Poster un commentaire

لماذا تستكبر القيادة عن الاعتذار عن جرائم التعذيب


    على مرّ عقود طويلة ، كان النّظام السّياسي في بلادنا مستبدّا، يمارس أنواعا شتّى من الظّلم و الفساد و الإقصاء و التّهميش،و كم من أخطاء كثيرة ارتكبها في  حقّ شعبنا و مؤسّساته و على رأسها مؤسّستنا العسكريّة العتيدة ، التي اخترقها في بداية التسعينات ، ولفّق لخيرة من أبنائها تهما باطلة، بدعوى الانتماء إلى حركة النّهضة الإسلامية و الانقلاب على نظام الحكم القائم آنذاك،تعرّضت من خلالها إلى أبشع أنواع التّنكيل و التّعذيب و المحاكمات العشوائيّة و مجالس التّأديب الصّورية، بعدما اختطفها من مراكز عملها ، و غيبّها على أنظار عوائلها و أهلها و زملائها في السّلاح ، ليبعث الرّعب في القلوب و ينشر الخوف و الفرقة في صفوف الجيش ليشكّك في ولائه و بالتّالي إفراغه من محتواه ، و تقزيمه لحساب قوى التآمر و الخيانة

      محسن الكعبي* 

تونس ما بعد الثّورة ..

لماذا تستكبر القيادة عن الاعتذار عن جرائم التعذيب

في المؤامرة المزعومة ب »اجتماع برّاكة السّاحل » 1991 ؟

                                                                       محسن الكعبي* 

     أعتقد أنّه ليس هناك في القاموس الإسلامي مصطلح خطأ لا يغتفر، فكلّ الأخطاء تغتفر.. ،و الخطأ الوحيد الذي لا يغتفر إلا بالرّجوع عنه و عدم الإصرار عليه هو الشّرك بالله، و ما دون ذلك يغفره الله لمن يشاء (إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، و من يشرك بالله فقد ضلّ ضلالا بعيدا) النّساء 116 .

    حينئذ قول كلّ البشر خطّاء،هي حقيقة ثابتة حول مفهوم الخطأ في التّصور الإسلامي ، وهي أن كلّ بن آدم خطّاء و أنّ خير الخطّاءين التوّابون ..وقد عبّر الرّسول صلّى الله عليه و سلّم عن الإنسان( بني آدم) بالخطّاء و ليس المخطئ، وهي صيغة مبالغة تدلّ على تكرار الخطأ، فليس على وجه الأرض بشر معصوم من الخطأ، ولكنّنا جميعا نخطأ و نصيب، وأنّ خير البشر من يعترف بخطئه و يقرّ به ، و يصبح لزاما عليه أن يرد المظالم إلى أهلها، أو يستسمحهم و يسترضيهم و يعتذر عنه و يعمل على إصلاحه ما أمكن إلى ذلك سبيلا ..

    فمن علّمنا يا ترى أنّ الاعتذار ضعف و إهانة و منقصة؟ و من علّمنا أن نقتل بداخلنا هذه الصّفة النّبيلة؟و من علّمنا أنّ في الاعتذار جرح للكرامة و الكبرياء؟..

    على مرّ عقود طويلة ، كان النّظام السّياسي في بلادنا مستبدّا، يمارس أنواعا شتّى من الظّلم و الفساد و الإقصاء و التّهميش،و كم من أخطاء كثيرة ارتكبها في  حقّ شعبنا و مؤسّساته و على رأسها مؤسّستنا العسكريّة العتيدة ، التي اخترقها في بداية التسعينات ، ولفّق لخيرة من أبنائها تهما باطلة، بدعوى الانتماء إلى حركة النّهضة الإسلامية و الانقلاب على نظام الحكم القائم آنذاك،تعرّضت من خلالها إلى أبشع أنواع التّنكيل و التّعذيب و المحاكمات العشوائيّة و مجالس التّأديب الصّورية، بعدما اختطفها من مراكز عملها ، و غيبّها على أنظار عوائلها و أهلها و زملائها في السّلاح ، ليبعث الرّعب في القلوب و ينشر الخوف و الفرقة في صفوف الجيش ليشكّك في ولائه و بالتّالي إفراغه من محتواه ، و تقزيمه لحساب قوى التآمر و الخيانة.. 

     وكم من لحظات غاليّة من أعمارنا ضاعت بعد أن سرقها جهل حكّامنا و فسادهم و كلّ من والاهم من القادة العسكريين و الأمنيين، المتآمرين ، المتملّقين ،الانتهازيين، الذّين باعوا دينهم بدنياهم ،و تخلّوا عن مسؤولياتهم في لحظات كان من المفروض أن يضربوا فيها موعدا مع التّاريخ، و يسجّلوا فيها مواقف بطولية مشرّفة،تجنّبهم مزابل التاريخ التي أبوا  إلاّ أن يدخلوها صاغرين.. ؟ولذلك يصحّ فيهم ما ردّده المتنبي في رائعة من روائعه : وما تنفع الخيل الكرام و لا القنا  

                                                                                                                                              إذا لم يكن فوق الكرام كرام   
      أجيال نشأت في ظل خمول و جهل و ظلام يحياه وطننا ، بعضهم رضي بهذا الحال كونه مجبرا و البعض الآخر اعترض عليه . لكنّ القمع و القبضة الأمنيّة الغاشمة كانتا هما الردّ الذي يردّ به ذلك النّظام دائما. فقد عمل حكاّم بلادنا على تسخير كلّ طاقات الأجهزة الأمنيّة على خدمة عروشهم و أنظمتهم، لقد سرقوا أحلام أجيال بأكملها دون أدنى حساب أو محاسبة.

     اليوم، و بعد أن قامت الثّورة المباركة، لتعيد للشّعب كرامته و للوطن عزّته، استطعنا أن نتأكد بأن الرّوح الثّورية التي كانت تملؤنا في عهود الاستعمار السّابق مازالت فينا و في أجيالنا مهما حاولت الأنظمة المستبدّة و أزلامها أن تمحو تلك الرّوح العفية من داخلنا و تزرع بدل منها روح اليأس و الانكسار و القبول بالأمر الواقع دون الرغبة في تغييره أو حتى مجرد التفكير في تغييره..

    اليوم، و بعدما رأينا المخلوع يلوذ بالفرار ، و أغلب وزرائه و مستشاريه موقوفون بالسّجن العسكري بالعوينة على ذمة التحقيق، في انتظار المحاكمات الثّورية العادلة،و آخرون مازالوا متخفّين ينعمون بالتقاعد المريح،و أيديهم على قلوبهم مخافة أن تنفتح ملفّاتهم وتنكشف جرائمهم و تواطؤهم و تقصيرهم في حماية مرؤوسيهم ..و لكن و لنعلنها لهم صراحة ، أنّنا لن نتركهم يفلتون من العدالة ، و سنقتصّ منهم فردا فردا ،إن آجلا أو عاجلا ،و خاصّة بعدالاعترافات المدويّة لكل من وزير الدّفاع السّابق الحبيب بولعراس الذي عايش الأحداث و باشرها، و مساعد المدير العام للأمن العسكري آنذاك العميد متقاعد موسى الخلفي الذي أشرف على التعذيب و عاينه بمحلات الدفاع و الداخلية  ،و ذلك لأنّ  جرائم التّعذيب لا تسقط بالتّقادم ،ونقول لهم على لسان شاعر الفخر و الحماسة صفي الدين الحلي:

انّا لقوم أبت أخلاقنا شرفا

أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا سود وقائعنا

خضر مرابعنا حمر مواضينا

لا يظهر العجز منّا دون نيل منى  

و لو رأينا المنايا في أمانينا

    لقد بات من الممكن أن نقول و بكل تأكيد أنّ الثّورة استطاعت أن تثبت أنّ هؤلاء لم يكونوا يوما يعملون لصالح الشّعب و الوطن و مؤسساته.و أنّ فرار المخلوع هو خير دليل على مدى ظلمه و فساده في حقّ ذلك الشّعب الثّائر عليه و على زبانيته.

   لكن يبقى دائما سؤال يخامر ذهني: هل يمكن أن يعتذر أيّ مسئول منهم عن الخطأ الذي ارتكبه و الجرائم التي اقترفها بحق شعبنا و مؤسّسته العسكرية العتيدة؟إلى متى سيظلون صامتين ؟ أم أن هؤلاء قد فقدوا فضيلة الاعتذار مع ما فقدوه من فضائل أخرى كالصّدق و الأمانة و النّخوة و الشّجاعة و الرّجولة و غيرها كثير…؟أم لأنّهم جاهلون بآداب الاعتذار…؟

     لكن حتى و إن استيقظت ضمائرهم متأخّرة و اعتذروا، فهل سنقبل اعتذارهم؟

* ضابط مهندس، أستاذ بالأكاديمية العسكرية سابقا

Publicité

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :