ بهذا الخصوص ، ونُشير هنا إلى وثائق منها كانت قد قدَّمَتْها قناة « الفراعنة » المصريّة عن اعتقال الإخواني « محمّد مرْسي العيّاط » الذي سيصبح لاحقاً  » الرئيس المصري محمّد مرسي » ، في قضيّة تَجَسُّس لصالِحِ أربعة أجهزة استخباريّة يهمّنا منها هنا المخابرات الأمريكية ( ليس لأنّ أبناء مرسي يحملون الجنسيّة الأمريكية) ، حيث اعتُقِلَ « مرسي » في 27 جانفي / كانون الثاني 2011 في سجن وادي النطرون بعد اندلاع شرارة الأحداث بيومين ، ليتم تهريبه من السجن بعد يومين ويتحدث مع قناة « الجزيرة » من أمام هذا السجن ، أي في اليوم التاسع والعشرين من الشهر نفسه ، وذلك ضمن خطّة أمريكية صهيونية قطَرية  » لمساعدة الإخوان المسلمين في الإستيلاء على دفّة الحكم في القاهرة كي يساعدوا بدورهم لاحقاً »إسرائيل » على دخول سيناء واحتلالها بالكامل  » حسب مَن عَرَضَ وثائق قناة « الفراعنة ».

وهذا يُفَسِّر تَرَدُّد « الإخوان المسلمين » في مصر، وقبلهُم « حركة النهضة » في تونس ، وعدم الزجّ بأعضائهم وأنصارهم في الأحداث التي شهدَها البلَدان على التوالي إلا بعد التأكُّدِ من حتميّةِ إطاحةِ نظاميّ « بن علي  » ومن ثَمَّ « مبارك » . فإذا كان « النهضويون » عاجزينَ موضوعيّاً وذاتيّاً بسبب وجود الجسم الأكبر مِن « حركتهم » في السجون أو خارج البلاد ، فإنّ « إخوانَ » مصر كانوا أقدَرَ على أن يبادروا بالمشاركة منذ يوم « 25 يناير » لكنّهم تريَّثُوا بانتظار التأكُّدِ مِن تَرَنُّحِ نظامِ مبارك وبَدْءِ تَفَكُّكِهِ ، ليسارِعُوا لاحِقاً إلى ركوب « الثورة » – بعدَ أن ركبوا الجِّمالَ ضدَّ المَحَرَّكين الأوائل فيها – وتَسَلُّقِ انتخاباتٍ لِمَرَّةٍ واحدَة تُوصِلهُم إلى سدّةِ الحكْم ، ومِن ثمَّ يجمعونَ السلطات جميعها في قبضتهِم – كما فعلَ مرسي ويحاول إخوانُ تونسَ وليبيا أن يحذوا حَذْوَه – ناسِبينَ إلى أنفُسِهِم « فَضْلَ » الخلاص مِن الأنظمةِ الدكتاتوريّةِ الثلاثة بمساعدةٍ قَطَريّة طبعاً يؤكّدُها تصريح زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بأنَّ « قَطَرَ شريكٌ في ثوراتِ الربيع العربيّ ». وفي سياقِ مُحاوَلَةِ اخْتِطاف حتى « البطولاتِ » الفرديّة التي شَهِدَتْها هذه الأحداث لتبرير « تطويبها » وماآلَتْ إليه لصالح »الإخوان » تجرَّأ « المنصف بن سالم » وزير التعليم العالي القيادي في حركة النهضة في ندوة بثَّها تلفزيون « دبي » على نَسْبِ انطلاقة أحداث تونس في سيدي بوزيد إلى النهضاوي « عمر أولاد أحمد بن علي » مُدَّعياً أنَّ الأخيرَ هُو أوَّل مَن قادَ تظاهُرةً بالهتاف الشهير « التشغيل استحقاقْ ياعصابة السُّرّاقْ  » ، الأمْر الذي فنّده على الفَوْر في ذات الندوة وعلى ذات القناة ابنُ سيدي بوزيد « خالد عوينيّة » عندما أكّدَ بصفتِهِ شاهِدَ عَيان حقيقياً ومُشاركاً في انطلاقةِ الأحداث أنّ النهضاوي « أولاد أحمد بن علي » لم يُشارِك في التظاهرات إلا بعدَ 14 جانفي /كانون الثاني (يومَ هُروب أو تهريب الرئيس بن علي بقرارٍ وتنفيذٍ أمريكي)، بينما كان أوّلَ مَن قادَ تظاهُرةً في سيدي بوزيد صادِحاً بالهُتافِ المذكور هو « الناصر ظاهري » الذي لا تربطه علاقة من قريب أو بعيد بحركة النهضة .

إذَنْ الدَّور المرسوم مُسبَقاً للإخوان المسلمين وَعَدَم الزجّ بهم في الأحداث قبْلَ التأكُّد مِن « نجاعَتِها » كانَ بقرارٍ وإملاء أمريكيّين ، كي لا يتمّ حَرْقُ ورقة « الإخوان » كاحتياطيٍّ جاهِز ودائم للمشروع الصهيو أمريكي المُتَجَسِّد هُنا بخطّةِ « برنارد لويس ».

فالإخوان المسلمون بسيطرتِهِم المُطلَقَة على السلطات الثلاث في دُوَلِ « ثورات الفوضى الخلاقة » يكفَلُونَ إبقاء مجتمعات هذه الدُوَل غير مستقرّة بفِعْلِ خطابِهِم التكفيريّ الإقصائيّ ، وتقسيم المجتمَع ذي الدِّين الواحد والمذهب الواحد عند الأغلبية الساحِقة ، إلى « مؤمنين يلتزمونَ تطبيقَ الشريعة » وآخَرينَ يرفضونَ هذا التطبيق الذي يعتدي على نَمَطِ حياتِهِم نساءً ورجالا و على ما اكتسبوه أو يطمَحونَ إلى اكتسابه مِن حقوق وحريات.

وفي هذا السياق عاشت و تعيش تونس منذ آلَ الحكْمُ إلى النهضة أشكالا مِن الإقصاء والإعتداء بالعُنْف على كلِّ مَن يُخالفهم أو يختلف معهم سياسيا وفكريا أو في رؤيتهم الوهابية إلى الدين والفن والسلوك الإجتماعي ، مُطبِّقينَ في ذلكَ شعارَ جورج بوش الصغير « مَن ليس مَعَنا فهو ضدّنا ويجب تغييبه » ، فَقَتَلَتْ وَسَحَلَت ميليشياتُهُم المسماة « رابطات حماية الثورة » بعد أن صارت « الثورة » تساوي حركةَ النهضة وحكمها وسياساتها ، المواطنَ التونسي « لطفي نقض » في « تطاوين » بالجنوب التونسي لأنه ينتمي إلى خصمِها السياسي « حركةِ نداء تونس » ، و هي تمثِّلُ معنويا وجسديّاً الآن بالإعلامي « سامي الفهري » لأنه صاحبَ قناة فضائية يرونَ فيها خطَراً على سياساتهم. وهُم يشيطنونَ الإعلامَ ، فكُلُّ مَن لاينصاع لتوجُّهاتِهِم وتوجيهاتِهم يَصَنِّفونَه « تجمُّعيّاً » بعدَ أن نجحوا في أن يجتَثُّوا حزبيّاً سَلَفَهم « التجمُّع الدستوري الديمقراطي » ويرثوا أسوأ « مآثره ».. فلم يكتفوا بشَيْطنة الإعلام لأنه لا يُسبّح بحمدهم كما كان يفعل في العهد السابق ، بل يتوعّدون مَن يُشيع مفاسِدَ رموز حكمهم بالجَّلْد، ناهيك عن مواقفهم القروسطيّة مِن الإجتهاد الفكري والإبداع الأدبي والفني التي دشنّوها في العاصمة التونسية بغزوة ضدَّ قناة فضائية بثّت شريطا سينمائيا كرتونيا وعلى دار ثقافة احتضنت معرضا لأعمال في الفن التشكيلي والنحت.

وبما أنّ قوى الإسلام السياسي وتحديداً تنظيمات الإخوان المسلمين ، مرتبطةٌ سياسيا بالدوائر الغربية ، ومقرُّ قيادتها الدولية تاريخيا كان في ألمانيا الغربيةِ فالموحَّدةِ ، قبل أن ينتقل مؤخّراً إلى مَشْيَخَةِ قَطَر الوهابية . ولكونِهِم ترَعْرَعوا ( وتَعَرعَروا) اقتصاديّاً بأفرادِهِم ومؤسساتِهِم المالية والتجارية والخدماتية والعقارية في أحضان السوق الرأسمالي الإمبريالي الغربي أو في السوق الرأسمالي الريعي الطفيلي والكومبرادوري العربي فإنَّ « رؤيتهم » الإقتصادية لا يمكن إلا أن تكون ضدّ مصالح الفقراء وتطلعاتهم ، وقد يختصرها « راشد الغنوشي » في تصريحه الموثَّق عندي بصوتِهِ حيث يقول : » الغنيّ (وليس الفقير) مِن أسماء الله ، فالله يحبّ الأغنياء ، والمسلم بحاجة إلى المال كي يؤدي فروض عبادته ، فالفقير ليس بمقدوره أن يؤدّي واجبَ الزكاة ، ولا يُمكنُهُ أن يَمشي إلى الحجّ ، وحتى مَن يُصلّي يحتاج إلى الماء كي يتوضّأ ، والمال لايتوفّر بدون مال ، ناهيكَ عن حاجة الدين إلى الجوامع التي يحتاج بناؤها إلى مال ، كما أن البورصة هي سوق لشراء وبيع الأسهُم ، وهذا داخل في مبدأ الإسلام ، فالله أحَلَّ البيعَ والشِّراء ». فالرؤية الإقتصادية عند نائب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الوهابيين تَحذف من مرجعياتها سِيَرَ وأفعالَ وآراءَ الخُلَفاءَ الراشدين كعمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب والصحابة كأبي ذرٍّ الغفاري لِتتأسَّسَ – كما يبدو – على سيرة خلفاء بني أمية مُستثنىً منهم عمر بن عبد العزيز.

فالغنوشي وإخوانه يُنْهِضونَ مَفهومَهم للسياسة الإقتصادية على إعلاءِ شأنِ الأغنياء وأصحاب رؤوس الأمال ، وبالتالي فإنّ مُراكمة رؤوس الأموال يَدخل في صُلْبِ فَهْمِ هؤلاء للدين والتديُّن ، وبما أن البنية التحتية وأدوات الإنتاج الرأسمالية لايمكن أن يصدر عنها إلا بنية فوقية ذهنية وفكرية وعلاقات إنتاج رأسمالية ، فإنّ مُراكمةَ الثروات لا يُمكن أن تتمّ إلا على حساب قُوْتِ وكساء ودواء وسكن وتعليم وتشغيل ورفاهِ عامّةِ الشعب، بحيث يزداد الفقراءُ فَقْراً وتزداد الشرائحُ الإجتماعية الواقعة تحت خطّ الفقر اتساعاً مِن خلالِ رفدِها المتواصل بشرائح الطبقة الوسطى التي تزداد ضيقا ونُحولا إلى أن تنعَدِم كليّاً . وهذا كلّه سيفاقِم مظاهِرَ الإستِغلال ِ والفساد عند الطبقةِ العُليا المُتَسَلِّطة المتُغطرسة ، وسيُضرِمُ بالمُقابلِ أحاسيسَ الضَّيْمِ والقَهْر و الشُّعُورِ بالغُبْنِ والإذلالِ عندَ عامّةِ الناس الذينَ تَعَقّدَتْ مشاكلهُم الإقتصادية والإجتماعيّةُ أكثر ، ليفيض ذلك عَن قُنوطِهِم المَشروعِ ثورةً شعبية حقيقية جارفةً قد يكون ما صَدَرَ عن فُقَراء سيدي بوزيد الذين عُومِلوا وكأنَّهُم « مُغَفَّلون » أولى بَشائرها، عندما أقدَموا على رَجْمِ وفْد « الترويكا » الحاكمة بأمْرِ أمريكا بحجارةِ الغَضَبِ ، حينَ جاءَ هذا الوَفْد ( بكُلّ »صحّة رقعَة » كما يقول المَثَل الشعبي التونسي) كي يحتفلَ بالذّكرى الثانية لِحِراكٍ كانَ الفقراءُ وقُودَهُ وَحَصَدَ الأغنياءُ وفُقَهاؤهم السياسيون والدينيونَ وُعُودَه.

ألم تَعِدْ حركة النهضة في حملتها الإنتخابيةِ لتشكيل المجلس الوطني التأسيسي ، الذي كان يُفتَرَض أنّ دورَه الوحيدَ هُوَ وضْعُ دستور جديدٍ للبلاد ، ووضع قانون إنتخابي جديد ، وتشكيل هيئة مستقلّة لانتخابات برلمانية شفافة ونزيهة، ووقَّعتْ على وثيقة وطنية بأن يتم ذلك كله خلال عام ؟. ولكن في الوقت نفسه كانت تَعِدُ الشعبَ بأنها إذا انتخَبَها ستوفِّرله مئات آلاف مَصادِر الرزق ومَواطِنِ الشّغْل وسوى ذلك مِن الوعود التي يُفتَرَض أن تكون من مسؤولية حكومة غير مؤقتة ، فغابت هذه الحقيقة المؤشِّرة عن وَعْيِ الشعب الغارق ودفَعَتْهُ غيْبُوبَتُهُ إلى التمَسُّك بهذه القشّة التي خَدَعَتْهُ بها « النهضة ». ولكن هاهو العام قد مَرّ والحركة الإسلامية  » اللي بتخاف ربّي » لم تُلَبِّ أيّاً مِن وعودها لجمهورَ المقترعين بإيجاد حلول للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية الملتهبة بجلْبِ المستثمِرين الخليجيين والغربيين أو بتصدير الأيدي العاطلة عن العمل إلى دُوَلٍ يفتِقِدُ مواطنوها حتى حقّ الإنسان في الإطمئنان إلى أنّ حياته لم تَعُدْ مُهَدَّدَة في أيّ لحظة ، حتى بعض مضي عامٍ ونيّف على قتل القذافي وإسقاط نظامه وتدمير مؤسسات الدولة الليبية المتواضعة أصلا بقوة حلف « الناتو » .

ولكن رغم أنّ النهضة ومجلسَها وحكومتها المؤقتين ، بعد مضيّ سنة وأشهر وربما تتمدّد بقوّة الأمر الواقع إلى سنوات -إن تُرِكَ لها الحبْلُ على الغارب – لم ينجزوا بَعْدُ لا دستورا ولاقانون انتخابات ولم يشكلوا هيئة مُستقلة لانتخاباتٍ يبدو أن الشكّ في حصولِها بات مُبَرّراً ، وضربوا عرْض الحائط بوعودِهم بتأمينِ مواطن الشغل ، بل تضاعفت نسبة البطالة كما تضاعفت أسعار المواد الإستهلاكية ، فإنّهُم في « مجلسِهِم » الذي رفض فيه نوّاب حركة النهضة مقتَرحاً بتخفيض الضرائب الجبائية عن ذيّ الّدخْل المحدود الذي لايتجاوَز دخلُه السنوي الثلاثة آلاف وخمسمائة دينار ، فأسقطوا المُقْتَرَح ، ليفرضوا بحكم قوّتهم التصويتية مُقْتَرَحا آخَر يتمّ بموجبه إعادة رَفْع منحة النائب في المجلس التأسيسي إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة دينار شهريا. ياللمفارقة الرقميّةوالأخلاقيّة معاً.

وبهذا كلّه ، يا عزيزي، يفرضونَ « منظومةً » ثقافية وأخلاقية وسياسية شائهة تُفاقِمُ التوتُّرَ الإجتماعيّ ، وهو المطلوب منهم أمريكيّاً.

فالذين أتوا بهم إلى الحكم يُدركون جيّداً أنّ « الإخوان » يفتقِدون الإرادةَ والكفاءةَ مِن أجلِ تقديمِ برنامجٍ اقتصاديّ اجتماعيّ مُتكامل وناجع ، ولذا تَمَّ اختيارُهُم كعنصُر تَوَتُّر وتجزئة وتقسيم ، مَثَلُهم مَثَلُ « الإخوان الشيعة » في العراق الذين تجوع في ظلّ حكمِهِم التي أتتْ به « الديمقراطية الأمريكية » على جنازير الدبابات وأجنحة القاذفات الأغلبيةُ الساحقة مِن شَعْب أرض السواد ، بلاد الرافِدين ، والإحتياطي » الأوّل للنفط في العالم ، وبينما هُم يتصارعون مَع خصُمِهِم على النَّهبِ والنَّهبِ المُوازي في ما تركته لهم الشركات الإحتكارية الاستعمارية مِن الريعِ البترودولاري تنضج يوما بعد يوم لحظةُ إعلان التقسيم الجغراسياسي للعراق على أسس دينية مذهبية وعرقيّة. فما بالكَ بفاتحتيّ  » ثورات الفوضى الخلاقة  » اللتين تُعَدُّ السياحةُ والهباتُ عصبهما الاقتصادي في ظلّ « حكوماتِهِما » التي تتخبَّطُ بينَ إرضاء جمهورِهم السلفيّ الذي يُطالِبُ بِتَطبيق الشريعة الإسلاميّة وأسيادِهِم الغربيين الذين يفرضون عليهم تطبيق شريعةَ الغاب المسماة اقتصاديا سياسة صندوق النقد الدولي؟.

وَمِن « خِصالِ  » الأخوان المسلمين التي أهّلَتْهُم لأن يُناطَ بهِم أخطرُ الأدوار بعْدَ « إطاحة النظام في الفوضى  » في كلّ دولة يتمّ استهدافُها ، أعني إدامة الاضطراب والفوضى ، » خصلةُ » غيابِ الحسِّ الوطنيّ عندَهم أفراداً وجماعاتٍ ، ذلك أنّ اعتِقادَهُم وَتَرويجَهُم السياسيّ لإقامة « الخلافة الإسلاميّة » العابرة للدول والأوطان ، يجعل منهم أدواتٍ مُتَحَمِّسةً وَمَعاوِلَ هَدْمٍ كارِثيّة مُتَوَحِّشة لتدمير الدّول الوطنيّة مؤسساتٍ ومجتَمَعاتٍ ، وتوظيف موارد الثروات والقدُرات الطبيعية والبشرية للدّول التي يتحكّمون بمصائرها في دعمِ وتصدير « الفوضى الخلاقة » إلى دُوَلٍ أخرى تستهدفها خطة « برنارد لويس » الصهيو أمريكية ، ليس فقط دعماً سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً ، بل والأخطر مِن ذلك الدعم اللوجستي والعسكري بالسلاحِ والمسلَّحين بعدَ تجميعِهِم وتدريبهم في معسكراتٍ لهذا الغرَض بتمويلٍ خليجيّ وتسهيلاتٍ تركيّة ، ناسفينَ بذلك أواصر قومية وحضارية عريقة ومعاصرة ، كما فعَلَ « مرسي  » مُتَمَثِّلاً أحطَّ دَرَجاتِ اللؤم وهو يهدم سدّاً بين أطفال سورية وبَرْد الشتاء الإسلاميّ القارس بدونِ أن تتحرّك لمنعهِ مِن اقتِرافِ هذه الجريمة مُوَيجَةُ حنانٍ كنّا نفترضه مخزوننا في وجدانِ « أمِّ الدُّنيا ».

فالمصريون الذين يسكتون عن تدفُّق غاز أرض أحمد عرابي وجمال عبد الناصر إلى فلسطين المحتلة لتدفئةِ « الإسرائيليين » قَتَلَةِ أطفال مدرسة « بحر البقر » هُمُ الذين يَسكتون أيضا عن مَنْعِ سفُنِ المازوت الإيراني من عبور قناة السويس باتجاه « قلب العروبة النابض » كي لا يُدفئ المازوت « الفارسيّ » أطفالَ أحفادِ سليمان الحلبي وجول جمّال..

فهَل تمكَّنَ ثُلاثيُّ كامب ديفيد (الساداتُ ومبارك ومرسي) مِن جَعْلْ المصريين يتنكّرونَ لتاريخِهِم فيكافئون بجحودٍ غير مَسْبُوق مَن خَلَّصَ بشهامةِ السوريّ الحلبيّ أجدادَهُم مِنَ الجنرالِ الإنكليزيّ كليبر وَمَن ردَّ بفروسيّة السوريّ اللاذقانيّ ونُبْلِهِ عَن مِصْرَ في أوّل عملية استشهادية عَرفَها التاريخُ العربيّ المعاصرُ بارجاتِ العدوانِ الثلاثيّ؟!..

وبموازاة ذلك ، فإن كان « الإخوانُ المسلمون » قد تجرّأوا بخطابهم السياسيّ المزدوج ، وبِعَبَثِهِم و تفريطِهم الأرعنين بأمانة  » الحكم العادل » التي وضَعَها جمهورُ المُنتخِبين بين أيديهم ، قد خالَفُوا أوَّلَ صِفاتِ خاتَمِ الأنبياء محمّد  » الصادِق الأمين » ، فَعَلَينا أن لا نَسْتَغْرِب تَزويرَهُم لمفهومِ « الجّهاد » في الدين الاسلامي ، بتوجيه « المجاهِدِِين » تضليلا واستثمارا رخيصا للدم البشريّ إلى « سورية » و »مالي » وغيرهما مِن بلاد المسلمين بَدَلاً مِن توجيهِهِم إلى  » أولى القبلتين وثالث الحَرَمَين  » في القدس المحتلة ، كما هوشأن إسلاميي تونس وليبيا ، وبالتِزامِ « إتفاقياتِ كامب ديفيد  » وتوجيه رسائل الصداقة الحميمة إلى « شيمون بيريز » كما فَعَلَ  » محمّد مرسي ».

وبالتالي فإنّ استخدام رفض المزاج الشعبي للعلاقات مع الكيان الصهيوني والدعوات السابقة إلى تجريم التطبيع معه ، كرافعة للتحريض على نظاميّ « مبارك » و « بن علي » تفقد صلوحيّتَها ويتمّ إسقاطُها الآن مِن مَتْنِ الخطاب الإسلامَوي الإخواني وهَوامِشِهِ.

Un commentaire sur “Hadi Daniel: les illusions du printemps أوهام الربيع العربي arabe 1/2

  1. لا أفهم كيف يقدم السيد دانيال نفسه بطلاً مثل  » البارون منهاوزن » و هو يصارع السفير السوري بتونس لتجاوزه و فظاظته مع السوريين، في حين يصمت و لا يدين رئيسه و رئيس سفيره و هو يبيد الآلاف من شعبه الذي يحبه و يستشعر معه، لكنه ناضل و فاتح بممارسات السفير السيدة (نجاح العطار) نائب الرئيس السوري و بناءاً على هذه المفاتحة النضالية تم التمديد للسفير لسنوات عديدة.
    لكن مع كل ما ذكرته سابقاً أجد من الضرورة استعراض بعض التفاصيل المتعلقة بتوجهات السيد دانيال و التي تدحض ادعاءاته البطولية و تؤكد على دوافعه الانتهازية و تفسر أسباب مهادنته لساسة النظام القمعية بحق الشعب السوري و لن أتعرض الى أي أمر شخصي يمسه.
    في عام 2004 على ما اعتقد(لست متأكد من التاريخ ) جاء الى تونس اللواء غازي (الذي اغتال نفسه في مكتبه في العام 2005، كنعان وزير الداخلية السوري حينها للمشاركة في اجتماعات وزراء الداخلية العرب، و باعتبار أن السيد دانيال كان مراسلاً لوكالة الانباء السورية (سانا) و سأتحدث أولاً عن هذه الوظيفة و طريقة حصول دانيال عليها ومن ثم أعود لقصته مع وزير الداخلية السوري غازي كنعان للمشاركة في اجتماعات وزراء الداخلية العرب ,وبحكم ان (دانيال )كان مراسلا ً لوكالة الأنباء السورية سانا وهي وظيفة أمنها له صديقنا المشترك الذي تحدث عنه، قريب (فاروق الشرع )بوساطة واضحة فهولا يحمل إلا شهادة الدراسة الابتدائية , ومع ذلك أصبح مراسل لسانا ويتقاضى راتبا ًلا بأس به يضاف الى راتبه الدائم من منظمة التحرير الفلسطينية لقاء نضاله لصالح القضية و المتمثلة بالذهاب اخر كل شهر لاستلام راتبه.
    في تلك الزيارة لغازي كنعان الى تونس التقاه السيد هادي و تعاطف اللواء صاحب الأيادي البيضاء مع هادي و يمكن ان يكون مرد التعاطف انهم طلعوا اقرباء ينتمون الى نفس عظام الرقبة، او أنهم في نفس الخندق النضالي الممانع (الله أعلم)، المهم وعده اللواء كنعان بتسوية وضعه ليتسنى له زيارة سوريا و هذا ما تم لاحقاً فعلاً صيف عام 2004، لكن الغريب في كل هذه القصة بل الشاذ أن السيد اللواء كنعان و بعد هذا اللقاء دس يده في جيبه و اخرج ورقة من فئة الـ100 دولار و أعطاها للسيد الوطني هادي دانيال، مثلما يعطيها لاي صبي صغير، و قد قبلها هادي شاكراً، الى هنا ربما يبدو الأمر مقبول على علاته فربما أحرج هادي امام الوزير و تفاجأ بالأمر و لم يشأ أن يخجله، لكن أن يذيع خبر هذا اللقاء و هذه الهبة الدولارية بفرح شديد و تباهي أمام أصدقائه و معارفه و أنا واحد منهم، وبأن اللواء أحبه كثيراً و تعاطف معه، و أتحدى السيد هادي أن ينكر كلمة واحدة مما قلته، و إن فعل سأضطر لذكر بعض الاسماء ممن سمعوا منه هذه القصة و منهم صديقنا قريب فاروق الشرع نفسه و آخرون.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :