Poster un commentaire

Arabe/Une lettre, une candidature,un article et 17 ans d’exil volontaireرسالة و مقال و سبعة عشر سنة من المنفى الاختياري و البقية تأتي


Ahmed Manai

Ahmed Manai

هذه الرّسالة الموّجهة إلى رئيس الجمهورية و التي استلمها في تاريخها ، ثم مشاركتي في الانتخابات التشريعيّة ضمن القائمة المستقلّة لدائرة المنستير، و أخيرَا المقال الذي نشرته على صفحات مجلّة المغرب، ضمن استشارة حول قضية الاعتراف بحركة النهضة،.. هي من أواخر الجهود العلنية التي بذلتها في تونس، للتقريب بين التّيار الوطني الممثل بالخصوص في الحزب الدستوري و التيار الإسلامي الممثل بالخصوص في حركة النهضة.

القليل أو الكثير الذي فعلته في هذا المجال، كان من منطلق القناعة التي انتهيت إليها منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، بأنّ بلدَا صغيرَا كتونس، يتميّز بمنظومة اجتماعية متماسكة، لا تشقها صراعات عرقية أو طائفية أو قبليّة من النوع المدمّر للكيانات الوطنية، لا يحتاج لأكثر من حزبين شعبين يتناوبان على قيادته و سياسة شؤون شعبه بالحكمة المطلوبة، و يتعاونان على التأسيس لنظام ديمقراطي. فالديمقراطية لا تقوم بين حزب كبير مهيمن و شظايا جماعات إيديولوجية، و إنّما بين أحزاب قوية تتبادل الاحترام و في أسوأ الأحوال تهاب بعضها البعض.

كان الحزب الأول، الدّستور، بتسمياته المتتالية، قائما، قاد الحركة التحريرية و أعاد بناء الدولة الوطنية و استمرّ يهيمن على الحياة السياسية.

أمّا الحزب الثاني، فلا يحتاج المرء المستوعب للحدّ الأدنى من التاريخ السياسي لبلاده و المراقب لحركة الأفكار في مجتمعه، بأن يكون بن خلدون عصره ليراه في الحركة الإسلامية الناشئة.

و لقد سعيت ما استطعت لمساعدة هذه الحركة في مختلف مراحل نموّها، و أنا لا أعرف منها إلاّ أربعة أو خمسة أشخاصَا و لا أعلم من أدبياتها و خطابها و مشاريعها و برامجها و تشكيلاتها و تنظيماتها إلاّ ما هوّ مشاع لدى الخاص و العامّ، يحدوني أمل في أن تساهم في إرساء أسس نظام ديمقراطي و تهدئة العلاقة بين الدين و الدولة.

أعترف اليوم أنّي فشلت في ذلك الفشل الذريع و فشل الكثير من أمثالي الذين قاموا بنفس الدّور من مواقعهم. و لقد كتبت هذه التجربة على مدى سنوات المنفى السبعة عشر. و قد راودتني فكرة نشرها منذ حوالي خمس سنوات، لكنني أمسكت عن ذلك، كما قلته في ردّ على مقال بتاريخ 17/01/2005 « خوفا من دعم الاستبداد و أنصاره من كل حدب ».

اعتقد أن قد حان الوقت لنشرها مع تقاعدي من العمل و النشاط السياسي، و أحسب أن ذلك من حقّ مواطنيّ عليّ. أما موعدها، فأقصاه في هذه القصة من « ألف ليلة و ليلة » التي تقول:

 » أن سلطانا قد حكم بالسجن المؤبد على رجل، و قبل أن يبعث به إلى السجن، قال له، « إن استطعت أن تنفذ من باب السجن فأنت حرّ طليق ».

و بعد عشرين سنة بالتّمام و الكمال، تذكر السلطان السجين، فسأل عنه  فقيل له أنه لا يزال حيث هو. فأمر بإحضاره و سأله عن سبب بقائه طوال هذه المدّة. فقال له يا سيّدي لقد حاولت النفاذ ليلا نهارا و على طول هذه السنوات و لكن بدون جدوى.

فتعجّب السلطان و قال له:ماذا كنت تفعل؟ فأجابه بأنه كان يُجهد نفسه في دفع الباب لفتحه و لكن الأقفال جِدّ مُحمكة.  فقال له السلطان: يا غبي لم يكن الباب مقفلا البتّة، ولكن لو حاولت مرة جذبه بدل دفعه لفُتح و لظفرت بحرّيتك منذ زمن بعيد ».

     _________________________________________________

بسم الله الرحمان الرحيم

رسالة إلىالسيد  زين العابدين بن علي

رئيس الجمهورية التونسيّة

قصر قرطاج

سيّدي الرّئيس،

 لقد احتجت إلى جمع كلّ شجاعتي و جرأتي، و أنا المواطن البسيط و المغمور، خارج الحلقة الضيّقة لأصدقائه و أقاربه و الذي جعل من التواضع و الكتمان أعلى فضائله في الحياة، لكي أقدم على مراسلة رئيس الجمهورية، لا من أجل مطلب شخصي و لكن لمفاتحته في الشأن العام التونسي و بالخصوص في قضية خلافية و معقّدة مثل قضية الإسلاميين و تمثيلهم السياسي في البلاد.

 سيّدي الرئيس،

إنّ تقديري العميق لما أنتم بصدد إنجازه من إصلاحات في البلاد، و عرفاني الشخصي لما تكرّمتم به عليّ بإطلاق سراح ابني الحدث بلال و كلّ أصدقائه في صيف سنة 1987، و قناعتي العميقة بواجب المواطن الصالح، الذي أوتي الحدّ الأدنى من الحكمة، في أداء النصح الذي ينتظره منه حكّامه و « أهليتكم بالحكم لإقدامكم على اتخاذ القرار في الوضع الاستثنائي »  على قول فيلسوف ألماني، كل هذه العوامل أقنعتني بجدوى مراسلتكم.

 سيّدي الرئيس،

 تقديرَا لشخصكم و وفاءَ لواجب الأمانة، أقدّم لكم نفسي بكلّ وضوح و دون زخرف و أحدد موقعي من هؤلاء الذين أتقدّم بالدّفاع عنهم بين يديكم.

 إنني أنتسب بدون أدنى غموض أو شكّ لما يُسمّى بالتّوجّه الإسلامي، و هذا قبل زمن طويل من ميلاد الحركة الإسلامية التونسية في بداية السّبعينات.

و ترجع نشاطاتي إلى سنة 1962 عندما بدأت حياتي الطلاّبية في فرنسا، حيث اكتشفت مع الكثير من أترابي، جالية مسلمة مهملة و دون سند، ليس فقط في ما يتعلّق بشؤون العبادة ـ فقد كان الأمر هينَا  لفتور التديّن وقتها ـ و لكن في كل ما يتعلّق بشؤون حياتهم اليومية.

كانت الجالية المسلمة حينذاك من أصول ريفية، ضحيّة الجهل و الأميّة و في أمسّ الحاجة للمساعدة و و السند المعنوي و التضامن، و كانت هناك مؤسسات فرنسية رسمية و منظمات تابعة للبلدان الأصلية للمهاجرين، تسعى لمساعدتهم و لا توفق في ذلك دائما. كان علينا أن نؤدي الواجب لأعانتها على تحمّل أعباء الحياة و تجاوز الصعاب اليومية و أن نقدّم لها بالخصوص السند المعنوي للحفاظ على ذاتهم و شخصياتهم و نساعدهم على القطع مع الأمية بتشجيعهم على تعلّم القراءة و الكتابة. و قد فعلنا ذلك ضمن دروس ليلية تشرف عليها منظمات مسيحية و علمانية. أمّا الإطار التعليمي فقد كان يتشكل من متطوعين مغربيين و فرنسيين.

تلك كانت بدايات النشاط، الذي توسّع فيما بعد وهو ما اضطرنا لتنظيمه و تنويعه. وهو نشاط لم يكن يستند طبعا لأية إيديولوجية قومية أو غيرها. و قد كان المعلّمون و المتعلّمون من أصول جغرافية كثيرة و أعراق متنوعة ـ أفارقة و آسيويين ـ و كان العنصر الوحيد الذي يجمعنا هو الانتساب لأمة الإسلام.

هذا النشاط تكثف مع السنين و توسّع و أفضى إلى تأسيس منظمات طلاّبية و جمعيات دينية و ثقافية، استلزمت كراء محلاّت للصلاة و التفكير في مشاريع بناء مساجد، و هي كلّها معالم في طريق جالية مسلمة، تزايد احتقارها مع ارتفاع أعدادها.

 سيّدي الرئيس،

هذه الأعمال الخيرية و الأنشطة الاجتماعية و الثقافية التي زاولتها، ظلّت هي نشاطاتي إلى اليوم، تحرّكني المُثل التي آمنت بها في شبابي من رغبة في خدمة الناس دونما غاية أخرى غير إرضاء الله.

لهذا، لم يخطر ببالي أن أمارس نشاطا سياسيا أو أساهم حتى في ذلك النشاط الذي يزاوله من أشترك معهم في هموم إعادة هيكلة المجتمع التونسي ثقافيا. كلّ ذلك، على الرّغم مما توفر لي من فرص لأصنع لنفسي اسما و موقعا. و كلّ التزاماتي السياسية كانت للحزب الحرّ الدستوري التونسي سنة 1954 و عمري آنذاك 12 سنة، ثم إطلالة قصيرة في الحزب الاشتراكي الدستوري سنة 1975.

و في المدّة الأخيرة، راودتني فكرة الانخراط في التجمّع الدستوري الديمقراطي، وفاء لالتزاماتي الأصلية و لاعتقادي بأنّ هذا الحزب يملك مقوّمات تجميع التونسيين من كلّ الحساسيّات. و كان     بالامكان أن يتم ذلك لولا التّحفظات التي لمستها عند البعض.

و أتخلص سيّدي الرئيس، إلى موضوع علاقتي بالاتجاه الإسلامي و وجوهه المعروفة.

 تعرّفت بالصدفة على راشد الغنوشي في جامع باريس في يوم من أيام خريف 1968، و كان قد قدم وقتها من سوريا لدراسة اللغة الفرنسية. ثم التقيت فيما بعد ببعض الوجوه الأخرى بمساجد تونس العاصمة.

و قد قامت بيني و بينهم علاقات  صداقة و احترام متبادل مع احتفاظ كل طرف بقناعاته الذاتيّة. و بقدر ما كنت على الدوام متحفظا ، على إقحامهم الدّين في السياسية ـ حيث أنّ همّي الأكبر هو البحث في الإسلام عن مقوّمات أنموذج للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية ـ لم أكن أنكر عليهم الحقّ في مخالفة الرأي و العمل بما اختاروه.

 و لأني قريب منهم  مع المحافظة على قدر كبير من روح النّقد لأفكارهم و ممارساتهم، يمكن لي أن أحكم و أقيّم بموضوعية ما يمكن لهم أن يقدّموه إيجابا للمجتمع التونسي و لفائدة جهدكم في النّهضة الوطنية

  سيّدي الرئيس

أعفيك من سرد تاريخ هذه الحركة، فأنت أعرف بها من أي كان. و لكن الأهم في رأيي، يتمثل في تطوّر أفكارهم و بالخصوص بالنسبة لجوهر منظومتهم الفكرية و كذلك أيضا بالنسبة لمفهومهم للدولة. أعتقد أن القليل من المتتبعين الحصفاء لحركة الأفكار السياسية، قد قدّروا كما يجب، إقدام الغنوشي و رفاقه على الإعلان عن أنفسهم كحزب سياسي في سنة 1981. و قد رأوا في ذلك مجرّد إقحام مفضوح للعمل الديني في الفضاء السياسي و محاولة لإغراق الأخير في اللاّ عقلاني.

أعتقد أنه كان من الواجب أن نرى في تلك المبادرة العكس تماما، و شخصيا، رأيت فيها محاولة، لم يتدبّروها كما يلزم، لتطبيع حركتهم و مسايرة و تماثلا مع بقية الأحزاب، وفي قطيعة كاملة مع فكر مدرستهم الأصلية و بمخاطرة بشعبيتهم.

كان موقفهم ذلك متناقظا مع ثوابت الحركات المتفرعة عن جماعة الإخوان المسلمين التي اشتهرت بنزعتها لمصادرة العمل السياسي و السلطة و عدم قبول المنافسة إلاّ استثناء.

اعتقد أن الإسلاميين التونسيين قد تطوّروا كثيرّا بالنسبة لهذا الخط، و ربما قد فعلوا أكثر من ذلك على مستوى مفهومهم للدولة و علاقتهم بالحكم.

إني لست بالسذاجة إلى حدّ الاعتقاد بأنهم لم يعودوا يأملون في الوصول للحكم في يوم من الأيام، فتلك غاية كلّ حزب سياسي. و لكن على الأقل، ليس عن الطريقة الإيرانية التي ربمّا تخيّلوها في بداية هذه العشرية. و لعلهم اقتنعوا الآن، باستثناء بعض الموهومين أن النموذج الإيراني غير قابل للتجدد، و ليس ذلك لأنّ الوضع التونسي لم يكن يقبل المقارنة يوما بوضع إيران في عهد الشاه، و لا أيضا لأنّ الدولة التونسية قد اتّخذت الاحتياطات اللازمة لتجنّب ذلك ـ كان حكم الشّاه أيضا حكما بوليسيا رهيبا ـ و لكن لأنّهم ربما اقتنعوا بعدم قدرتهم على إدارة أزمة لا تقتصر على الدولة و مؤسساتها و إنما أزمة شاملة، تنخر المجتمع و الإنسان على مستوى هويّته و بشكل أخطر على مستوى تمثل معالم مستقبله.

إن هذا التطور الحاصل في فكر الإسلاميين التونسيين هو نتيجة إدراكهم للضغوط المتنوعة المادية و =المعنوية، التي يتعرّض لها الحكم ـ مهما كان و بالخصوص إذا كان يستند و يقدّم رؤيتة دينية ـ وهو أمر يحجّمهم و يفرض عليهم التقدم للمجتمع شبه عراة أو، على كل حال، متساوين مع بقية التنظيمات السياسية « العلمانية ».

تلك عوامل و مبررات هامة و قويّة، تشرّع للاعتراف بهم، بشكل واضح و صريح، كطرف سياسي مسؤول عن التوازن الاجتماعي و السياسي وهو ما يرجع بمنافع جمّة و مستديمة على تونس.

و فوق كل هذه المبررات الإيديولوجية، أعتقد أني لمست في مواقف و تصرّفات رجالاتهم، استعدادات كاملة للتعاون مع النظام الجديد.

فتحليلي لخطابهم منذ سنة و استفتائي لآراء ثلاثة من قادتهم البارزين، الغنوشي و مورو و الجبالي، و بالخصوص أثر توجهاتهم الجديدة على تصرفات قواعدهم، أقنعتني بأن الحركة قد عرفت تحوّلاَ عميقا. و لكي نجد مثالا لموقف مشابه لحركة إسلامية تجاه النظام القائم، وجب علينا الرّجوع للنموذج المصري في بداية الثورة 1952، أي قبل أن يختار جمال عبد الناصر نهائيا الفكر القومي العربي المنافس القوي وقتها للإسلام السّياسي.

موقفهم هذا ليس بالموقف التكتيكي و أني لأعرف هؤلاء الرّجال و صدقهم و حرصهم على دخول التاريخ نظافا عفافا وهو ما أشهد به من أعماق الضمير.

 سيّدي الرئيس،

 يمكن لي أن أؤكد لكم بأن لك في هؤلاء، حاليا و لزمن طويل، الحلفاء الأكثر وفاء للعهد و الوعد. هذه قناعتي منذ أشهر طويلة، دعّمها ما سمعته من راشد الغنوشي بعد خروجه من السّجن و من حمّادي الجبالي منذ ثلاثة أيام

إنّ مساندتهم ستكون كاملة شاملة لسياستكم في الإصلاح الاجتماعي و إرساء الديمقراطية في البلاد. و قد صرّح بعضهم عن استعداداتهم لتشجيع الاستثمار الشرق الأوسطي و الدولي، عبر استقرار البنوك الإسلامية بتونس وهو أمر ثانوي في رأيي على الرّغم من أهميته، لأنّه لا يمكن لأية مجموعة، مهما كانت قوّتها، أن تعوّض الدّولة أو تتماثل معها.

و الأهم ما يستطيعون أن يقدموه من أمور محسوسة و إيجابية للاستقرار في البلاد، و لإشعاعها و لسمعتها في الخارج ـ و هي كلّها، في اعتقادي، من غايات سياستكم ـ إنّ بمقدورهم أن يساهموا جيّدَا في تحقيقها

سيّدي الرئيس،

و لأجل التقييم السّليم لما يُحتمل أن يقدّمه الإسلاميون من أجل الاستقرار الاجتماعي و السّياسي للبلاد، لابدّ من تقدير قوّتهم الحقيقية اليوم و غدَا.

لا شك أن علينا انتظار الانتخابات التشريعية لشهر أفريل المقبل و كذلك الانتخابات البلدية لسنة 1990 بالخصوص، في حال دخولهم فيها، لكي يتسنّى تحديد فكرة دقيقة. لهذا ستكون تقديراتي تقريبية. و لكنّي أقدّر من الآن أنّ وزنهم، بكلّ حساسياتهم، كان دائما مبالغا فيه. و أخشى أن يستمرّ الأمر كذلك ما تواصل الاعتقاد بأنّ انخراط حدث في فكرة أو جماعة سياسيّة سيظلّ عليه في كهولته. و ما استمر البعض يتصوّر بانّ المجتمع التونسي بأكمله منحاز لمشروعهم و لو بشكل نسبي أو حتى متقبّل لخطابهم.

شخصيا أرى العكس تماما و أرى بالخصوص أنّ تأثيرهم سيبلغ أقصى حدوده قريبا.

و لعلّ أهم أسباب ذلك هي فيما حدث من تطبيع للعلاقة بين الدّولة و الإسلام و انتفاء الأسباب الجادّة للتحرّشات و الاحتجاجات من منطلق ديني، و أيضا و بالخصوص لأن طريقتهم في استقطاب الأنصار تمنعهم كلي امن التأثير على جيل بأكمله و على قطاعات واسعة من المواطنين من ذوي الأوضاع الاجتماعية المريحة. نقطة الضعف هذه ليست خاصة بالإسلاميين التونسيين وحدهم، بل هي قائمة حيث ما كانوا، افتقدوا لهذه الحلقة المهمّة من السّلسلة، و التي تضمّ شريحة من الكهول من أصحاب المسؤولية و ذوي الإشعاع المعترف به و القادرين على القيام بدور الوساطة مع المجتمع الواسع. و غياب هذه الحلقة يهمّشهم كثيرَا.

و سواء همّشوا أم لا، فإنهم سيكونون حاضرين دائما بمثل ما كانوا قبل أن يظهروا بشكلهم الحالي، لأنّ الأصولية الإسلامية هي شيء ثابت في مجتمع تحكمه أخلاق و ثقافة إسلامية في كثير من مستوياته، و بمثل ما هو الحال بالنسبة للأصولية المسيحية في مجتمع مسيحي الثقافة.

لكنه حضور يكون قد فقد وهجه و نشاطه المزعزع و في نفس الوقت شاشة حامية للمجتمع ضد تصاعد محتمل للمجموعات اليساريّة النشطة…

و هناك مؤيدات عملية لهذا الوضع و تتمثل في مواقفهم داخل قلاع الاحتجاج الدّائم المتمثلة في الجامعة و النّقابات. فما إن وقع الاعتراف بوضعهم، بشكل واضح صريح أو ضمنيّ، حاولوا أن يتقدّموا كأشخاص مهمومين باحترام التّوازنات الكبرى.

و أعتقد أنهم سيظلون كذلك على مستوى البلاد إذا ما وقع الاعتراف بهم كهيكل مستقلّ و مسؤول، تماما كبقية الأحزاب الأخرى، و سيظلون مسؤولين عن التوازن السياسي في البلاد و ديمومة الدولة التونسية.

و إذا ما اعترف بهم و حدث فيما بعد أن لم يرضوا باحترام المكانة التي خُصّصت لهم و بحثوا بعد ذلك التحوّل إلى حزب حكم، فذلك في رأيي في طبيعة الأمور، لكنّي أشكّ كثيرَا أن يفكروا جدّيَا في الوصول إلى ذلك أو حتى تهديد الخارطة السياسية الحالية، في غياب أزمة خطيرة لمؤسسات الدولة أو استقالة صارخة للطبقة السياسية.

إني لا أقلل من وزن الإسلاميين و حضورهم، و لا استشرف استقرارهم في السنوات القادمة، لغاية في نفسي، و لكي يحقّ لنا انتظار تراجع أو استقرار شعبيتهم و تطبيع حضورهم، يكفي مراقبة ما يحدث في البلدان الإسلامية التي بدأت تعرفّ شيئا من الديمقراطية في الحياة العامة، مثل السودان و الباكستان…. ولا يتم ذلك إلا بالاعتراف بهم وهو في نظري مكسب هام للمجتمع و الدّولة.

بل إني أعتقد انه من واجبنا أن ننتظر منهم أكثر من ذلك و خاصة أن يساهموا بشكل محسوس في حلّ كبريات مشاكل البلاد و أن يشاركوا بأكثر مما فعلوا لحدّ الآن في النشاطات الاجتماعية و الأعمال الخيرية

 سيّدي الرئيس

في مقال نشرته في « جريدة الحرية » منذ حوالي السنة، اقترحت أن تنشئ تونس فريقا للمتطوعين من أجل التنمية، على شكل « فريق السلام الأمريكي أو سلك « متطوعي الأمم المتحدة »، و في مستوى قدرات تونس.

و قد دعوت لذلك ضمن رؤية تشمل قضية بطالة الشباب أصحاب الشهادات و الفنيين والحرفيين و لكن أيضا كوسيلة متميزة لسياسة خارجية نشيطة سخية، توفر المبادلات البشرية و تخلق مواطن الشغل و المبادلات التجارية، على نمط تونس الجديدة.

أما فضاء نشاط هذا السّلك فهو يشمل البلدان الإفريقية الفقيرة، وأما ذراعه البشري فهم الإسلاميون المدركون و المؤمنون بقضايا التنمية.

و يمكن إيجاد وسائل تمويل هذا المشروع لدى المحسنين من أثرياء المشرق الذي يقال أنهم مستعدّون لهذا العمل.

و أعتقد برأيي المتواضع، أنها طريقة مثلي لدفعهم لخدمة و نفع البلاد في منطقة من العالم قريبة منّا و لا يذكر لنا فيها حضور عمليّ.

على أنّي أعتقد أنهم قادرون أيضا على خدمة سياستكم الخارجية على المستوى الإقليمي. و باعتبارا للتقدير الذي يكنّه لهم زملاءهم في الجزائر و المغرب ـ الذين بدأوا يشاغبون ـ فالإسلاميون التونسيون لن يتردّدوا في التأثير عليهم و تهدئتهم في منطقة هي في أمسّ الحاجة للاستقرار.

إن تجربتي في هذين البلدين و معرفتي للكثيرين من مثقفيهما و سياسيها، التي حصلت لي من خلال إقامتي الطويلة فيهما للعمل و كثير من الصّداقات القديمة، تؤكد لي أنهم لا يطمحون لأكثر من ارتقاء اسلامييهم إلى مستوى حركة الاتجاه الإسلامي التونسية حتى يتسنّى لهم الاعتراف بهم و أنهم لن يروا في الاعتراف تونس باسلامييها بهذا الأخير سابقة مقلقة.

هناك شيء مؤكد على كلّ حال، وهو أنّ الرأي العام في هذين البلدين، المتوثب على الدّوام و بمختلف حساسياته، إلى معرفة ما يأتيه من تونس، لن يتردّد في اعتبار هذا الاعتراف المحتمل، توصّل الجمهورية الجديدة في تونس إلى وفاق تاريخي.

أرجو سيدي الرّئيس أن أكون قد استجبت لنداء ضميري و خدمة بلدي و سياستكم ، و تقبّلــــــــــوا خالص التقديــــــــــر !

 أحمد المناعي

الوردانيـــــــن في 12 جانفي 1989

 ____________________________________________________

القرار من الرّئيس وحده!

مجلّة المغرب ـ عدد 152 ـ الجمعة 19 ماي 1989

منذ سنة، كنت واحدا من الكثيرين الذين اعتقدوا واثقين بأن تونس ستكون أول بلد مغاربي يحلّ قضية إسلامييه الحلّ النّهائي. طبعا ليس الحلّ النهائي العنيف الذي رواد بعض النفوس منذ سنتين و لا يزال يحظى بكثير من التأييد في بعض أوساط النظام، و أيضا، و في مفارقة غريبة، في أوساط المثقفين.

الحلّ النهائي الذي قصدته هو ذلك الذي يعترف لهم بحق التنظم القانوني و يطبّعهم لدى الرأي العام و يحثهم على البحث عن وفاق دائم بين رؤاهم الذاتية و الواقع الاجتماعي، و يدفعهم على تحديد الشروط المثلى لأفضل وئام بين الإسلام و العصر.

و قد لمست بدايات هذا الحلّ في إطلاق سراح راشد الغنوشي و في إجراءات العفو الكثيرة التي انتفع بها رفاقه في حركته، و كذلك في اختيار عبد الفتّاح مورو في التشكيلة الجديدة للمجلس الإسلامي الأعلى، و في كثير من الحركات الأخرى.

فلماذا، إذا، يعاد طرح قضية وجدت حلّها، عمليا، لدى أغلب التونسيين، و كادت تُحفظ في نظر القانون، طالما أن طلاب التقنين قد امتثلوا لروح و نص القانون. و لولا الجدية المعترف بها لمجلة المغرب، لرأيت في هذه الاستشارة المفتوحة في أجواء متأزمة، مجرّد عملية تجارية رخيصة. إذ لابد من الاعتراف بأن الكتابة عن النهضة اليوم، مثلها عن « حركة الاتجاه الإسلامي » بالأمس، تُباع بامتياز و أن كثيرا من الصّحف تدين لها بازدهارها.

سبق لي أن شرحت المرات العديدة، الأسباب العميقة التي دفعتني و أنا المواطن البسيط، بلا علاقة عضوية مع هذه الحركة و أحيانا على تحفظ كبير حول رؤاها ـ و لكن أملك داخلها علاقات قديمة و متينة ـ إلى النضال من أجل الاعتراف بها. و لقد تقدمت أخيرا للانتخابات التشريعية في قائمة مستقلة، لأداء واجب و ممارسة حق طبعا، و لكن بالخصوص لحشد المساندة الشعبية لهذا المشروع.

لن أعود لذكر الحجج التي تدعم، في رأيي، ضرورة الاعتراف القانوني بالنهضة و أكتفي بتحديد أنماط الرّؤى و المواقف القائمة، و ذلك استنادا للأدبيّات الغزيرة المتجمعة حول الموضوع.

يوجد، بخصوص قضية تقنين النّهضة، جبهتان عريضتان، تخومهما متحركة و حدودهما غير مضبوطة، تتمركز كلّ واحدة منهما حول نواة صلبة. و تتصارع الجبهتان من خلال لفيف من القوى يتشكّل من حلفاء ظرفيين. أما ظاهر الصّراع فهو قانوني-سياسي و أما طبيعته الحقيقية فإيديولوجية.

أوّلا: الجبهة المساندة للاعتراف.

 تشكل هذه الجبهة من قيادة الحركة و أغلبية مناضليها. و قد جعلت من قضية الاعتراف القانوني غايتها القصوى على مدى الثماني سنوات الأخيرة و ما تخلّلتها من محن. و قد توسعت هذه الجبهة إلى حلقات كثيرة من الأنصار في أوساط الإسلاميين و خارجها. من هؤلاء الأنصار، كثير من إطارات و مناضلي أحزاب المعارضة و حتى من داخل التجمع الدستوري الديمقراطي الذين انتهوا للإقرار، عن قناعة أو بعد ملل، بضرورة الاعتراف بالحركة بعد تجددها و امتثالها لقانون الأحزاب.

و يبدو أن التحول الذي حدث على موقف قيادات المعارضة و المتمثل في سحب مساندتها لمطلب النهضة، لم يلق تأييدا لدى القواعد و المناضلين لاقتناعهم بأنّ الاعتراف بالإسلاميين يعزز وجودهم.

كانت الانتخابات التشريعية الأخيرة و الحملة التي خاضتها القوائم المستقلة من قبل، مناسبة لتوسيع قواعد النهضة إلى أصناف اجتماعية ظلت عصيّة على خطابها. و لابدّ من الإشارة إلى أنّ وسائل الإعلام التي برهنت عموما عن انحيازها لم تتعرض إلاّ لترّهات خطاب بعض المترشحين، في حين أنّ الرأي العام كان في عمومه متجاوبا مع خطاب و رسالة المستقلين.

و أخيرا بخصوص هذه الجبهة، لابدّ من الإشارة إلى أنّ كثيرا من الإسلاميين و حتى داخل صفوف النّهضة لا يجعلون من التقنين قضيّتهم المركزية. و يبدو أنّ كثيرا منهم يعارضون هذا التمشي و إن وافقوا عليه فإنّما خضوعا للّعبة الديمقراطية داخل حركتهم.

ثانيا: جبهة الرّفض.

جبهة الرّفض أوسع من الأولى و أرقى تشكلا. و هي تشتمل على لفيف من القوى المنتمية إلى عائلات إيديولوجية كثيرة و إلى مراكز  مصالح و طبعا إلى قيادات سياسية. هذه الجبهة لها رأسان و تنتمي إلى مركزي قرار و مصالح مختلفين، توحّدَا ظرفيا في حين أنّ كلّ شيء يبعّد بينهما. و يتّضح ذلك بداية في خطاب كلّ منهما.

فخطاب التجمّع الدّستوري الديمقراطي يستهدف بالنّقد الإسلاميين و مشروعهم المجتمعي تحديدَا، و لا يتردّد في الآن ذاته من التّحرّك على أرضية الإسلام مثلهم. فهو يكثف من استشهاده بالإسلام إلى حدّ الظهور بمصادرته و باستقطابه لشخصيات إسلامية و إحياء مؤسسات دينية منسية أو إنشائه لجديدة. أمّا خطاب حلفائه من اليسار و المثقفين العلمانيين ممن لا يُعرف لهم انتماء سياسيّ، فهو يصل حدّ رفض الإسلام كلّية و يتعمّد التعرّض له، تحت ستار مقاومة حركة إسلامية.

كل هؤلاء القوم هم ضدّ الاعتراف و التقنين و لكلّ أعذاره و غاياته. و إذا كان عداء المعارضة اليساريّة واضح كلّ الوضوح و بدون استثناء (الواجب ألاّ نكتفي بالخطاب الرّسمي و الشكلي لقادة الأحزاب) فإنّ عداء التّجمع الدّستوري الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم و المسؤول الأوّل عن التّوازنات السياسية الكبرى في البلاد، يبقى محلّ جدل.

و يمكن لاعتراض التّجمع على الاعتراف أن يزول لو كان الإسلاميون أقلّ قوّة، و أيضَا و بالخصوص، إذا ما أضافوا إلى تنازلاتهم السّابقة و خضوعهم « لتنظيمات » المجتمع المدني، تنازلات جديدة لا يُعبّر عنها إلاّ تلميحا.

و المسكوت عنه يزيد في تعقيد الوضع لأنه لا يتّصل بالأفكار و إنّما بالأشخاص. و على هذا المستوى يُعتبر رأي عمر صحابو، المساند لبعض الوجوه الإسلامية دون أُخرى، عميق المعنى. فنحن لا نزال في تونس، نعتبر أن الشخص هو فوق المؤسسة. فنحن لا نحتكم للمؤسسة و قوانينها الأساسية و نصوصها و إنما للشخص الذي يقوم عليها. وهو ما يذكرنا بعهد غير بعيد عنّا، كان فيه إتحاد الصناعة و التجارة مثلا الفرجاني بالحاج عمر، و الإتحاد التونسي للشغل ملكا للحبيب عاشور، و حركة الديمقراطيين الإشتراكيين ملكا لأحمد المستيري، و منظمة الأسرة لفلان… و تونس بأكملها للحبيب بورقيبة.

إنّ تصرّف كثير من أوساط النظام تجاه النهضة يخضع لنفس المنطق و الممارسة، إلى حدّ أن اعتبروها حزبا مشخصنا. و الآن و قد قدّم الحزب كلّ التنازلات المبدئية التي حسبنا أنه عاجز عنها، نطالبه بصوت خافت أن يتخلّص من بعض وجوهه التاريخية. ليس كلّها و لكن تلك التي اكتسبت سمعة وطنية و بعض الشهرة الدّولية وعُرفت بصلابة مواقفها ـ وهو أمر مبالغ فيه ـ أي بالخصوص راشد الغنوشي « أصيل الجنوب » و خرّيج آداب جامعة مشرقية فوق ذلك، و الذي يُعتبر غير قابل على التأقلم مع الأحداث و الاندماج في أوساط العاصمة الهادئة. و أيضا حمّادي الجبالي الذي و إن كان أصيل الساحل، محضنة الطبقة السياسية و الحكام في تونس و خرّيج الجامعات الفنّية الغربية يُعاب عليه أن تقمّص شخصية « زوّرو »، في بلد لا يحبّ الناس مثل هذه الشخصية إلاّ في السنما… و آخرون غيرهما.

و على العكس و كما يظهر من اقتراح عمر صحابو، يُحبّذ، من أجل اعتراف محتمل، تشجيع الأصدقاء ذوي المنبت الحسن، من العاصمة أو أحوازها، من « البلديّة » ذوي العروق المتأصلة أو مواليهم، سواء كانوا طلاّب « حزب » أو لم يكونوا.

و ننسى أنّ حزبا، أي حزب، هو أكثر من أيديولوجيا و قوانين أساسية، و أنه فريق، بل جسم تكوّن في لهيب الحركة و هدوء التّفكير… أي روح في النّهاية! و ننسى أخيرا أنه لا يمكن لأيّ كان أن يهدّم من الخارج، ما بناه النّاس معا على المدى الطويل.

و تتعدى قائمة المناهضين للاعتراف الأوساط الثقافية و السياسية إلى أوساط المال و الأعمال. و في بلد تسوده منذ سبع سنوات أزمة اقتصادية حادة، يبدو ألاّ أحد يرى لها حلاّ قريبا. و حيث بدأ الناس يضعون آمالهم في تحسّن الأوضاع على رجال الأعمال أكثر منهم على الدّولة… يصعب على أوساط الأعمال الإمساك عن إسماع صوتها حول الاختيارات السياسية الوطنيّة. و هي تفعل ذلك، على الأقل، لتبرير مالا مبرّر له، أي موقفها المتحفّظ بخصوص الاستثمار على الرّغم من الضمانات و عديد الإمتيازات التي منحتها الدّولة لهم منذ 7 نوفمبر 1987.

 هل يعني ذلك أن هذه الأوساط لم تتأقلم مع الأوضاع الجديدة و هي المنحدرة من عهد كان البلد يعيش فيه مصادرة للحكم بمثل ما كانوا هم يصادرون الأعمال المربحة. اللهم إلاّ إذا كانوا يخافون البرنامج الاقتصادي و الاجتماعي لحركة النهضة ـ وهو الغير موجود أصلا ـ وهو الأمر الذي يجعلهم أصحاب حسّ دقيق في الاستشراف و حدس فائق، لم يسبق أن يُظهروه !

و من المفارقات الغريبة على هذا المستوى، أن قطاع السياحة هو أكثر القطاعات الاقتصادية المنتفعة بالاستثمارات الأجنبية، على الرّغم من الأكاذيب التي روّجت أثناء الحملة الانتخابية حول المخاطر المحدقة به جرّاء تعاظم قوّة الإسلاميين. هل من حاجة للتذكير بأن المستثمرين الأجانب لم يتعوّدوا المخاطرة بأموالهم دون ضمانات حقيقية على استثماراتهم و أيضا على أرباحهم.

و تطول قائمة المناهضين للاعتراف بحركة النهضة فلنوقفها على هذا الحدّ للتذكير بحقيقة واحدة: و هي أننا في نظام رئاسي و أنّ القرارت التي تلزم البلاد لا تصدر إلاّ عن الرئيس، و الرّئيس وحده! و أنه لا يمكن لأي مركز نفوذ أو أية مجموعة تأثير، مهما كانت قوّتها، أن تملي إرادتها على رئيس انتخبه شعب بأكمله. و لكن، ما دامت « مجلّة المغرب » قد أعطتنا الفرصة للدّردشة حول المستقبل القريب، فلنحاول المساهمة في ذلك.

أحمد المناعي

عضو القائمة المستقلة بدائرة المنستير

 

هذا المقال هو مساهمة في الاستشارة التي فتحتها مجلة المغرب حول قضية تقنين حركة النهضة على اثر الانتخابات التشريعية لسنة 1989.

    لم نصل بعدُ حد الدعوة إلى الإلحاد، فذاك يبدو صعبا الآن على صفحات الجرائد الرسميّة، و لكنّها البداية

destour

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :