Un commentaire

جرائم التّعذيب في تونس.. برّاكة السّاحل أنموذجا l’affaire de Barraket Essahel: audience du 23/11 au TMPT


جرائم التّعذيب في تونس.. برّاكة السّاحل أنموذجا

محسن الكعبي*

فتح ما تعرّض له المئات من العسكريين في بداية التسعينات من القرن الماضي،من تعذيب وحشي و مقزّز في دهاليز و أقبية المقرات السرية لأمن الدولة بوزارة الداخلية الباب على مصراعيه للسّؤال عن واقع حقوق الإنسان في تونس، وللسّؤال عن مصداقيّة المزاعم التي كان يروّج لها نظام المخلوع في المحافل و الملتقيات الدولية حول احترامه لحقوق الإنسان و للحرّيات السّياسية و المدنية، و يجعل مصادقة تونس على العديد من الاتفاقيات الدولية و التزامه السياسي و القانوني باحترامها و تنفيذ مقتضياتها محلّ شكّ و ارتياب

جرائم التّعذيب في تونس.. برّاكة السّاحل أنموذجا
محسن الكعبي*
فتح ما تعرّض له المئات من العسكريين في بداية التسعينات من القرن الماضي،من تعذيب وحشي و مقزّز في دهاليز و أقبية المقرات السرية لأمن الدولة بوزارة الداخلية الباب على مصراعيه للسّؤال عن واقع حقوق الإنسان في تونس، وللسّؤال عن مصداقيّة المزاعم التي كان يروّج لها نظام المخلوع في المحافل و الملتقيات الدولية حول احترامه لحقوق الإنسان و للحرّيات السّياسية و المدنية، و يجعل مصادقة تونس على العديد من الاتفاقيات الدولية و التزامه السياسي و القانوني باحترامها و تنفيذ مقتضياتها محلّ شكّ و ارتياب .
ومما يؤكد هذا التوجّه هو العدد الهائل من الانتقادات التي تعرّضت لها تونس في تقارير كبريات المنظّمات الحقوقية المحلية و الإقليمية و الدولية. و التي تجمع على أن تونس تنتهك و بشكل ممنهج حقوق الإنسان ، مما يجعل المراقبين والمتتبعين يرون أن الأمر لا يتعلق بتجاوزات منفردة قد تطبع عمل الأجهزة الأمنية هنا و هناك، بل صار لغة التعامل الرسمي مع المعارضين من سياسيين و صحفيين و نقابيين بمختلف انتماءاتهم سواء كان الأمر يتعلق بالإسلاميين ، أو حتى بالعسكريين الأبرياء الذين زجّ بهم نظام المخلوع في قضيّة وهميّة استباقية باتت تعرف باجتماع براكة الساحل 1991 في إطار تصفية حسابات بينه و بين خصومه الإسلاميين، و كذلك الأمر بالحركات الاحتجاجية الاجتماعية الشعبية مثلما وقع بمنطقة الحوض المنجمي بقفصة في 2008 .
وهو ما يدفع الباحثين للسّؤال عن سبب هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و على رأسها ممارسة التعذيب، وهل يعود ذلك إلى غياب أو نقص في التشريعات المناهضة للتعذيب ؟ أم أن الأمر يعود إلى عدم كفاءة الآليات التنفيذية؟ أو أن هذه التشريعات تظل حبرا على ورق في ظل سيادة لغة التعليمات و غياب إرادة سياسية صادقة للانخراط في ديمقراطية حقيقية؟
و يمكن تناول مسألة تجريم التعذيب على ثلاث مستويات.
ففي مستوى التشريع الإسلامي وباعتبار أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي دستوريا و مرجعا لقوانينها، حيث ينصّ في فصله الأول على أن الإسلام دين الدولة ، و الدولة تضمن لكل فرد حرمته و حرية معتقده و تحمي حرية ممارسة شعائره الدينية، وتسهر كذلك على صيانة حقوق و حريات المواطنين و الجماعات و الهيئات ،و قد وافقت تونس على  » إعلان القاهرة بشأن حقوق الإنسان في الإسلام »الصادر في عام 1990 من قبل وزراء خارجية الدول الإسلامية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي. مما يدفعنا لمعرفة موقف الإسلام من التعذيب.
منع الإسلام التعذيب بشكل قاطع حين جعل الحفاظ على النفس و الجسد و العرض مقصدا من مقاصد الشريعة الكبرى ، و وفّر كافة الضمانات الفقهية و الأخلاقية و التشريعية حيث لا عقوبة إلا بنص قطعي ، لذا نجد أن أغلب الفقهاء أجمعوا على تحريم التعذيب و النهي عنه. و قد كان من نتائج معارضة الفقهاء لتعذيب الناس في غير حد من حدود الله، أن نالوا قسطا وافرا من ظلم أنظمة الاستبداد الحاكمة آنذاك.
و إذا كانت الإنسانية قد استطاعت بعد تجاربها المريرة مع الاستبداد تجريم التعذيب قانونا ، فالإسلام قام بتحريم التعذيب بشكل قاطع. و في الدول الإسلامية مثل تونس نجد أن هناك جمع بين التّجريم القانوني و التّحريم الديني، مما يفرض مناهضة أكبر للتعذيب لكن للأسف نجد أنّ أكثر الدول اتهاما بانتهاك حقوق الإنسان هي الدول الإسلامية حسب التقارير الدولية.
أما على مستوى القانون الجنائي،فقد صادقت تونس على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب و غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاّإنسانية أو المهينة في سنة 1988 ، إلا أنه وفي سنوات الجمر من حكم المخلوع تعرّض خصومه السّياسيون و خاصّة حركة النهضة الغير معترف بها آنذاك لحملات مغرضة من التضييقات و التصفيات و المداهمات و التنكيل و التعذيب و تواصلت إلى بداية التسعينات ليتّهم بعدها المؤسسة العسكرية في ضربة استباقية حسب نظرية فرانسيس فوكوياما ليتخلص من المئات من العسكريين الشرفاء ذات الرتب و الكفاءات العالية و المشهود لهم بالنزاهة و الوطنية و نكران الذات، في ما بات يسمى باجتماع براكة الساحل 1991 ، و هي مسرحية وهمية من إخراج المخلوع و بولعراس و القلال و من لفّ لفهم… وقد عقدت لهذه المسرحية ندوة صحفية تاريخية بمقر وزارة الداخلية بتاريخ 22 ماي 1991 لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننساها نحن الضحايا و ننسى بطلها عبد الله القلال الذي كان وزير دولة وزير داخلية آنذاك، و كان شاهد زور هو و معاونيه على تلك المظلمة التي تعتبر نقطة سوداء في تاريخ تونس المعاصر، ووصمة عار على جبين نظام المخلوع و زبانيته.
وهكذا تمكن النظام البائد من ضرب و بحجر واحد عصفورين، النهضة من جهة و المؤسسة العسكرية من جهة أخرى، أقصاهما و همشهما لأكثر من عقدين من الزمن، و تمّت في ذلك الحين محاكمات عشوائية صورية ظالمة تورّط فيها القضاء المدني و العسكري على السّواء، ونحن هنا لا نبرأ القيادة العسكرية العليا في ذلك الوقت لأنها انحازت إلى نظام المخلوع و تواطأت في مؤامرة براكة الساحل و لا بد أن يحاكموا و تجري عليهم العدالة الانتقالية . و نأمل أن تتدارك العدالة اليوم للدعوة إلى تحصين المكتسبات الوطنية و الحقوقية بعد الثورة المباركة و دعم المبدأ القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة و تفعيل مجهود الحركة الحقوقية في موضوع مناهضة الإفلات من العقاب و ضرورة إخضاع المسئولين عن التعذيب و انتهاكات حقوق الإنسان والذين مازالوا بحالة سراح أو فرار للمساءلة كمدير أمن الدولة في التسعينات و القيادة العسكرية العليا لتنصلها من حماية مرؤوسيها من جهة و تماديها في تجاهلهم بعدم تمكينهم من حقوقهم بالرغم من تبرئة بعضهم من طرف المحاكم.
و لكن السؤال الذي يجب أن يطرح الآن هو لماذا يجرؤ الموظفون العموميون على ممارسة التعذيب و انتهاك القانون بهذا الشكل الفضيع ، و الجواب في تقديري هو أنهم محميون من الملاحقة و التتبع بقوة التعليمات لا بقوة القانون و إلى متى سيتواصل ذلك يا ترى في تونس ما بعد الثورة؟ و للتذكير فقط، فقد رفعت الشكاوي ضد القلال على أساس  » الولاية القضائية العالمية للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب  » و رفعت دعوى قضائية ضده في سويسرا في منتصف شهر فيفري 2001 بتهمة مسؤوليته كوزير داخلية في ممارسة التعذيب ، و لم ينج من الشرطة السويسرية إلا بعد أن تمّ تهريبه من البلاد.
أما على مستوى المواثيق الدولية، و باعتبار أن تونس من الدول التي صادقت على العديد من الاتفاقيات و البروتوكولات الدولية في مجال حقوق الإنسان وخاصة اتفاقية مناهضة التعذيب الصّادرة عن الأمم المتحدة في سنة 1984 ، فإنها ملزمة بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ و حقوق و واجبات و ملزمة كذلك بتنفيذها و معرّضة للملاحقة أمام الهيئات الدولية في حال الإخلال بها. إن تنصّل القضاء التونسي من مسؤولياته في هذه المرحلة الدقيقة من التحول الديمقراطي في بلادنا ، يجعل المسئولين من ضباط و رجال شرطة و حرس و حتى مسئولين سياسيين تحت طائلة القانون الدولي بتهمة ممارسة « جرائم ضد الإنسانية  » إذا رفض أو فشل النظام القضائي الوطني في القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق و محاكمة الأشخاص المشتبه بارتكابهم الجرائم المختصة بها المحكمة الجنائية و إذا ما تقدمت الأطراف المجني عليها برفع دعاوي أمام المحكمة الجنائية الدولية وفقا للمادة 7 في فقرتيها 1(و) ،2 (ه) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ( نظام روما)..
تونس إذن باعتبار المستويات الثلاث أي بالنظر إلى نصوص التشريع الإسلامي ، وباعتبار نصوص القانون الجنائي ، و باعتبار التزاماتها الدولية ، ملزمة قانونا بمناهضة التعذيب بكل أشكاله و معاقبة كل من يمارسه من رجال الدولة و موضفيها العموميين ، و أن لا تقدم لهم الحماية السياسية أو القانونية أو تضمن لهم الإفلات من العقاب . و مطالبة بتفعيل آليات تنظيمية و مؤسساتية أكثر فعالية ، و توفير كافة الضمانات للمنضمات العاملة في مجال حقوق الإنسان لفضح هذه الممارسات و تمكين الصحافة و خاصة الصحافة المرئية من المشاركة في الفضح برفع سيف القمع عنها و التعتيم على القضية ، علما و أن قضية براكة الساحل لم تحض و لو لمرة واحدة ببرنامج تلفزي على القنوات التلفزية الوطنية في بلادنا لأكثر من عقدين ، لنكشف للرأي العام ولشعبنا حجم المؤامرة و المأساة التي نعانى منها و من آثارها إلى اليوم…
في ظل غياب إرادة سياسية و برامج واضحة لدى الحكومات المتعاقبة و المؤقتة بعد الثورة، سنعمل بكل هوادة حتى لا تسقط جرائم التعذيب بفعل الزمن ، و سنحرص على ألا يفلت المجرمون من العقاب ،و الآ تقتصر القائمة المطلوبة على الأربعة الموقوفين حاليا وهم القلال و القنزوعي و القاسمي و العليبي، وسيقع اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية في حال لم ينجح القضاء التونسي في رد الاعتبار للمتضررين ولجميع الضحايا و ورثتهم. كما أن إنصاف العسكريين لا يمثل انتصارا لهم فحسب بل لكافة ضحايا التعذيب الذين يعدّون بالآلاف، ففيهم من قضى نحبه، و فيهم من لا يزال يعاني من آثار التعذيب النفسية و الجسدية …
نحن نصرّ على ملاحقة كل الجلادين، فالجلادون و حماتهم لا ينبغي أن ينعموا بالطمأنينة و يفلتوا من العقاب، والمجلس الوطني التأسيسي اليوم و الذي سيفتتح أشغاله هذا الأسبوع مطالب بالنظر في هذا الملف الخطير و العمل على تسويته بصفة عادلة من أجل القطع نهائيا مع التعذيب من تونس ما بعد الثورة.
————————————————————–
* ضابط مهندس متقاعد، و أستاذ بالأكاديمية العسكرية سابقا

About these ads

Un commentaire sur “جرائم التّعذيب في تونس.. برّاكة السّاحل أنموذجا l’affaire de Barraket Essahel: audience du 23/11 au TMPT

  1. جرائم-التّعذيب-في-تونس-برّاكة-السّاحل/

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

Suivre

Recevez les nouvelles publications par mail.

Rejoignez 307 autres abonnés

%d blogueurs aiment cette page :